المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌77 - من فضائل معاوية - دليل الواعظ إلى أدلة المواعظ - جـ ٢

[شحاتة صقر]

فهرس الكتاب

- ‌مقدمة

- ‌أحاديث ضعيفةوموضوعة ولا أصل لها

- ‌خطورة انتشار الأحاديث الضعيفة والموضوعة بين الناس

- ‌أسباب انتشار الأحاديث الضعيفة والموضوعة بين الناس:

- ‌من الآثار السيئة للأحاديث الضعيفة والموضوعة:

- ‌1 - عدم تقبل الناس للأحاديث الصحيحة بعد سماعهم للأحاديث الضعيفة:

- ‌2 - إيقاع المسلم في الشرك الصريح:

- ‌3 - التشنيع على أهل الحديث:

- ‌4 - تعليم الناس ما لم يثبت:

- ‌5 - تأصيل أصول مخالفة للشريعة:

- ‌6 - إفساد الأخلاق:

- ‌7 - تغيير سنة النبي صلى الله عليه وآله وسلم

- ‌8 - إلغاء قواعد في أصول الفقه:

- ‌9 - التفرقة بين المسلمين:

- ‌10 - تشويه سمعة الصحابة رضي الله عنهم

- ‌11 - إعانة المستهترين على الاجتراء على الله بالمعاصي:

- ‌12 - الابتداع في العبادة، ومخالفة السنة:

- ‌13 - مساواة المسلمين بأهل الذمة:

- ‌14 - الصد عن سبيل الله:

- ‌15 - إلقاء الشك والريبة بين المسلمين؛ ونشر الخرافة بينهم:

- ‌16 - التضييق على الناس في أمورٍ من المباحات:

- ‌17 - أحيانًا تؤدي الأحاديث الضعيفة والموضوعة إلى احتقار النساء:

- ‌نماذج منأثر الحديثالضعيف والموضوعفي تخريب العقائد

- ‌أولًا: في أسماء الله وصفاته وتوحيده:

- ‌ثانيا: في حقيقة النبي صلى الله عليه وآله وسلم

- ‌مَن أرادُوا شَيْنَ النبي صلى الله عليه وآله وسلم

- ‌ثالثا: في العصبيات والأهواء:

- ‌رابعا: الأحاديث الموضوعة والخرافة:

- ‌خامسًا: الأحاديث الموضوعة في القرآن:

- ‌أحاديثضعيفة وموضوعة ولا أصل لها

- ‌تنبيهاتقبل قراءة الأحاديث

- ‌التنبيه الأول:

- ‌التنبيه الثاني:

- ‌التنبيه الثالث:

- ‌التنبيه الرابع:

- ‌التنبيه الخامس:

- ‌حرف الألف

- ‌حرف الباء

- ‌حرف التاء

- ‌حرف الثاء

- ‌حرف الجيم

- ‌حرف الحاء

- ‌حرف الخاء

- ‌حرف الدال

- ‌حرف الذال

- ‌حرف الراء

- ‌حرف الزاي

- ‌حرف السين

- ‌حرف الشين

- ‌حرف الصاد

- ‌حرف الضاد

- ‌حرف الطاء

- ‌حرف العَيْن

- ‌موضوعات عامة

- ‌52 - أقسام البركة

- ‌53 - من صور البركة

- ‌54 - البركة في المجتمع المسلم

- ‌55 - عندما ترد الأرض بركتها

- ‌56 - كيف نحصل على البركة

- ‌57 - من وسائل الحصول على البركة

- ‌58 - التبرك المشروع والتبرك الممنوع

- ‌59 - قصة أصحاب الأخدود

- ‌60 - استضعاف وثبات

- ‌61 - الثبات حتى الممات

- ‌63 - مفهوم الإصلاح في الإسلام

- ‌64 - خصائص الشريعة الإسلامية

- ‌65 - نظام الحكم في الإسلام

- ‌66 - دين اسمه العلمانية

- ‌67 - شريعة الله لا شريعةالبشر حتى لا تغرق السفينة

- ‌68 - الشريعة خيرٌ كلها

- ‌71 - الاختلاط بين الرجال والنساء

- ‌72 - الفرق بين الخلوة والاختلاط

- ‌74 - من الثمار المُرّة للاختلاط

- ‌75 - واجِبُنا نحو آل بيت النبي

- ‌76 - معاوية بن أبي سفيان

- ‌77 - من فضائل معاوية

- ‌78 - من صفات معاوية

- ‌82 - السبيل إلى سلامة الصدر

- ‌83 - السهر

- ‌84 - أضرار السهر

- ‌85 - أنواع الهموم

- ‌86 - علاج الهموم

- ‌88 - مَن ترك لله عوضه الله

- ‌90 - المسجد الأقصىفي قلب كل مسلم

- ‌91 - لا يضر السحابَ نبحُ الكلاب

- ‌92 - الله سبحانه وتعالىيدافع عن خليله صلى الله عليه وآله وسلم

- ‌93 - المولد النبوي هل نحتفل

- ‌94 - لماذا لانحتفل بمولد النبي صلى الله عليه وآله وسلم

- ‌95 - كشف شبهاتمن قال بجواز الاحتفال بالمولد

- ‌96 - كشفشبهات حول الاحتفال بالمولد

- ‌97 - رأس السنة هل نحتفل

- ‌98 - شم النسيم هل نحتفل

- ‌99 - حكمالاحتفال بشم النسيم

- ‌100 - عيد الأم هل نحتفل

الفصل: ‌77 - من فضائل معاوية

‌77 - من فضائل معاوية

رضي الله عنه

من فضائل معاوية رضي الله عنه في القرآن الكريم

قال الله عز وجل: {لَا يَسْتَوِي مِنْكُمْ مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ أُولَئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِنَ الَّذِينَ أَنْفَقُوا مِنْ بَعْدُ وَقَاتَلُوا وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ (10)} (الحديد: 10).

