الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
وحالوا بحكمتهم دون تدخل الرعاع من أبناء طائفتهم في الأمر فخففوا من غلوائهم.
وذكر أن عدد الهالكين من 30 أيار إلى 20 حزيران في لبنان وسورية المجوفة كان أربعمائة إنسان في المتن والغرب وجوار بيروت، وألفاً وثمانمائة في صيدا وجزين والكور المجاورة، وألفين وخمسمائة في قضاءي حاصبيا وراشيا، ومائتين وخمسين في زحلة، وألفين ومائتين في دير القمر ومائة وواحداً وعشرين في بيت الدين، وخمسمائة في بعلبك أي 7771 شخصا من الرجال والنساء والأطفال، وأنه خربت 360 قرية وهدمت 560 كنيسة، وحرق 42 ديرا، وهدمت 28 مدرسة كان فيها 1830 تلميذا، وخسرت الأقاليم التي وقعت فيها الفتن جميع محاصيلها السنوية، وقدر مجموع ما فقد من أموال النصارى وعروضهم بخمسة وتسعين مليون فرنك يدخل فيها أربعة ملايين قيمة تعطيل التجار عن أعمالهم مدة شهرين.
أما بشأن دمشق فقد أغرق في التقدير أيضا فقال: إن الحريق والنهب والقتل دام خمسة أيام من اليوم التاسع من تموز إلى اليوم الثالث عشر قتل في خلالها 8500 مسيحي ودمرت 3800 دار، وقدرت الخسائر بمائة مليون فرنك، ثم قدر عدد من هلكوا من النصارى بالأمراض والقلة بعد المذابح بثلاثين ألف نسمة! وقال: إذا أضفنا هذا العدد إلى من نكبوا في هذه المذابح بلغ من هلك في دمشق ولبنان 46300 إنسان خلال سنة واحدة بتعصب المسلمين والدروز. قلنا وجميع التقديرات تثبت أن القتلى ومن هلكوا بسبب مصائب تلك الفتنة والأمراض لا يتجاوزون ربع ما قدره صاحب كتاب مذابح الشام على أن هذا العدد لا يستهان به أيضا.
عمل الدولة والدول عقبى الحوادث:
ولما ترامت هذه الأخبار المشؤومة إلى الغرب أرسلت الدولة أحد كبار وزراء ذاك الوقت فؤاد باشا لإنزال العقوبة بالفاعلين من المسلمين والدروز، وأرسلت فرنسا عشرة آلاف جندي للمحافظة ومنع التعدي وكذلك باقي الدول
الأوربية، منها من أرسل مراكب حربية، ومنها من أرسل نوابا لإصلاح الحال. وخيم جند فرنسا في البقاع تسعة أشهر وظلت السفن الأجنبية راسية في موانئ الشام وعددها عشرون بارجة، وعقد في بيروت مؤتمر دولي مؤلف من وكلاء الدول الخمس إنكلترا وفرنسا وروسيا والنمسا وبروسيا، وضع أساس نظام جديد للبنان أقره السلطان عبد المجيد ووافقت الدول عليه 1861 1277 ثم عدل هذا النظام سنة 1281 واشتركت به دولة إيطاليا مع الدول السابق ذكرها.
