الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
95 - كشف شبهات
من قال بجواز الاحتفال بالمولد
الشبهة الأولى:
قال بعض العلماء أن الاحتفال بالمولد بدعة حسنة، وجرى به العمل في كل البلاد.
الجواب:
1 -
من المعلوم أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قضى وقرر بأن كل بدعة ضلالة، ولم يرِدْ نَصّ من كتاب أو سنة يمكن أن يُستَنَد إليه في تقسيم البدعة إلى حسنة وسيئة.
2 -
المبتدع يتخذ من زلات العلماء حجة لبدعته على الشرع، قال الإمام الشاطبي رحمه الله: «
…
الإنسان لا ينبغي له أن يعتمد على عمل أحد البتة، حتى يتثبت ويسأل عن حكمه؛ إذ لعل المعتمَد على عمله يعمل على خلاف السُنّة، ولذلك قيل: لا تنظر إلى عمل العالم، ولكن سَلْه يصْدُقْك، وقالوا: ضعف الروية أن يكون رأي فلانًا يعمل فيعمل مثله، ولعله فعله ساهيًا» (1).
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية: «
…
عادة بعض البلاد أو أكثرها، وقول كثير من العلماء، أو العبّاد، أو أكثرهم، ونحو ذلك ليس مما يصلح أن يكون معارضًا لكلام الرسول صلى الله عليه وآله وسلم حتى يعارض به» (2).
3 -
قال شيخ الإسلام ابن تيمية في كلامه على المواسم المبتدعة من موالد وغيرها: «إذا فعلها قوم ذوو فضل فقد تركها قوم في زمان هؤلاء معتقدين لكراهتها، وأنكرها قوم كذلك، وهؤلاء التاركون والمنكرون إن لم يكونوا أفضل ممن فعلوها
(1) الاعتصام (2/ 508).
(2)
اقتضاء الصراط المستقيم لمخالفة أصحاب الجحيم (ص245).
فليسوا دونهم في الفضل، ولو فرضوا دونهم في الفضل، فتكون حينئذٍ قد تنازع فيها أولو الأمر، فترد إذن إلى الله والرسول صلى الله عليه وآله وسلم.
وكتاب الله وسنة رسوله مع من كرهها لا مع من رخَّصَ فيها، ثم عامة المتقدمين الذين هم أفضل من المتأخرين مع هؤلاء التاركين المنكرين» (1).
الشبهة الثانية:
قالوا: إن النبي صلى الله عليه وآله وسلم كان يلاحظ ارتباط الزمان بالحوادث الدينية العظمى التي مضت وانقضت فإذا جاء الزمان الذي وقعت فيه كان فرصة لتذكرها وتعظيم يومها لاجلها ولأنه ظرف لها، واستدلوا بتخريج الحافظ ابن حجر العسقلانى الاحتفال بالمولد على صيام الرسول صلى الله عليه وآله وسلم يوم عاشوراء حيث إن الرسول صلى الله عليه وآله وسلم قَدِمَ الْمَدِينَةَ، فَرَأَى الْيَهُودَ تَصُومُ يَوْمَ عَاشُورَاءَ، فَقَالَ «مَا هَذَا؟». قَالُوا:«هَذَا يَوْمٌ صَالِحٌ، هَذَا يَوْمٌ نَجَّى اللهُ بَنِى إِسْرَائِيلَ مِنْ عَدُوِّهِمْ، فَصَامَهُ مُوسَى. قَالَ: «فَأَنَا أَحَقُّ بِمُوسَى مِنْكُمْ» . فَصَامَهُ صلى الله عليه وآله وسلم وَأَمَرَ بِصِيَامِهِ. (رواه البخاري ومسلم).
فقال الحافظ ابن حجر: «أصل عمل المولد بدعة لم تنقل عن أحد من السلف الصالح في القرون الثلاثة، ولكنها مع ذلك قد اشتملت على محاسن وضدها، فمن تحرى في عملها المحاسن وتجنب ضدها كان بدعة حسنة، وإلا فلا، وقد ظهر لي تخريجها على أصل ثابت، وهو
…
» وذكر حديث صيام النبي صلى الله عليه وآله وسلم يوم عاشوراء
…
ثم قال: «فيستفاد منه فعل الشكر لله على ما منَّ به في يوم معين من إسداء نعمة أو دفع نقمة ويعاد ذلك في نظير ذلك اليوم من كل سنة.