ومعاوية رضي الله عنه لا يخلو أن يكون على حالَين: أن يكون قد أسلم قبل فتح مكة كما رجّح وصحّح الحافظُ ابنُ حَجَر، أو يكون بعد ذلك، وقد أنفق وقاتل في حُنين والطائف مع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، فهو ممن وعَدَهم الله الحُسنى بنص الآية، والحُسنى: الجنّة، كما قال تعالى:{إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الْحُسْنَى أُولَئِكَ عَنْهَا مُبْعَدُونَ (101)} (الأنبياء: 101)، وهل يُخْلِف الله وعده؟!

وقال تعالى: {لَقَدْ تَابَ اللَّهُ عَلَى النَّبِيِّ وَالْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ فِي سَاعَةِ الْعُسْرَةِ مِنْ بَعْدِ مَا كَادَ يَزِيغُ قُلُوبُ فَرِيقٍ مِنْهُمْ ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ إِنَّهُ بِهِمْ رَءُوفٌ رَحِيمٌ (117)} (التوبة: 117).

وساعةُ العُسرة هي غزوةُ تَبُوك، وقد شَهِدَها مُعاوية رضي الله عنه.

وقال تعالى: {يَوْمَ لَا يُخْزِي اللَّهُ النَّبِيَّ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ نُورُهُمْ يَسْعَى بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمَانِهِمْ} (التحريم: 8)، فقد ضمن الله الكريم بأن لا يُخزيه، لأنه ممَّنْ آمَنَ برسولِ الله صلى الله عليه وآله وسلم.

من فضائل معاوية سدد خطاكم في السنة النبوية الصحيحة:

ثبوت كونه كاتبًا للنبي صلى الله عليه وآله وسلم، وكتابته الوحي:

عن ابْنَ عَبَّاسٍ سدد خطاكم قال: كُنْتُ غُلَامًا أَسْعَى مَعَ الصِّبْيَانِ قَالَ فَالْتَفَتُّ فَإِذَا نَبِيُّ اللهِ صلى الله عليه وآله وسلم خَلْفِي مُقْبِلًا، فَقُلْتُ:«مَا جَاءَ نَبِيُّ اللهِ صلى الله عليه وآله وسلم إِلَّا إِلَيَّ» .

ص: 545

قَالَ: فَسَعَيْتُ حَتَّى أَخْتَبِئَ وَرَاءَ بَابِ دَارٍ فَلَمْ أَشْعُرْ حَتَّى تَنَاوَلَنِي فَأَخَذَ بِقَفَايَ فَحَطَأَنِي حَطْأَةً، قَالَ:«اذْهَبْ فَادْعُ لِي مُعَاوِيَةَ» ـ وَكَانَ كَاتِبَهُ ـ فَسَعَيْتُ فَقُلْتُ: «أَجِبْ نَبِيَّ اللهِ صلى الله عليه وآله وسلم فَإِنَّهُ عَلَى حَاجَةٍ» . (رواه الإمام أحمد وصححه ابن عساكر والذهبي، وقال شعيب الأرنؤوط: «إسناده حسن»).

(حَطَأَنِي حَطْأَة): هُوَ الضَّرْب بِالْيَدِ مَبْسُوطَة بَيْن الْكَتِفَيْنِ، وَإِنَّمَا فَعَلَ النبي صلى الله عليه وآله وسلم هَذَا بِابْنِ عَبَّاس مُلَاطَفَة وَتَأْنِيسًا.

وعن عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما قال: «إن معاوية كان يكتبُ بين يَدَي رسولِ الله صلى الله عليه وآله وسلم» . (إسنادُه حسن، رواه الطبراني وأبوعوانة والبزار والآجري).

وعن سَهْلِ بن الحَنْظَلِيَّة الأنصاري رضي الله عنه: أن عُيَيْنَةَ والأَقْرَعَ سألا رسولَ الله صلى الله عليه وآله وسلم شيئًا، فأمرَ معاويةَ أن يكتُبَ به لهما، ففعلَ، وختَمَها رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وأَمَر بدفعه إليهما». (رواه أحمد، وأبو داود، وإسناده صحيح على شرط مسلم).

ومن فضائل معاوية سدد خطاكم كوْنُه خال المؤمنين:

فهو أخو أمِّ المؤمنين، زوجِ النبي صلى الله عليه وآله وسلم، أمِّ حَبيبة رَمْلة بنت أبي سفيان رضي الله عنهم؛ ولذلك قال الإمام أحمد:«أقول: معاوية خال المؤمنين، وابن عمر خال المؤمنين» . (رواه الخلال في السنة بسند صحيح).

وروى العجلي في (الثقات) ومن طريقه ابن عساكر بسند صحيح أن رجلا سأل الحكم بن هشام الكوفي: «ما تقول في معاوية؟» ، قال:«ذاك خالُ كلِّ مؤمن» .