أعاد فؤاد باشا الأمن إلى نصابه ونفى بعض الأعيان من دمشق لأنهم لم يحولوا دون الأشقياء والسفلة وما أتوا من المنكرات، وقتل 111 مسلما رشقا بالرصاص وشنق 56 ونفي 145 وحكم بالأشغال الشاقة على 186 استخدموا في إنشاء الطرق وقضى غيابا بالقتل على 183 وفي عداد الذين قتلوا 18 شخصا من كبار الأسر وأناس ذوو وجاهة، وسمح للنصارى الذين دانوا بالإسلام كرها أن يعودوا إلى دينهم وعددهم خمسمائة، وأخليت ثلاث حارات في دمشق لسكنى النصارى، وجنّد ثلاثة آلاف جندي من هذه المدينة وجعل البدل العسكري مائتي ليرة، وأرسل زهاء ألف رجل للنفي والسجن إلى الأستانة وغيرها، وقتل والي دمشق المشير أحمد باشا رميا بالرصاص لتساهله في إطفاء الفتنة وقال هذا يوم قتل: إني مظلوم وسماه الأتراك بالشهيد، وكان من عظماء الدولة تربى تربية عالية في مدارس الغرب. وقيل: إن فؤاد باشا عجل بقتله مخافة أن تشيع الأوامر التي وردت إليه من الأستانة ونفذها، وأنه لذلك بادر بأخذ حقيبة أوراقه منه ساعة اجتماعه به، وقتل قائد حي النصارى وقائدي حامية حاصبيا وراشيا، وعزل خورشيد باشا قائد
الجند في الساحل، وعوض على المنكوبين من مال الدولة والأهلين. وقال قنصل بريطانيا: إن الخسائر المالية بدمشق من حريق ونهب وأعلاق وعروض وغيرها لا تقل عن مليون وربع ليرة، وكان يرى أن خمسة ملايين ليرة لا تكاد تكفي للتعويض عن تخريب الأملاك، وعن خسارة الأموال والحلي والجواهر والأمتعة الثمينة والسلع والملابس قال ذلك لفؤاد باشا لما قال له أن يفرض غرامة قدرها 25 مليون قرش أي زهاء مائتي ألف جنيه. هذا عدا ما أصاب النساء من هتك
الأعراض وفض الأبكار وركوب العار وبيعهن من الأكراد وأهل البادية كما يباع الإماء كل واحدة بمائة إلى مائة وخمسين قرشا.
أما الدروز في لبنان ووادي التيم ودمشق وحوران فقد نفي منهم نحو مائة إلى طرابلس الغرب، ولم يقتل أحد منهم لأن النصارى طلبوا محاكمتهم بالشرع، ولا بد في الشرع من شهود عدول، والنصارى في هذا الحادث لا تصح شهادتهم، والدروز لا يشهد بعضهم على بعض، وإلا فإن فؤاد باشا أراد فيما قيل أن يقتل منهم خمسمائة رجل، ولاحظ الماجور فرازر بقوله إنه إذا لم يحكم على غير سبعة وخمسين قاتلا فيستنتج من ذلك أن معظم من اشتركوا في المذابح لم يزالوا مطلقا سراحهم، لأنه من المستحيل أن يعتقد بأن أكثر من ثمانية آلاف شخص ذبحهم سبعة وخمسون رجلا دع النساء السبايا واللائي عبث بطهارتهن. وذكر آخر أن الدروز لم يرتكبوا الفاحشة مع النساء وتركوا ذلك لرعاع المسلمين.
عمل العقلاء في دمشق وبيروت ورأي مؤرخ منصف في المسلمين:
وهنا لا بد من التنويه بعمل أكثر عقلاء المسلمين في دمشق وبيروت خاصة، وما بذلوه لحقن دماء أبناء ذمتهم من النصارى، فقد أنقذوا ألوفا منهم على ما يقضي بذلك الدين والشرف، ولولا ذلك لم يبق منهم ديار، وفي مقدمتهم الأمير عبد القادر الحسني، فشكرته الدول النصرانية جمعاء ومما قالته الملكة فيكتوريا ملكة إنكلترا
وإمبراطورة الهند في شكر صنيعه: إنها عرفت من سلوك سموه الفرق بين المسلم ذي العقل الراجح، والجبناء المتظاهرين بالتدين الذين عملوا بإثارتهم التعصب على إبادة كثيرين من النصارى العزّل. وقد كان للشيخ عبد الغني الميداني الغنيمي ومحمود أفندي حمزة وأسعد أفندي حمزة والشيخ سليم العطار وسعيد آغا النوري وعمر آغا العابد وصالح آغا المهايني والسيد عمر بيهم إلى عشرات غيرهم من أهل العلم والسراوة في دمشق وبيروت ممن فتحوا بيوتهم لإيواء مواطنيهم المنكوبين يد طولى في هذا الشأن تذكر فتشكر ولقد قال السيد محمود حمزة قصيدة في تقبيح ما صدر من رعاع الدمشقيين من أفعال القتل والنهب منها: