الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
اضطرت العساكر المصرية إلى العودة من طريق البر الذي كانت جاءت منه. وكانت فرنسا مناهضة هذه المرة للدول وقامت إلى جنب محمد علي تبرر عمله، وتناصره برأيها ومعاونتها الأدبية.
ونشر السلطان عبد المجيد 1255 1839 خلال هذه المدة خط كلخانه أو البراءة السلطانية وهي أول قانون إصلاحي في السلطنة العثمانية يقضي بإعطاء العناصر العثمانية حقها وحريتها، ويضع نظاماً لاستيفاء الضرائب على نظام واحد، وتطبيق القانون العسكري وغير ذلك من الأمور الإدارية، فصفقت أوربا لقانونه ورجت الارتقاء لمملكته. وكان هذا القانون مما أوحت به بريطانيا واستملاه عقلاء الساسة من الأتراك في العاصمة.
انفراط عقد الحكم المصري:
ولما أحس أهل لبنان بواسطة دعاة البريطانيين أن الدول أزمعت إجلاء الجيش المصري عن الشام بالقوة إن لم ينجل مختاراً، أخذوا يناوشون الحامية المصرية
وقتلوا بعض المتسلمين من المصريين، وكان الأمراء الشهابيون واللمَعيون يقوون العامة سراً ويحثونهم على الثبات، والإفرنج يخبرون الناس باتفاق الدول الأربع النمسا وبريطانيا وروسيا وبروسيا مع الدولة العثمانية على استخلاص الشام من محمد علي، ويحرضونهم على الدولة المصرية، ويؤكدون أن المراكب الحربية قادمة إليهم، واشتدت الفتنة بين أهل الجبل والأمير بشير وحرق إبراهيم باشا بعض قرى الجبل وقتل رهباناً وسبى حريماً.
وكان أمير لبنان في ظاهره مع إبراهيم باشا خوفاً منه، وفي الباطن مع من يضمن له ولايته، وقبض المصريون على 57 رجلاً من أعيان لبنان بينهم أربعون من أمراء الشهابيين كانوا يدعون أهل بلادهم لخلع طاعة المصريين فنفاهم إبراهيم باشا إلى مصر ومنها إلى السودان، وأخذ أعوان أمير لبنان ينتقمون من الرعايا بجمع السلاح والخيل وطرح المغارم، وجاء على الأثر الأسطول العثماني والأوربي في أربعين قطعة صغيرة وكبيرة، تحمل خمسة
آلاف وخمسمائة جندي عثماني وألفي جندي أوربي، فأخذ إبراهيم باشا يجمع شمله في الداخل، ويستدعي جنوده من الساحل، وبحسب تقارير ضباط الإنكليز أن المقتول والمجروح والضائع من العسكر المصري لم يكن أقل من عشرين ألف جندي.
وخرج إبراهيم باشا من دمشق 1256 بعد أن فرق ذخائره ومتاعه على المساجد والجوامع وبيوت الأرامل والأيتام، وأخذ معه جميع الحبوب والمواشي خارجاً من باب الله ونزل في سهل القدم، ومنها قصد إلى مصر عن طريق البر. وقبل رحيله عن دمشق أرسل خالد باشا التركي من الساحل أحمد آغا اليوسف في شرذمة من الجيش فخرج إليه إبراهيم باشا بجند قليل وهزمه شر هزيمة، فرجع إبراهيم باشا بالغنائم والذخيرة الوافرة، اما أحمد آغا فنزل بعسكره بعيداً عن دمشق في إحدى قرى الزبداني ينتظر إخلاء إبراهيم باشا المدينة، ثم خرج إبراهيم باشا صادعاً
بالأمر الذي جاءه من والده بالجلاء عن الشام فخرج أهل دمشق لوداعه وخطبهم وحرضهم على الإخلاد إلى الطاعة والسكينة، ريثما تعود الحكومة العثمانية، وعينت الدولة علي باشا الذي كان والياً على الشام يوم دخول إبراهيم باشا، وكان أشد الأتراك تعصباً، وبقي قنصل بريطانيا المستر ودد الذي أثار الموارنة على إبراهيم باشا مفوضاً من الدولة التركية بمراقبة أعمال عمالها، وكان كثيراً ما يشير على الدولة بعزل هذا فتعزله ونصب ذاك فتنصبه، وكان الموظفون العثمانيون معه كموظفين صغار في خدمة آمر مطلق.
أراد محمد علي أن يقاوم دول أوربا ويظل في الشام، ولكنه علم ببعد نظره أن ذلك متعذر، وأن أسطولاً ضرب بيروت وأحرق الأسطول المصري ونزل تسعة آلاف جندي إلى سواحل الشام، وأن الموارنة بعد أن كانوا عضد ابنه إبراهيم أصبحوا يعاونون الأوربيين على طرده من الشام، وتقدم أمير البحر بأبيه أمام الإسكندرية وأخذ من محمد علي معاهدة لم يترك له بها سوى مصر، وأنه من مقتضى معاهدة الدولة العثمانية مع الدول ترك الحق لبريطانيا بالاتفاق مع النمسا في محاصرة الموانئ ومساعدة كل من أراد خلع طاعة المصريين والرجوع إلى الدولة العلية، وبعبارة أخرى تحريضهم على العصيان لإشغال الجيش المصري في الداخل، كي لا يقوى على مقاومة السفن النمساوية والبريطانية