* وقد قال صلى الله عليه وآله وسلم: «كُلُّ سَبَبٍ ونَسَبٍ مُنْقَطِعٌ يَوْمَ الْقِيَامَةِ غَيْرَ سَبَبي ونَسَبي» ، وفي رواية:«غَيْرَ نَسَبِي وصِهْرِي» (وللحديث طرقٌ كثيرة، جوَّدَ بعضَها ابنُ كثير، وصححه ابن السَّكَن، والحاكم، والضياء، والذهبي، والألباني، وغيرُهم).

ولا شك أن معاوية داخلٌ في هذا الفضل.

ص: 546

وروى الخلال في السنة واللالكائي عن عبد الملك بن عبد الحميد الميموني، قال: قلت لأحمد بن حنبل: أليس قال النبي صلى الله عليه وآله وسلم: «كُلّ صِهْرٍ وَنَسَبٍ يَنْقَطِعُ إلّا صِهْرِي وَنَسَبِي» ؟، قال:«بلى» . قلت: «وهذه لمعاوية؟» ، قال:«نعم! له صهر ونسب» . (إسناده صحيح، ويستفادُ منه تثبيتُ الإمام أحمد رحمه الله للحديث).

ومن فضائل معاوية سدد خطاكم أنه أَوَّلُ مَنْ غَزَا الْبَحْرَ، وقد وجبت له الجنة:

روى البخاري في صحيحه عن أم حَرَام الأنصارية رضي الله عنها أنها سمعت النبي صلى الله عليه وآله وسلم يَقُولُ: «أوَّلُ جَيْشٍ مِنْ أُمَّتِي يَغْزُونَ الْبَحْرَ قَدْ أَوْجَبُوا» . قَالَتْ أُمُّ حَرَامٍ رضي الله عنها قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، أَنَا فِيهِمْ؟»، قَالَ:«أَنْتِ فِيهِمْ» . ثُمَّ قَالَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وآله وسلم: «أَوَّلُ جَيْشٍ مِنْ أُمَّتِي يَغْزُونَ مَدِينَةَ قَيْصَرَ مَغْفُورٌ لَهُمْ» ، فَقُلْتُ:«أَنَا فِيهِمْ يَا رَسُولَ اللهِ؟» ، قَالَ:«لَا» .

(مَدِينَةَ قَيْصَر) يَعْنِي الْقُسْطَنْطِينِيَّة. (قَدْ أَوْجَبُوا) أَيْ فَعَلُوا فِعْلًا وَجَبَتْ لَهُمْ بِهِ الْجَنَّة. وفِي هَذَا الْحَدِيثِ مَنْقَبَة لِمُعَاوِيَة لِأَنَّهُ أَوَّلُ مَنْ غَزَا الْبَحْرَ، وَمَنْقَبَةٌ لِوَلَدِهِ يَزِيد لِأَنَّهُ أَوَّلُ مَنْ غَزَا مَدِينَةَ قَيْصَرَ.

ومن فضائل معاوية سدد خطاكم أنه من الذين رآهم النبي صلى الله عليه وآله وسلم يَرْكَبُونَ ظَهْرَ الْبَحْرِ كَالْمُلُوكِ عَلَى الْأَسِرَّةِ:

عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ رضي الله عنه عَنْ أُمِّ حَرَامٍ رضي الله عنها وَهِيَ خَالَةُ أَنَسٍ - قَالَتْ: «أَتَانَا النَّبِيُّ صلى الله عليه وآله وسلم يَوْمًا، فَقَالَ عِنْدَنَا، فَاسْتَيْقَظَ وَهُوَ يَضْحَكُ فَقُلْتُ: «مَا يُضْحِكُكَ يَا رَسُولَ اللهِ، بِأَبِي أَنْتَ وَأُمِّي؟» ، قَالَ:«أُرِيتُ قَوْمًا مِنْ أُمَّتِي يَرْكَبُونَ ظَهْرَ الْبَحْرِ كَالْمُلُوكِ عَلَى الْأَسِرَّةِ» . فَقُلْتُ: «ادْعُ اللَّهَ أَنْ يَجْعَلَنِي مِنْهُمْ» . قَالَ: «فَإِنَّكِ مِنْهُمْ» . قَالَتْ: «ثُمَّ نَامَ فَاسْتَيْقَظَ أَيْضًا وَهُوَ يَضْحَكُ فَسَأَلْتُهُ فَقَالَ مِثْلَ مَقَالَتِهِ، فَقُلْتُ: «ادْعُ اللَّهَ أَنْ يَجْعَلَنِي مِنْهُمْ» . قَالَ: «أَنْتِ مِنْ الْأَوَّلِينَ» .

فَرَكِبَتِ الْبَحْرَ فِى زَمَانِ مُعَاوِيَةَ بْنِ أَبِى سُفْيَانَ فَصُرِعَتْ عَنْ دَابَّتِهَا حِينَ خَرَجَتْ مِنَ الْبَحْرِ، فَهَلَكَتْ.

ص: 547

وفي رواية: فَخَرَجَتْ مَعَ زَوْجِهَا عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ غَازِيًا أَوَّلَ مَا رَكِبَ الْمُسْلِمُونَ الْبَحْرَ مَعَ مُعَاوِيَةَ، فَلَمَّا انْصَرَفُوا مِنْ غَزْوِهِمْ قَافِلِينَ فَنَزَلُوا الشَّأْمَ، فَقُرِّبَتْ إِلَيْهَا دَابَّةٌ لِتَرْكَبَهَا فَصَرَعَتْهَا فَمَاتَتْ». (رواه البخاري ومسلم).

