الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
تؤثر الأثر المطلوب في شعوب الشام وتردهم إلى الطاعة، وقد عرف إبراهيم باشا كيف يؤثر في الشاميين وذلك بأن استمال إليه قلوب أشرافهم وأعيانهم وألقى بينهم الشقاق ضمناً عند الاقتضاء، وبذلك تيسر له حكم هذه الإيالات ووضع ضرائب شديدة عليها ما كان القوم يتحملونها لو لم يكونوا من عناصر وأديان مختلفة، وكان شريف باشا حاكماً على الشام كله وتحت يده الحكام، وكان طماعاً في المال.
حكمنا على أنفسنا وعلى غيرنا:
هذا هو الإنصاف في الحكم على حكومة إبراهيم باشا وما هي في الحقيقة إلا روح محمد علي الكبير التي كان يستمد منه ابنه، ولا يصدر إلا عنه في الخطوب ولا يقطع أمراً دون الرجوع إلى رأيه، حتى جاءت أحكام المصريين نموذجاً في الإدارة، ولو عزمت الدولة العثمانية أن تستفيد من هذا الدرس لأرادت عمالها على تطبيق خطط إبراهيم باشا في الإصلاحات التي قام بها خلال التسع سنين التي قضاها في هذا القطر، ولكن العثمانيين ابتلوا بالإهمال والغرور، لا يعمدون إلى حسن الإدارة ويتظاهرون بالإحسان إلا يوم الشدائد، فإذا زالت عادوا إلى طبائعهم في إعنات الرعية وإلقاء الحبل على الغارب، ونسوا ما أعطوا من عهود، وما وضعوا من القوانين. وهذا ما دعا إلى ظهور الفروق الكثيرة بين الإدارتين
المصرية والعثمانية بعد رحيل جيش إبراهيم باشا عن هذه الديار، وهو الجلاء الذي اقتضته الدول الكبرى بل الدولة البريطانية التي حملت الدول على موافقتها على رأيها لآمال لها تريد تحقيقها في مصر والشام، لتكون هي الحاكمة المتحكمة في مصالحها لا الدولة المصرية الفتية التي تحب فرنسا وتساهمها سياستها أحياناً. وما مصر والشام إلا طريق الهند الأقرب، بل مفتاحها من البحر المتوسط، وإذا أردنا أن ننظر بعين المؤرخ المنصف نرى بريطانيا العظمى هي التي اقتضت سياستها القضاء على أماني محمد علي بل أماني العرب من إنشاء دولة عربية، كما أوجبت سياستها قبل ثلاثين سنة أن تدعو الدولة العثمانية إلى حرب الوهابيين في نجد والحجاز حرباً عواناً لأنه كان
يخشى أن يؤسسوا أيضاً دولة عربية جديدة ربما كانت عثرة في سبيل أماني تلك الحكومة في شبه الجزيرة العربية.
ولو نظرنا إلى ما وقع لإبراهيم باشا في الشام لأول الفتح، لم نره إلا قتالاً مع العثمانيين أي قتال الجيش المصري مع الجيش العثماني، وإذا كان في الجيش الذي دافع عن عكا أو عن دمشق أو يوم حمص مثلاً أناس من الأكراد والهوارة فهؤلاء ليسوا شاميين وهم مستأجرون يحاربون مع كل من يعولهم ويرزقهم، على نحو ما وقع لإبراهيم باشا من هذه الفئة، أسرهم من صفوف الدولة ثم حولهم إلى صفوفه فأخذوا يقاتلون معه، ولم يلتو القصد على إبراهيم باشا إلا لما دخلت أصابع الأجانب، وأخذوا يثيرون عربان نابلس وسكان كسروان وجبال النصيرية ودروز لبنان ووادي التيم وجبل حوران وكل من عرفوا بالمضاء من سكان الجبال، وأما المدن والسواد الأعظم من الناس فقد استقبلوه وأخلصوا له وشعروا بحسن إدارته ولا سيما المسيحيون والاسرائيليون وكلهم أدركوا الفرق بين حكومته وحكومة الترك.
ولقد تجلى في وقائع محمد علي في الشام تجلياً لا مجال للريب فيه، أن اختلاف
المذاهب وتباين التربية، كان من العوامل القوية في إلقاء الفتنة بين أبناء هذا الوطن، وأن دول أوربا عند أغراضها تستحل بث بذور الشقاق بين المتآلفين، وتستخدم وسائل غريبة في تكدير صفاء الآمنين، وتعبث بعقول السّذّج المساكين، وأنها قلما اهتمت لمصلحة أمة من أمم الشرق، بل تهمها مصلحتها فقط، ولو كانت تريد الخير للشام لتركته يسعد ويرقى بحكم محمد علي الذي كان بإقرار رجالها من أرقى ما عهده القطر منذ قرون، ولعل أبناء الشام أيقنوا بخطإهم في الانتقاض على الحكومة المصرية وهي مثلهم عنصراً ولغة وعادات أنهم كانوا على ضلال في الحنين إلى حكم العثمانيين، وما كان من حقهم أن ينسوا في سنين قليلة كيف كان حكامهم يسارعون في الإثم والعدوان. وكان على الشاميين منذ عهد المصريين أن يدركوا أن الدولة دب فيها دبيب الفساد، وأن من العناء رياضة الهرم، وأن الهرم إذا نزل في الدول لا يرتفع.