والشكر لله يحصل بأنواع العبادة، كالسجود والصيام والصدقة والتلاوة، وأيُّ نعمة أعظم من النعمة ببروز هذا النبي نبي الرحمة في ذلك اليوم، وعلى هذا فينبغي أن يتحرى اليوم بعينة حتى يطابق قصة موسى في يوم عاشوراء، ومن لم يلاحظ ذلك لا
(1) اقتضاء الصراط المستقيم (ص291).
يبالي بعمل المولد في أي يوم من الشهر، بل توسع قوم فنقلوه إلى يوم من السنة وفيه ما فيه، فهذا ما يتعلق بأصل عمله.
وأما ما يعمل فيه فينبغي أن يقتصر فيه على ما يفهم الشكر لله تعالى من نحو ما تقدم ذكره من التلاوة والإطعام والصدقة وإنشاد شيء من المدائح النبوية والزهدية المحركة للقلوب إلى فعل الخير وعمل الآخرة، وأما ما يتبع ذلك من السماع واللهو وغير ذلك فينبغي أن يقال: ما كان من ذلك مباحًا بحيث يقتضي السرور بذلك اليوم لا بأس بإلحاقه به، وما كان حرامًا أو مكروهًا فيمنع، وكذا ما كان خلاف الأولى» (1).
الجواب:
1 -
تخريج الحافظ ابن حجر عمل المولد على صيام عاشوراء لا يمكن الجمع بينه وبين جزمه بأن ذلك بدعة لم تُنقل عن أحد من السلف من القرون الثلاثة؛ فإن عدم عمل السلف الصالح بالنص على الوجه الذي يفهمه مَنْ بعدهم، يمنع اعتبار ذلك الفهم صحيحًا، إذ لو كان صحيحًا لم يعزب عن فهم السلف الصالح ويفهمه من بعدهم، كما يمنع اعتبار ذلك النص دليلًا عليه إذ لو كان دليلًا لعمل به السلف الصالح.
فاستنباط الحافظ ابن حجر الاحتفال بالمولد النبوي ـ ما دام الأمر كذلك ـ من حديث صوم يوم عاشوراء أو من أي نص آخر، مخالف لما أجمع عليه السلف الصالح من ناحية فهمه ومن ناحية العمل به، وما خالف إجماعهم فهو خطأ، لأنهم لا يجتمعون إلا على هدى.
(1) جواب الحافظ ابن حجر العسقلاني عن سؤال وجه إليه عن عمل المولد ذكره السيوطي في أحسن المقصد في عمل المولد، وهو من محتويات الحاوي للفتاوي (1/ 196)، وذكرها الزرقاني في شرحه للمواهب اللدنية (1/ 140).
وقد بسط الإمام الشاطبي الكلام على تقرير هذه القاعدة في كتابه (الموافقات) وأتى في كلامه بما لا شك في أن الحافظ ابن حجر العسقلانى لو تنبه له لما خرّج عمل المولد على حديث صوم يوم عاشوراء ما دام السلف لم يفهموا تخريجه عليه منه ولم يعملوا به على ذلك الوجه الذي فهمه منه (1).
2 -
حديث صوم يوم عاشوراء لنجاة موسى عليه السلام فيه وإغراق فرعون فيه ليس فيه سوى أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم صامه وأمر بصيامه (2).
3 -
الشرط الذي شرطه الحافظ ابن حجر للاحتفال بالمولد النبوى ـ وهو تحري ذلك اليوم بعينه حتى يطابق قصة موسى عليه السلام لا سبيل إليه (3)، حيث إن يوم عاشوراء يوم محدد معروف أما يوم ميلاد الرسول صلى الله عليه وآله وسلم فغير محدد حيث اختلف العلماء في تعيينه على أقوال كثيرة.
4 -
من أجاز الاحتفال بالمولد النبوي يقرّ أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم لم يزِدْ فيه على غيره من الشهور شيئًا من العبادات، فهل نحن أعلم وأحرص على الدين من رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وأصحابه؟! وخير الهدي هدي محمد صلى الله عليه وآله وسلم.
والرسول صلى الله عليه وآله وسلم قد صام يوم عاشوراء وحث على صيامه فكان صيامه سنة، وسكت عن يوم ولادته - الذي هو الثاني عشر من ربيع الأول - كما يقول به أكثر المحتفلين، فلم يشرع فيه شيئًا فوجب أن نسكت كذلك، ولا نحاول أن نشرع فيه صيامًا ولا قيامًا ولا احتفالًا.
5 -
أما بالنسبة لقولهم إن النبي صلى الله عليه وآله وسلم كان يلاحظ ارتباط الزمان بالحوادث الدينية العظمى التي مضت وانقضت فإذا جاء الزمان الذي وقعت فيه كان فرصة
(1) القول الفصل في حكم الاحتفال بمولد خير الرسل للعلامة إسماعيل الأنصاري (ص78 - 79).
(2)
القول الفصل (ص80).
(3)
نفس المصدر والصفحة.
لتذكرها وتعظيم يومها لاجلها ولأنه ظرف لها.
فالجواب:
إن من أعظم الأمور التي وقعت في زمن النبي صلى الله عليه وآله وسلم، مجيء الملك إليه بالنبوة وهو في غار حراء وتعليمه أول سورة العلق، ومن أعظم الأمور أيضًا الإسراء به صلى الله عليه وآله وسلم إلى بيت المقدس والعروج به إلى السموات السبع وما فوقها وتكليم الرب عز وجل له وفرْضه الصلوات الخمس، ومن أعظم الأمور أيضًا هجرته صلى الله عليه وآله وسلم إلى المدينة، ومن أعظم الأمور أيضًا وقعة بدر وفتح مكة، ولم يرد عنه صلى الله عليه وآله وسلم أنه كان يعمل الاجتماع لتذكر شيء من هذه الأمور العظيمة وتعظيم أيامها.
ولو كانت قاعدتهم التي توهموها وابتكروها صحيحة لكان النبي صلى الله عليه وآله وسلم يهتم بأوقات هذه الأمور العظيمة ويعقد الاجتماعات لتذكرها وتعظيم أيامها.
وفي تركه صلى الله عليه وآله وسلم ذلك أبلغ رد على مزاعمهم وتقوُّلهم على النبي صلى الله عليه وآله وسلم.
الشبهة الثالثة:
قول السيوطى إن الاحتفال بالمولد من البدع الحسنة التي يثاب عليها صاحبها لما فيه من تعظيم قدْر النبي صلى الله عليه وآله وسلم وإظهار الفرح والاستبشار بمولده الشريف.
الجواب:
1 -
ما الدليل على أن الاحتفال بالمولد من البدع الحسنة التي يثاب عليها صاحبها؟ وما هو مقدار هذا الثواب؟ وهل نحن أحرص من الصحابة والتابعين على هذا الثواب؟ وهل نحن أكثر تعظيمًا لقدر النبي صلى الله عليه وآله وسلم منهم؟ فهم لم يحتفلوا، ولو كان خيرًا لسبقونا إليه.
2 -
تعظيم قدْر النبي صلى الله عليه وآله وسلم يكون باتباع هديه وليس باختراع عبادات لم يشرعها فإن ذلك فيه اتهام له بأنه قصَّر في تبليغ الرسالة أو أن الرسالة لم تكتمل، وإذا كان الصحابة لم يفعلوا المولد فهل معنى ذلك أنهم كانوا لا يعظمون قدر النبي صلى الله عليه وآله وسلم؟
3 -
الشهر الذي يحتفلون فيه بمولد نبينا محمد صلى الله عليه وآله وسلم هو بعينه الشهر الذي توفي فيه، فليس الفرح فيه بأولى من الحزن فيه، نبَّهَ على ذلك غير واحد من أهل العلم، منهم ابن الحاج والفاكهاني.
الشبهة الرابعة:
عندما سُئل النبي صلى الله عليه وآله وسلم عن صوم يوم الاثنين قال: «ذَاكَ يَوْمٌ وُلِدْتُ فِيهِ» (رواه مسلم)، فتشريف هذا اليوم متضمن تشريف هذا الشهر الذي ولد فيه، ألا ترى أن صوم هذا اليوم فيه فضل عظيم؛ لأنه صلى الله عليه وآله وسلم ولد فيه؟
وإقامة المولد شكر لله تعالى على نعمة ولادة الرسول صلى الله عليه وآله وسلم.
وصيام النبي صلى الله عليه وآله وسلم بمعنى الاحتفال به، إلا أن الصورة مختلفة، ولكن المعنى موجود.