هذا الحديث فِيهِ مُعْجِزَات لِلنَّبِيِّ صلى الله عليه وآله وسلم مِنْهَا إِخْبَاره بِبَقَاءِ أُمَّته بَعْده، وَأَنَّهُ تَكُون لَهُمْ شَوْكَة وَقُوَّة وَعَدَد، وَأَنَّهُمْ يَغْزُونَ وَأَنَّهُمْ يَرْكَبُونَ الْبَحْر، وَأَنَّ أُمّ حَرَام تَعِيش إِلَى ذَلِكَ الزَّمَان، وَأَنَّهَا تَكُون مَعَهُمْ، وَقَدْ وُجِدَ بِحَمْدِ اللهِ تَعَالَى كُلّ ذَلِكَ.

وَفِيهِ: فَضِيلَة لِتِلْكَ الْجُيُوش، وَأَنَّهُمْ غُزَاة فِي سَبِيل اللهِ.

وَاخْتَلَفَ الْعُلَمَاء مَتَى جَرَتْ الْغَزْوَة الَّتِي تُوُفِّيَتْ فِيهَا أُمّ حَرَام فِي الْبَحْر؟ وَقَدْ ذكرَ فِي هَذِهِ الرِّوَايَة فِي مُسْلِم أَنَّهَا رَكِبَتْ الْبَحْر فِي زَمَان مُعَاوِيَة، فَصُرِعَتْ عَنْ دَابَّتهَا فَهَلَكَتْ، قَالَ أَكْثَر أَهْل السِّيَر وَالْأَخْبَار: إِنَّ ذَلِكَ كَانَ فِي خِلَافَة عُثْمَان بْن عَفَّان رضي الله عنه وَأَنَّ فِيهَا رَكِبَتْ أُمّ حَرَام وَزَوْجهَا إِلَى قُبْرُص فَصُرِعَتْ عَنْ دَابَّتهَا هُنَاكَ، فَتُوُفِّيَتْ وَدُفِنَتْ هُنَاكَ، وَعَلَى هَذَا يَكُون قَوْله:(فِي زَمَان مُعَاوِيَة) مَعْنَاهُ: فِي زَمَان غَزْوِهِ فِي الْبَحْر لَا فِي أَيَّام خِلَافَته، وَقِيلَ: بَلْ كَانَ ذَلِكَ فِي خِلَافَته، وَهُوَ أَظْهَر فِي دَلَالَة قَوْله فِي زَمَانه.

(مُلُوكًا عَلَى الْأَسِرَّة) أَرَادَ - وَاَللهُ أَعْلَم - أَنَّهُ رَأَى الْغُزَاة فِي الْبَحْر مِنْ أُمَّته مُلُوكًا عَلَى الْأَسِرَّة فِي الْجَنَّة، وَرُؤْيَاهُ وَحْي، وَقَدْ قَالَ اللهُ تَعَالَى فِي صِفَة أَهْل الْجَنَّة:{عَلَى سُرُرٍ مُتَقَابِلِينَ} (الصافات:44) وَقَالَ: {عَلَى الْأَرَائِكِ مُتَّكِئُونَ} (يسن:56) وَالْأَرَائِك السُّرَر فِي الْحِجَال. والحَجَلة مثل القُبَّة، وحَجَلة العروس هي بيت يُزَيَّن بالثياب والأَسِرَّة والستور لَهَا عُرًى وَأَزْرَار.

فإذا تبيَّن هذا الفضلُ العظيم، كان معاوية سدد خطاكم مِن أولى الناس به، إذ أنه أميرُ تلك الغزاة بالاتفاق، وقد قال ابنُ عبد البر عن هذا الحديث في التمهيد (1/ 235):«وفيه فضلٌ لمعاوية رحمه الله، إذ جَعَلَ مَن غَزا تحتَ رايَتِه مِن الأوَّلين» .

ص: 548

ومن فضائل معاوية سدد خطاكم أنه كان من الذين أحبُّ النبيُ صلى الله عليه وآله وسلم أن يَعِزّوا، فأعزّهم الله:

عَنْ عَائِشَةَ رضي الله عنها قَالَتْ: جَاءَتْ هِنْدٌ إِلَى النَّبِيِّ صلى الله عليه وآله وسلم فَقَالَتْ: «يَا رَسُولَ اللهِ، وَاللهِ مَا كَانَ عَلَى ظَهْرِ الْأَرْضِ أَهْلُ خِبَاءٍ أَحَبَّ إِلَيَّ مِنْ أَنْ يُذِلَّهُمْ اللهُ مِنْ أَهْلِ خِبَائِكَ، وَمَا عَلَى ظَهْرِ الْأَرْضِ أَهْلُ خِبَاءٍ أَحَبَّ إِلَيَّ مِنْ أَنْ يُعِزَّهُمْ اللهُ مِنْ أَهْلِ خِبَائِكَ» .

فَقَالَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وآله وسلم: «وَأَيْضًا وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِه» . (رواه البخاري ومسلم).

(خِبَاء) خَيْمَة مِنْ وَبَر أَوْ صُوف، ثُمَّ أُطْلِقَتْ عَلَى الْبَيْت كَيْف مَا كَانَ.

