الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
العهد العثماني من سنة 1326 إلى 1336
الدستور العثماني وثورته:
منذ أقفل السلطان عبد الحميد سنة 1294 المجلس النيابي وعطل الأحكام الدستورية ما برح بعض أحرار العثمانيين تركهم وأرمنهم وعربهم وأرناؤدهم، يتأففون من حالة الدولة ويدعون سراً، إذا لم يكن الجهر، إلى المطالبة بإعادة هذا المجلس وقد أسسوا للوصول إلى هذه الغاية جمعيات سرية في بعض ممالك أوربا ومصر، جعلت لها فروعاً في بعض الولايات العثمانية وعملت في الخفاء زمناً، والسلطان يصم آذانه تارة، ويتصامُّ عن هذه المطالب المشروعة تارة أخرى، ويعاقب من يقتدر عليه من هؤلاء الدعاة إن كانوا في قبضته وتحت علمه بالنفي والتغريب، أو بالمداراة وإغداق الأموال والرتب على بعضهم إذا كانوا بعيدين عنه. وأهم جمعية ألفت لهذا الغرض جمعية الاتحاد والترقي، تشعبت فروعها في أنحاء السلطنة وقويت في بث دعوتها في الشام حوالي سنة 1314 وما برحت على ضم شملها وتكثير سواد القائلين بقولها وإبلاغ دعوتها في جرائد لها أنشأتها خارج السلطنة، وكلمة الجمعية تزيد انتشاراً كلما اشتد عبد الحميد في إرهاق الداخلين فيها، ولا سيما في المارس العليا في الأستانة، والمدارس العليا مجمع شمل أذكياء الطلاب من الترك والعرب والشركس والأرناؤد واللاز والأرمن والروم، فإذا عادوا إلى الولايات يضيفون إلى تذمر الأهلين من فساد الأحكام تذمراً، ويكثرون سواد الحانقين على ذاك النظام الرث القديم.
التاثت الأحوال، وتنكرت الأخلاق، وبات القول الفصل للرشي والمحاباة والشفاعات، وغلوا في التجسس والوقيعة، وكثر الفقر وعم القهر، وزاد الضغط على الأمة، ونال الجند حظ وافر من الشقاء، وغدا المرابطون منهم والغزاة لا يطمعون إلا ما يحفظ عليهم رمقهم فقط، وكثيراً ما كانوا يهلكون جوعاً كما وقع
لهم في اليمن مرات، أو بسوء التدبير كما وقع لكتائب الأرناؤد في دمشق في إحدى الحملات على الدروز، فهلك مئات منهم لأنهم تركوا في العراء في تشرين الثاني فهلكوا بالزحير، وقد يخدمون السنين ولا يلبسون ثياباً تقيهم حمارّة الحر وصبارّة القر، ويطول أمد خدمتهم فيقضون العشر والخمس عشر سنة لا يسرحون، خصوصاً إذا كانوا في ديار قصية كاليمن والحجاز.
أخذ أحرار الضباط يبثون في الأجناد روح الثورة، وكانوا مستعدين لقبول ما يلقى عليهم، فتمرد أولاً بعض الجند في آسيا الصغرى، ثم سرت روح التمرد إلى جند مقدونية. والجنود موقنون أن الدولة لا تهتم بأرواحهم اهتمامها بالبنادق التي يحملونها. واتفق أن ضاقت صدور المسلمين من الأرناؤد في مقدونية من طمع الدول الأوربية فيهم، وأدركوا أن العثمانية تسلمهم متى عجزت كما فعلت مع غيرهم، فيقعون في قبضة الحكومات الأجنبية على نحو ما وقع لمسلمي البوسنة والهرسك وبلغاريا ورومانيا واليونان والصرب. فقام الأرناؤد يداً واحدة في مناصرة الجيش المطالب بالدستور، واتحد الفيلقان الأول والثاني في الروم ايلي، وتبعهما الفيلق الرابع في كردستان، وذلك بالاتحاد مع عصابات البلغار. ونادى الضابطان نيازي بك وأنور بك بالدستور، أو يزحفان على دار الملك، فلم يسع السلطان إلا أن يعيد العمل بالقانون الأساسي الذي كان أوقفه منذ إحدى وثلاثين سنة، فصدرت الإرادة بوضعه موضع العمل صبيحة يوم الجمعة 25 جمادى الآخرة سنة 1326هـ 1908م وبوشر بانتخاب النواب وأطلقت حرية الاجتماع وحرية القول وحرية الكتابة والنشر بعد ذاك الضغط المنهك، وألغيت الجاسوسية التي جعلت وكدها في كشف عورات الناس بما لا يفيد شيئاً في حياة الدولة. وأخرج ألوف من الموظفين والخدمة والمغنين والطباخين وغيرهم من المابين أو قصر يلديز حيث كان السلطان أكثر أيام ملكه، وإليه انتقل الحكم من الباب العالي
الذي كان في عهده اسماً