الجواب:
1 -
صوم النبي صلى الله عليه وآله وسلم يوم الاثنين ليس دليلًا على بدعة الاحتفال بالمولد فقد سُئِل عن صوم يوم الاثنين؟ فقال: «ذَاكَ يَوْمٌ وُلِدْتُ فِيهِ، ويوم بُعِثْتُ، أو أُنزِلَ عليَّ فيه» (رواه مسلم)، فالرسول صلى الله عليه وآله وسلم لم يصم يوم ولادته وهو اليوم الثاني عشر من ربيع الأول إن صح أنه ذلك، فقد كان صلى الله عليه وآله وسلم يصوم ذلك اليوم (يوم الاثنين) من كل أسبوع وعلى طول الشهر، وعلى مدى العام كله، ولم يكن ذلك مرة واحدة في العام، فأين هذا مما يفعله المسلمون اليوم؟
ولو كان احتفالًا كما يزعم الزاعمون لاختلفت الكيفية، كأن يجتمع الصحابة مع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، ويتسابقون في إلقاء الخطب والأناشيد كما هو حال الكثير من المسلمين اليوم، لكن شيئًا من ذلك لم يحدث.
2 -
هل النبي صلى الله عليه وآله وسلم لما صام يوم الاثنين شكرًا على نعمة الإيجاد والإمداد ـ وهو تكريمه ببعثته إلى الناس كافة بشيرًا ونذيرًا ـ أضاف إلى الصيام احتفالًا كاحتفال أرباب الموالد من تجمعات ومدائح؟
والجواب: لا، وإنما اكتفى بالصيام فقط، إذًا ألا يكفي الأمة ما كفى نبيها، ويسعها ما وسعه؟ وهل يقدر عاقل أن يقول: لا؟ وإذًا فلم الافتيات على الشارع والتقدم بالزيادة عليه، والله تعالى يقول:{وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا} (الحشر: 7)، ويقول:{يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (1)} (الحجرات: 1)، وحال من قال بجواز إقامة المولد زيادة على صيام يوم الاثنين الثابت في السنة يشبه حال من صلى سنة المغرب مثلًا ثلاث أو أربع ركعات بحجة أنه أتى بالركعتين التي ثبتت بالسنة ثم أضاف إليها ركعتين زيادة في الخير!!.
3 -
من أراد اتباع النبي صلى الله عليه وآله وسلم فلْيَصُم يوم الاثنين كما صامه النبي صلى الله عليه وآله وسلم، فإذا كان المراد من إقامة المولد هو شكر الله تعالى على نعمة ولادة الرسول صلى الله عليه وآله وسلم فيه فإن المعقول والمنقول يحتم أن يكون الشكر من نوع ما شكر الرسول صلى الله عليه وآله وسلم ربه وهو الصوم؛ لأن الرسول صلى الله عليه وآله وسلم لا يختار إلا ما هو أفضل، وعليه فلنصم كما صام.
4 -
النبي صلى الله عليه وآله وسلم لم يكن يخص اليوم الثاني عشر من ربيع الأول ـ إن صح أن ذلك هو يوم مولده صلى الله عليه وآله وسلم ـ بالصيام ولا بشيء من الأعمال دون سائر الأيام، ولو كان يعظم يوم مولده، كما يزعمون لكان يتخذ ذلك اليوم عيدًا في كل سنة، أو كان يخصه بالصيام أو بشيء من الأعمال دون سائر الأيام.
وفي عدم تخصيصه بشيء من الأعمال دون سائر الأيام دليل على أنه لم يكن يفضله على غيره وقد قال تعالى: {لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا}
…
(الأحزاب: 21).
5 -
أما قولهم عن صيام الرسول صلى الله عليه وآله وسلم يوم الاثنين إن هذا في معنى الاحتفال به، إلا أن الصورة مختلفة، ولكن المعنى موجود، فالجواب عنه يفهم من الجواب عن السؤال التالي: هل يجوز لنا أن نقول: أن مشروعية الصلاة في الأوقات الخمسة تعني
مشروعية الصلاة في الجملة، وأنه يجوز لنا أن نُحْدِثَ وقتًا أو وقتين زيادة على الصلوات الخمس المكتوبة؟
وأنه يجوز لنا أن نقول: إن مشروعية صيام رمضان، تعني مشروعية الصيام في الجملة! وأنه يجوز لنا أن نحدث صيام شهر آخر غير رمضان على سبيل الوجوب؟
هل يجوز لنا أن نقول: إن مشروعية الحج في زمان مخصوص، تعني مشروعيته في الجملة، وأنه يجوز لنا أن نقول: بتوسعة وقت الحج طوال العام كالعمرة تخفيفا على الأمة وتوسعة عليها؟
إننا حينما نقول بذلك لا نقول بأن الصورة مختلفة، بل الصلاة هي الصلاة، والصوم هو الصوم، والحج هو الحج، إلا أن الجديد في ذلك الزيادة على المشروع فقط.