(قَالَ وَأَيْضًا وَاَلَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ) فِيهِ تَصْدِيق لَهَا فِيمَا ذَكَرَتْهُ، كَأَنَّهُ رَأَى أَنَّ الْمَعْنَى: وَأَنَا أَيْضًا بِالنِّسْبَةِ إِلَيْك مِثْل ذَلِكَ.

فالمدح في قوله: «وَأَيْضًا وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِه» ؛ وهو أنه صلى الله عليه وآله وسلم كان يَوَدُّ أن هندَ وأهلَها وكلَّ كافر يَذلّوا في حال كفرهم، فلما أسلموا كان يحبُّ أن يَعِزّوا، فأعزّهم الله، يعني أهلَ خبائها».

والحديث يدلُّ على تخصيص هند وأهل خبائها بالذات، ثم مما يؤكدُ إعزازَ النبيِّ صلى الله عليه وآله وسلم لها بعد الإسلام؛ أنه استَغفرَ لها لما جاءته مبايعةً مع النساء، فنَزل قولُ الله تعالى:{فَبَايِعْهُنَّ وَاسْتَغْفِرْ لَهُنَّ اللَّهَ} (الممتحنة:12)، وجاء وصفُ المبايعات في الآيات بأنهن من (المؤمنات). ويَدخلُ معاويةُ في فضل الحديث السابق، فهو من أهل خباء هند رضي الله عنها.

ومن فضائل معاوية سدد خطاكم دعاء النبي صلى الله عليه وآله وسلم له بالهداية:

عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي عُمَيْرَةَ - وَكَانَ مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وآله وسلم عَنْ النَّبِيِّ صلى الله عليه وآله وسلم أَنَّهُ قَالَ لِمُعَاوِيَةَ: «اللَّهُمَّ اجْعَلْهُ هَادِيًا مَهْدِيًّا وَاهْدِ بِهِ» (رواه الترمذي وغيره وصححه الألباني). (هَادِيًا) أَيْ لِلنَّاسِ أَوْ دَالًّا عَلَى الْخَيْرِ. (مَهْدِيًّا) أَيْ مُهْتَدِيًا فِي نَفْسِهِ.

ص: 549

ومن فضائل معاوية سدد خطاكم دعاء النبي صلى الله عليه وآله وسلم له بالوقاية من العذاب:

ثَبَتَ أن النبيَّ صلى الله عليه وآله وسلم دعا لمعاوية فقال: «اللهم عَلِّمْهُ الكِتابَ والحِسَابَ، وقِهِ العَذَابَ» . (رواه الطبراني وغيره وصححه الألباني).

ومن فضائل معاوية سدد خطاكم:

قَالَ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وآله وسلم: «خِيَارُ أَئِمَّتِكُمْ الَّذِينَ تُحِبُّونَهُمْ وَيُحِبُّونَكُمْ وَيُصَلُّونَ عَلَيْكُمْ وَتُصَلُّونَ عَلَيْهِمْ، وَشِرَارُ أَئِمَّتِكُمْ الَّذِينَ تُبْغِضُونَهُمْ وَيُبْغِضُونَكُمْ وَتَلْعَنُونَهُمْ وَيَلْعَنُونَكُمْ» (رواه مسلم). (يُصَلُّونَ): أَيْ يَدْعُونَ.

ومعاوية رضي الله عنه كان من أحسن الناس سيرة في ولايته، وكانت رعيته تحبه وهو يحبهم، ويصلون عليه وهو يصلي عليهم.

معاوية سدد خطاكم أحد الخلفاء الاثني عشر:

عَنْ جَابِرِ بْنِ سَمُرَةَ قَالَ انْطَلَقْتُ إِلَى رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وآله وسلم وَمَعِى أَبِى فَسَمِعْتُهُ يَقُولُ: «لَا يَزَالُ هَذَا الدِّينُ عَزِيزًا مَنِيعًا إِلَى اثْنَىْ عَشَرَ خَلِيفَةً» . فَقَالَ كَلِمَةً صَمَّنِيهَا النَّاسُ فَقُلْتُ لأَبِى: «مَا قَالَ؟» ، قَالَ «كُلُّهُمْ مِنْ قُرَيْشٍ» . (رواه مسلم).

وبالتأمل في النص بكل حيدة وموضوعية نجد أن هؤلاء الاثني عشر وصفوا بأنهم يتولون الخلافة ، وأن الإسلام في عهدهم يكون في عزة ومنعة، وأن الناس تجتمع عليهم، ولا يزال أمر الناس ماضيًا وصالحًا في عهدهم، وكل هذا الأوصاف لا تنطبق على مَن تَدّعِي الشيعة الاثنا عشرية فيهم الإمامة فلم يتوَلَّ الخلافة منهم إلا أمير المؤمنين علي والحسن رضي الله عنهما.

ثم أنه ليس في الحديث حصر لأئمة بهذا العدد ، بل نبوة منه ، بأن الإسلام لا يزال عزيزًا في عصور هؤلاء، وكان عصر الخلفاء الراشدين وبني أميه عصر عزة ومَنَعَة ، وعدّ شيخُ الإسلام ابنُ تيمية معاويةَ سدد خطاكم من الأئمة المقصودين بالحديث.

ص: 550

معاوية سدد خطاكم أم عمر بن عبد العزيز رحمه الله؟

إن عمر بن عبد العزيز من أئمة الهدى ومن المجددين، واعتُبِرَ خامسُ الخلفاء الراشدين؛ لأنه سار على نهجهم في سيرتهم مع الرعية والخلافة وطريقة العيش وغيرها من الأمور، لكن هذا لا يعني أن نفضل عمر بن عبد العزيز على معاوية سدد خطاكم، فمعاوية سدد خطاكم صحابي جليل القدر والمنزلة رأى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وصافحت يدُه يدَ النبي صلى الله عليه وآله وسلم.

وعن رباح بن الجراح الموصلي قال: سمعت رجلا يسأل المعافى بن عمران، فقال:«يا أبا مسعود أيْش عمر بن عبد العزيز من معاوية بن أبي سفيان؟» . فغضب من ذلك غضبًا شديدًا وقال: «لا يقاس بأصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أحد، معاويةُ صاحبُه، وصِهْره، وكاتبُه وأمينُه على وحي الله عز وجل» .

وسئل المعافى بن عمران أيضًا: «معاوية أفضل أو عمر بن عبد العزيز؟» ، فقال:«كان معاوية أفضل من ستمائة مثل عمر بن عبد العزيز» .

وسُئل عبد الله بن المبارك: «أيهما أفضل: معاوية بن أبي سفيان أم عمر بن عبدالعزيز؟» ، فقال:«والله إن الغبار الذي دخل في أنف معاوية مع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أفضل من عمر بألف مرة. صلى معاوية خلف رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، فقال: «سمع الله لمن حمده» ، فقال معاوية:«ربنا ولك الحمد» ، فما بعد هذا؟».

ومعلوم أن (سمع) بمعنى استجاب، فمعاوية حصل له هذا الفضل وهو الصلاة خلف رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، والرسول صلى الله عليه وآله وسلم قال:«سمع الله لمن حمده» ، ومعاوية رضي الله عنه كان ممن يصلي وراءه ويقول:«ربنا ولك الحمد» .

وعن أبي بكر المروذي قال: قلت لأبي عبد الله (أي الإمام أحمد بن حنبل): «أيهما أفضل: معاوية أو عمر بن عبد العزيز؟» ، فقال: «معاوية أفضل، لسنا نقيس

ص: 551

بأصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أحدًا، قال النبي صلى الله عليه وآله وسلم:«خَيْرُ النَّاسِ قَرْنِي الذِي بُعِثْتُ فِيهِمْ» .

وعن الأعمش أنه ذكر عنده عمر بن عبد العزيز وعدله، فقال:«فكيف لو أدركتم معاوية؟» ، قالوا:«يا أبا محمد يعني في حلمه؟» ، قال:«لا، والله، بل في عدله» .

وإن الجمع الذي بايع معاوية سدد خطاكم بالخلافة خير من الجمع الذي بايع عمر بن عبد العزيز رحمه الله، فقد بايع لمعاوية جم غفير من صحابة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم و رضي الله عنهم.

تعظيم معاوية سدد خطاكم لسنة النبي صلى الله عليه وآله وسلم:

1 -

عَنْ أَبِي مِجْلَزٍ قَالَ: خَرَجَ مُعَاوِيَةُ عَلَى ابْنِ الزُّبَيْرِ وَابْنِ عَامِرٍ، فَقَامَ ابْنُ عَامِرٍ وَجَلَسَ ابْنُ الزُّبَيْرِ، فَقَالَ مُعَاوِيَةُ لِابْنِ عَامِرٍ:«اجْلِسْ فَإِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وآله وسلم يَقُولُ: «مَنْ أَحَبَّ أَنْ يَمْثُلَ لَهُ الرِّجَالُ قِيَامًا فَلْيَتَبَوَّأْ مَقْعَدَهُ مِنْ النَّارِ» (رواه أبو داود، وصححه الألباني). (مَنْ أَحَبَّ أَنْ يَمْثُلَ لَهُ): أَيْ يَقُوم وَيَنْتَصِب لَهُ.

(فَلْيَتَبَوَّأْ): أَيْ فَلْيُهَيِّئْ، أَمْرٌ بِمَعْنَى الْخَبَرِ، كَأَنَّهُ قَالَ: مَنْ أَحَبَّ ذَلِكَ وَجَبَ لَهُ أَنْ يَنْزِلَ مَنْزِلَةً مِنْ النَّارِ وَحُقَّ لَهُ ذَلِكَ.

2 -

قال أبو الدَّرداء رضي الله عنه: «ما رأيتُ أشْبَهَ صلاةً برسول الله صلى الله عليه وآله وسلم مِن أميركم هذا» ، يعني معاوية رضي الله عنه. (رواه الطبراني، وسنده صحيح).

3 -

روى ابن أبي عاصم أن معاوية قال: «إن تسوية القبور من السنة، وقد رفعت اليهود والنصارى، فلا تشبهوا بهم» . (قال الألباني: «إسناده صحيح»).

يشير معاوية رضي الله عنه إلى ما رواه مسلم في صحيحه، عن أَنَّ ثُمَامَةَ بْنَ شُفَىٍّ قَالَ كُنَّا مَعَ فَضَالَةَ بْنِ عُبَيْدٍ بِأَرْضِ الرُّومِ بِرُودِسَ فَتُوُفِّىَ صَاحِبٌ لَنَا فَأَمَرَ فَضَالَةُ بْنُ عُبَيْدٍ بِقَبْرِهِ فَسُوِّىَ ثُمَّ قَالَ:«سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وآله وسلم يَأْمُرُ بِتَسْوِيَتِهَا» .