يلزم المجوزون للاحتفال بالمولد أن يقول: بجواز ذلك كما قالوا: بأن صيام رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يوم مولده، يدل على جواز إقامة الاحتفال بذكرى المولد.
6 -
النبي صلى الله عليه وآله وسلم علل صيامه يوم الاثنين بسببين:
أ- أنه وُلِدَ يوم الاثنين.
ب- يوم الاثنين بعث فيه إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم.
فلماذا يحتفلون بواحدة ويتركون الأخرى؟
الشبهة الخامسة:
أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم عقّ عن نفسه بعد النبوة، مع أنه ورد أن جده عبد المطلب عقّ عنه في سابع ولادته، والعقيقة لا تعاد مرة ثانية، فيحمل ذلك على أن هذا فعله صلى الله عليه وآله وسلم إظهارًا للشكر على إيجاد الله تعالى إياه رحمة للعالمين، فيستحب لنا أيضًا إظهار الشكر بمولده صلى الله عليه وآله وسلم بالاجتماع وإطعام الطعام ونحو ذلك من وجوه القربات.
الجواب:
1 -
ما رُوى أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم عق عن نفسه غير صحيح ولم يثبت، فقد ضعفه الأئمة مالك، وأحمد بن حنبل، والبزار، والبيهقي، والنووي، والحافظ المزي والحافظ الذهبي، والحافظ ابن حجر (1).
2 -
لو ثبت هذا عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم لما كان هذا الحكم يخصه بل لاستُحِبَّ لكل مسلم أن يعُقَّ عن نفسه شكرًا لله على نعمة الخلق والإيجاد، حتى ولو لم يكن المخلوق نبيًا.
3 -
على فرض صحة الحديث ـ رغم وضوح ضعفه ـ فإنه لا يزيد أن يكون مثل حديث صيام يوم الاثنين وقد سبق الرد عليه.
4 -
هل ثبت أن العقيقة كانت مشروعة لأهل الجاهلية وهم يعملون بها حتى نقول إن عبد المطلب قد عقّ عن ابن ولده؟ وهل أعمال أهل الجاهلية يعتد بها في الإسلام؟ حتى نقول إذا عق النبي صلى الله عليه وآله وسلم عن نفسه شكرًا لا قيامًا بسنة العقيقة، إذا قد عق عنه؟
سبحان الله ما أعجب هذا الاستدلال وما أغربه، وهل إذا ثبت أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم ذبح شاة شكرًا لله تعالى على نعمة إيجاده وإمداده يلزم من ذلك اتخاذ يوم ولادته صلى الله عليه وآله وسلم عيدًا للناس؟
ولما لم يَدْعُ إلى ذلك رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ويبين للناس ماذا يجب عليهم فيه من أقوال وأعمال كما بين ذلك في عيدي الفطر والأضحى؟ أنسي ذلك أم كتمه، وهو المأمور بالبلاغ؟ سبحانك اللهم إن رسولك صلى الله عليه وآله وسلم ما نسي ولا كتم ولكن الإنسان كان أكثر شيء جدلًا.
(1) راجع نص كلامهم في القول الفصل (ص80 - 84).
الشبهة السادسة:
وجود الرسول صلى الله عليه وآله وسلم سبب النجاة لمن اتبعه، وتقليل حظ جهنم لمن أُعدّ لها، لفرحه بولادته صلى الله عليه وآله وسلم، فمن المناسب إظهار السرور.
قَالَ عُرْوَةُ بن الزبير: «وَثُوَيْبَةُ مَوْلَاةٌ لأَبِى لَهَبٍ كَانَ أَبُو لَهَبٍ أَعْتَقَهَا فَأَرْضَعَتِ النَّبِىَّ صلى الله عليه وآله وسلم فَلَمَّا مَاتَ أَبُو لَهَبٍ أُرِيَهُ بَعْضُ أَهْلِهِ بِشَرِّ حِيبَةٍ (1)، قَالَ لَهُ: «مَاذَا لَقِيتَ؟» ، قَالَ أَبُو لَهَبٍ:«لَمْ أَلْقَ بَعْدَكُمْ غَيْرَ أَنِّى سُقِيتُ فِى هَذِهِ بِعَتَاقَتِى ثُوَيْبَةَ» (رواه البخاري).