ص: 552

4 -

وعَنْ مُعَاوِيَةَ رضي الله عنه قَالَ: «سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وآله وسلم يَقُولُ: «إِنَّكَ إِنْ اتَّبَعْتَ عَوْرَاتِ النَّاسِ أَفْسَدْتَهُمْ أَوْ كِدْتَ أَنْ تُفْسِدَهُمْ» ، فَقَالَ أَبُو الدَّرْدَاءِ:«كَلِمَةٌ سَمِعَهَا مُعَاوِيَةُ مِنْ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وآله وسلم نَفَعَهُ اللهُ تَعَالَى بِهَا» . (رواه أبو داود، وصححه الألباني). (أَفْسَدْتَهُمْ أَوْ كِدْتَ أَنْ تُفْسِدَهُمْ): شَكٌّ مِنْ الرَّاوِي.

معنى الحديث: إِذَا بَحَثْت عَنْ مَعَائِبِهِمْ وَجَاهَرْتهمْ بِذَلِكَ، فَإِنَّهُ يُؤَدِّي إِلَى قِلَّة حَيَائِهِمْ عَنْك فَيَجْتَرِئُونَ عَلَى اِرْتِكَاب أَمْثَالهَا مُجَاهَرَة.

قول أَبي الدَّرْدَاءِ: «كَلِمَةٌ سَمِعَهَا مُعَاوِيَةُ مِنْ رَسُولِ اللهِ نَفَعَهُ اللهُ تَعَالَى بِهَا» .

قال ابن كثير: «يعني أنه كان جيّدَ السريرة، حَسَنَ التجاوُز، جميلَ العفو، كثيرَ السِّتر، رحمه الله تعالى» .

5 -

قَالَ عَمْرُو بْنُ مُرَّةَ لِمُعَاوِيَةَ: «إِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وآله وسلم يَقُولُ: «مَا مِنْ إِمَامٍ يُغْلِقُ بَابَهُ دُونَ ذَوِي الْحَاجَةِ وَالْخَلَّةِ وَالْمَسْكَنَةِ إِلَّا أَغْلَقَ اللهُ أَبْوَابَ السَّمَاءِ دُونَ خَلَّتِهِ وَحَاجَتِهِ وَمَسْكَنَتِهِ» ، فَجَعَلَ مُعَاوِيَةُ رَجُلًا عَلَى حَوَائِجِ النَّاسِ.

(رواه الترمذي، وصححه الألباني).

(وَمَا مِنْ إِمَامٍ يُغْلِقُ بَابَهُ دُونَ ذَوِي الْحَاجَةِ وَالْخَلَّةِ وَالْمَسْكَنَةِ) أَيْ يَحْتَجِبُ وَيَمْتَنِعُ مِنْ الْخُرُوجِ عِنْدَ اِحْتِيَاجِهِمْ إِلَيْهِ، وَالْخَلَّةُ: الْحَاجَةُ وَالْفَقْرُ.

فَالْحَاجَةُ وَالْخَلَّةُ وَالْمَسْكَنَةُ أَلْفَاظٌ مُتَقَارِبَةٌ وَإِنَّمَا ذَكَرَهَا لِلتَّأْكِيدِ وَالْمُبَالَغَةِ.

(إِلَّا أَغْلَقَ اللهُ أَبْوَابَ السَّمَاءِ دُونَ خَلَّتِهِ وَحَاجَتِهِ وَمَسْكَنَتِهِ) أَيْ أَبْعَدَهُ وَمَنَعَهُ عَمَّا يَبْتَغِيهِ مِنْ الْأُمُورِ الدِّينِيَّةِ أَوْ الدُّنْيَوِيَّةِ فَلَا يَجِدُ سَبِيلًا إِلَى حَاجَةٍ مِنْ حَاجَاتِهِ الضَّرُورِيَّةِ.

6 -

عَنْ حُمَيْدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ أَنَّهُ سَمِعَ مُعَاوِيَةَ بْنَ أَبِي سُفْيَانَ رضي الله عنهما يَوْمَ عَاشُورَاءَ عَامَ حَجَّ عَلَى الْمِنْبَرِ يَقُولُ يَا أَهْلَ الْمَدِينَةِ أَيْنَ عُلَمَاؤُكُمْ سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وآله وسلم يَقُولُ: «هَذَا يَوْمُ عَاشُورَاءَ وَلَمْ يَكْتُبْ اللهُ عَلَيْكُمْ صِيَامَهُ» ، وَأَنَا صَائِمٌ فَمَنْ شَاءَ فَلْيَصُمْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيُفْطِرْ» (رواه البخاري).

ص: 553

قال الحافظ ابن حجر في شرح هذا الحديث في (فتح الباري): «فِي سِيَاق هَذِهِ الْقِصَّة إِشْعَار بِأَنَّ مُعَاوِيَة لَمْ يَرَ لَهُمْ اِهْتِمَامًا بِصِيَامِ عَاشُورَاء، فَلِذَلِكَ سَأَلَ عَنْ عُلَمَائِهِمْ، أَوْ بَلَغَهُ عَمَّنْ يُكَرِّهُ صِيَامَهُ أَوْ يُوجِبُهُ» .

7 -

ومن تعظيم معاوية رضي الله عنه لسنة النبي صلى الله عليه وآله وسلم تحريه موضع صلاة النبي صلى الله عليه وآله وسلم داخل الكعبة، فعن سَعِيدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ سَعِيدِ بْنِ الْعَاصِ قَالَ:«اعْتَمَرَ مُعَاوِيَةُ فَدَخَلَ الْبَيْتَ فَأَرْسَلَ إِلَى ابْنِ عُمَرَ وَجَلَسَ يَنْتَظِرُهُ حَتَّى جَاءَهُ فَقَالَ: «أَيْنَ صَلَّى رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وآله وسلم يَوْمَ دَخَلَ الْبَيْتَ؟» . قَالَ: «مَا كُنْتُ مَعَهُ وَلَكِنِّي دَخَلْتُ بَعْدَ أَنْ أَرَادَ الْخُرُوجَ فَلَقِيتُ بِلَالًا فَسَأَلْتُهُ أَيْنَ صَلَّى، فَأَخْبَرَنِي أَنَّهُ صَلَّى بَيْنَ الْأُسْطُوَانَتَيْنِ» . فَقَامَ مُعَاوِيَةُ فَصَلَّى بَيْنَهُمَا.

(رواه الإمام أحمد، وقال الأرنؤوط: «إسناده صحيح على شرط الشيخين»).

هذا معاوية سدد خطاكم

أيُّها الشَّانِئُ (1) أَقْصِرْ

إِنَّمَا جِئْتُ لِأَفْخَرْ

بِابْنِ هندٍ مَنْ كَسَيْلٍ

لِصُرُوحِ الْكُفْرِ دَمَّرْ

سيفهُ قَامَ يُنادِي

فِي الدُّنَى: اللهُ أَكْبَرْ

بَذَلَ الْغالِي انْتِصَارًا

لِلْهُدَى فِي كُلِّ مَعْبَرْ

مَجْدُ (رُومَانٍ) و (فُرْسٍ)

كُلُّ ذَا وَلَّى

تَبَخَّرْ

زَانَهُ اللهُ بِحِلْمٍ صَارَ

فِي الْأَمْثَالِ يُذْكَرْ

كَاتِبُ الْوَحْيِ أَمِينٌ

لِلتُّقَى وَالْعَدْلِ مُسْفِرْ

جَاءَهُ بِالْحَقِّ بُشْرَى

الصَّادِقِ الْمَصْدُوقِ تُظْهِرْ

أَنَّهُ حَازَ الْجِنَانَ

سَبْقَ مَنْ في الْيَمِّ أَبْحَرْ

كَالْمُلُوكِ فِي الْأَسِرَّةْ

إِنَّ فَضْلَ اللهِ أَكْبَرْ

(1) الشانئ: المبغِض.

ص: 554

وَلَهُ يُدْعَى بِحِفْظٍ

مِنْ لَظَى - نَارٍ تُسَعَّرْ

وَدُعَاءٍ بِاهْتِدَاءٍ

وَالْهُدَى فِي النَّاسِ يَنْشُرْ

أَيُّهَا الشَّانِي تَدَبَّرْ

فِي جَزَاءِ مَنْ تَجَبَّرْ

عِنْدَ رَبِّ الْعَرْشِ تَلْقَى

كُلَّ مَا تَجْنِي مُسَطَّرْ

هل يَضِيرُ الشَّمْسَ يَوْمًا

جَحْدُ مَنْ لِلنُّورِ أَنْكَرْ

هَلْ يُمِيطُ الضَّوْءَ عَنْهَا

أمْ بِنُورِ الْحَقِّ يُقْهَرْ

أَيُّ وَجْهٍ لِقِرَانٍ؟ (1)

ذَاكَ نَجْمٌ لَسْتَ تُذْكَرْ

أَنْتَ لَا تَسْمُو لِتُرْبٍ (2)

دَاسَهُ الْغازِي الْمُظَفَّرْ

شَادَ فِي الْآفَاقِ عِزًّا

أُسُّهُ الدِّينُ الْمُطَهَّرْ

لَيْتَ هَذَا العزَّ فِينَا

إِنَّنِي كَمْ أَتَحَسَّرْ

أيْنَ هَذَا مِنْ قُرَانَا

سَاسَهَا كِسْرَى وَقَيْصَرْ

ظُلْمُ (أَمْرِيكَا) وَ (رُوسْيَا)

وَجْهُ مَنْ بِالْكُفْرِ أَسْفَرْ

جَرْحُ (شِيشَانٍ) وَ (بُورْمَا)

جَرْحُ أَفْغَانَ الْمُسَعَّرْ

جَرْحُ أَقْصَانَا سَجِينًا

جَرْحُ صُومَالَ الْمُفَغَّرْ (3)

جَرْحُ غَزَةَ قَدْ دَهَانَا

جَرْحُ بَغْدَادَ تَفَجَّرْ

أَيُّهَا الْفُجَّارُ مَهْلًا

إِنَّنَا يَوْمًا سَنَثْأَرْ

إِنْ أَقَمْنَا الشَّرْعَ فِينَا

إِنَّنَا حَتْمًا سَنُنْصَرْ

(1) قِران: مقارنة.

(2)

تُرْب: تراب.

(3)

المفَغَّر: المتسع.

ص: 555