الجواب:
1 -
اتباع النبي صلى الله عليه وآله وسلم سبب النجاة وليس ابتداع أعياد ما أنزل الله بها من سلطان.
2 -
هذا الخبر لا يصح؛ لأنه مرسل، رواه البخاري، قال الحافظ ابن حجر:«الْخَبَرَ مُرْسَلٌ أَرْسَلَهُ عُرْوَةُ وَلَمْ يَذْكُرْ مَنْ حَدَّثَهُ بِهِ وَعَلَى تَقْدِيرِ أَنْ يَكُونَ مَوْصُولًا فَالَّذِي فِي الْخَبَرِ رُؤْيَا مَنَامٍ فَلَا حُجَّةَ فِيهِ وَلَعَلَّ الَّذِي رَآهَا لَمْ يَكُنْ إِذْ ذَاكَ أَسْلَمَ بَعْدُ فَلَا يُحْتَجُّ بِهِ» (2). (والمقصود الجزء الذي ذكرناه، أما المنسوب إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم والذي لم نذكره فلا).
3 -
ذلك الخبر لا حجة فيه لو كان موصولًا لأنه رؤيا منام وقد يكون من رآها من الكفار، قال الحافظ ابن حجر:«الَّذِي فِي الْخَبَرِ رُؤْيَا مَنَامٍ فَلَا حُجَّةَ فِيهِ وَلَعَلَّ الَّذِي رَآهَا لَمْ يَكُنْ إِذْ ذَاكَ أَسْلَمَ بَعْدُ فَلَا يُحْتَجُّ بِهِ» (3).
4 -
ما في مُرسَل عُروة هذا من أن إعتاق أبي لهب ثويبة كان قبل إرضاعها النبي صلى الله عليه وآله وسلم يخالف ما عند أهل السير من أن إعتاق أبى لهب إياها كان بعد ذلك الإرضاع
(1) قال الحافظ ابن حجر: «بِشَرِّ حِيبَةٍ:: أَيْ سوء حَال» (فتح الباري (9/ 145).
(2)
فتح الباري (9/ 145).
(3)
نفس المصدر (9/ 146).
بدهر طويل، ذكر ذلك الحافظ ابن حجر في (فتح الباري)(1).
5 -
الفرح الذي فرحه أبو لهب ـ إن صح ـ فإنما هو فرح طبيعي لا تعبدي بمولود لأخيه؛ إذ كل إنسان يفرح بالمولود يولد له، أو لأحد إخوانه أو أقاربه، والفرح إن لم يكن لله لا يثاب عليه فاعله، وهذا يضعف استدلالهم بالرواية إن صحت.
6 -
لم يجيء في هذه الرواية مع ضعفها أنه يخفف عن أبي لهب العذاب كل إثنين ولا أن أبا لهب أعتق ثويبة من أجل بشارتها إياه بولادة المصطفى صلى الله عليه وآله وسلم، فكل هذا لا يصح.
7 -
لم يثبت من طريق صحيح أن أبا لهب فرح بولادة النبي صلى الله عليه وآله وسلم، ولا أن ثويبة بشرته بولادته، فكل هذا لم يثبت، ومن ادعى ثبوت شيء من ذلك فعليه إقامة الدليل على ما ادعاه، ولن يجد إلى الدليل الصحيح سبيلًا.
الشبهة السابعة:
قال تعالى: {قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ (58)} (يونس 58). فالله سبحانه وتعالى طلب منا أن نفرح بالرحمة، والنبيُّّ صلى الله عليه وآله وسلم رحمة، وقد قال تعالى:{وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ (107)} (الأنبياء 107).
الجواب:
1 -
إن المقصود بالفضل والرحمة المفروح بهما ما عنته الآية السابقة لهذه الآية، وهو قوله تعالى:{يَاأَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَتْكُمْ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَشِفَاءٌ لِمَا فِي الصُّدُورِ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ} (يونس: 57).
وقد قال ابن القيم رحمه الله في تفسير قوله تعالى: {قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ (58)} (يونس 58): «وقد دارت أقوال السلف على أن
(1) نفس المصدر (9/ 148).
فضل الله ورحمته ـ أي في هذه الآية ـ الإسلام والسنة» (1).
وكتب التفسير المشهورة كتفسير ابن جرير ومختصره لابن كثير وتفاسير القرطبي والبغوي والبيضاوي والنسفي وابن الجوزي ليس فيها أي إشارة إلى العلاقة بين معنى هذه الآية والاحتفال بمولد النبي صلى الله عليه وآله وسلم، ويكفي في توضيح معنى الآية ذِكْرُ كلام الإمام الطبري شيخ المفسرين إذ لو نُقِل كلام الجميع لطال المقام.
قال ابن جرير: «يقول تعالى ذكره لنبيه محمد صلى الله عليه وآله وسلم: قل يا محمد لهؤلاء المكذبين بك، وبما أنزل إليك من عند ربك: بفضل الله أيها الناس الذي تفضل به عليكم وهو الإسلام، فبيَّنَه لكم ودعاكم إليه، وبرحمته التي رحمكم بها فأنزلها إليكم، فعلَّمكم ما لم تكونوا تعلمون من كتابه، فبصَّركم بها معالم دينكم؛ وذلك القرآن.
{فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ} يقول: فإن الإسلام الذي دعاهم إليه والقرآن الذي أنزله عليهم، خير مما يجمعون من حطام الدنيا وأموالها وكنوزها، وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل». اهـ.
يظهر من هذا أن الآية تتحدث عن شيء آخر ولا يدخل فيها نصًّا أو دلالة ما ذكروه أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم هو المراد بالرحمة هنا، كما أن في هذا إغفال تام لسياق الآية.
2 -
إن الرحمة للناس لم تكن بولادة النبي صلى الله عليه وآله وسلم، وإنما كانت ببعثه وإرساله إليهم، وعلى هذا تدل النصوص من الكتاب والسنة، أما الكتاب فقوله تعالى:{وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ} (الأنبياء 107).فنص على أن الرحمة للعالمين إنما كانت في إرساله صلى الله عليه وآله وسلم، ولم يتعرض لذكر ولادته.
وأما السنة ففي صحيح مسلم عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه، قَالَ: قِيلَ: يَا رَسُولَ اللهِ ادْعُ عَلَى الْمُشْرِكِينَ قَالَ: «إِنِّي لَمْ أُبْعَثْ لَعَّانًا، وَإِنَّمَا بُعِثْتُ رَحْمَةً» .
(1) اجتماع الجيوش الإسلامية على غزو المعطلة والجهمية (ص38).
3 -
إن الاستدلال بالآية على مشروعية الاحتفال بالمولد النبوي من قبيل حمل كلام الله سبحانه وتعالى على ما لم يحمله عليه السلف الصالح والدعاء إلى العمل به على غير الوجه الذي مضوا عليه في العمل به، وهو أمر لا يليق؛ لأن الوجه الذي لم يثبت عن السلف الصالح العمل بالنص عليه لا يُقبَل ممن بعدهم دعوى دلالة النص الشرعي عليه، إذ لو كان دليلًا عليه لم يعزب عن فهم الصحابة والتابعين، ثم يفهمه من بعدهم.
فعمل الأولين كيف كان مصادم لمقتضى هذا المفهوم ومعارض له، ولو كان ترك العمل، قال: فما عمل به المتأخرون من هذا القسم مخالف لإجماع الأولين، وكل من خالف الإجماع فهو مخطىء، وأمة محمد صلى الله عليه وآله وسلم لا تجتمع على ضلالة.
فما كانوا عليه من فعل أو ترك فهو السنة والأمر المعتبر وهو الهدى، وليس ثم إلا صواب أو خطأ فكل من خالف السلف الأولين فهو على خطأ وهذا كاف (1).
4 -
إن سلَّمْنا بأن المراد بالرحمة هو النبي صلى الله عليه وآله وسلم فما دخل المولد بالفرح به، إن المولد يعني الاحتفال في يوم معين من السنة أو بصورة مستمرة بأسلوب مخصوص، والآية تأمر بالفرحة دون توقيت، كما أنها فرحة كذلك بما أنزل على النبي صلى الله عليه وآله وسلم من تشريع والذي هو كذلك رحمة للناس ولا علاقة للمولد بهذا كله.
5 -
هل الصحابة رضي الله عنهم احتفلوا بمولد النبي صلى الله عليه وآله وسلم؟ بالطبع لا.
هل الصحابة رضي الله عنهم فرحوا برحمة الله، أي بالنبي صلى الله عليه وآله وسلم على قول المجوّزين للاحتفال؟ لو طبقنا كلامهم فسنقول: بالطبع الصحابة رضي الله عنهم لم يفرحوا بالنبي صلى الله عليه وآله وسلم. هذا هو لازم كلامهم، وحاشا الصحابة رضي الله عنهم من أن يكونوا كذلك، فإنهم بذلوا أموالهم وأنفسهم حبًّا لله ولرسوله صلى الله عليه وآله وسلم.
(1) الموافقات في أصول الشريعة للشاطبي (3/ 71).
الشبهة الثامنة:
قال تعالى: {وَكُلًّا نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْبَاءِ الرُّسُلِ مَا نُثَبِّتُ بِهِ فُؤَادَكَ} (هود:120)، والمولد النبوي الشريف يشتمل على أنباء النبي صلى الله عليه وآله وسلم وفي ذكره تثبيت لأفئدة المؤمنين.
الجواب:
1 -
لا علاقة لهذه الآية بالمولد كما هو ظاهر.
2 -
تثبيت الفؤاد إنما يكون بما ثبت في القرآن والسنة وليس بالخزعبلات من القصص التي تهز الإيمان بدلًا من تثبيته.
3 -
من المعلوم أن السيرة النبوية وذكر قصص الأنبياء كما هو وارد في القرآن وصحيح السنة مما هو مطلوب طوال العام وبدون طقوس ومظاهر خاصة.
الشبهة التاسعة:
قوله تعالى حكاية عن عيسى بن مريم سدد خطاكم: {قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ اللَّهُمَّ رَبَّنَا أَنْزِلْ عَلَيْنَا مَائِدَةً مِنَ السَّمَاءِ تَكُونُ لَنَا عِيدًا لِأَوَّلِنَا وَآخِرِنَا وَآيَةً مِنْكَ وَارْزُقْنَا وَأَنْتَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ (114)} (المائدة 114).
وقوله تعالى على لسان سيدنا عيسى عليه السلام: {وَالسَّلَامُ عَلَيَّ يَوْمَ وُلِدْتُ وَيَوْمَ أَمُوتُ وَيَوْمَ أُبْعَثُ حَيًّا (33)} (مريم: 33).
قالوا: هذه الآية والتي قبلها وغيرهما من الآيات، حافلة بالإشارات إلى ميلاد المسيح عليه السلام، ومدحه ومزاياه التي مَنَّ الله بها عليه، وهي بمجموعها شاهدة وداعية إلى الاحتفال بهذا الحدث العظيم.
وما كان ميلاد محمد صلى الله عليه وآله وسلم بأقل شأنًا من ميلاد عيسى عليه السلام، بل ميلاد الرسول صلى الله عليه وآله وسلم أعظم منه، لأنه صلى الله عليه وآله وسلم أكبر نعمة، فيكون ميلاده أيضًا أكبر وأعظم.
الجواب:
1 -
إننا أمة الإسلام ليس لنا سوى عيدين لا غير، وما يدعو إليه هؤلاء فيه مشابهة للنصارى ومن المعلوم أن من مقاصد الشرع مخالفتهم في شعائرهم.
2 -
الآية الأولى لا تذكر الاحتفال ولا تدل عليه لا دلالة ولا اقتضاءً، وإنما تتحدث عن المائدة التي أنزلها الله من السماء لبني إسرائيل من أتباع عيسى عليه السلام.
والمائدة هي: الخوان عليه طعام.
ومعنى الآية كما جاء في تفسير السعدي: أي: يكون وقت نزولها عيدًا وموسمًا، يتذكر به هذه الآية العظيمة، فتحفظ ولا تنسى على مرور الأوقات وتكرر السنين، كما جعل الله تعالى أعياد المسلمين ومناسكهم مذكرا لآياته، ومنبها على سنن المرسلين وطرقهم القويمة، وفضله وإحسانه عليهم.
3 -
نسأل دعاة الاحتفال عن موعد يوم المائدة في شرع عيسى عليه السلام؟ فلن يجيبوا، وإن أجابوا نسألهم: متى احتفل به النبي صلى الله عليه وآله وسلم؟ فلن يجيبوا، وإن أجابوا فسيقولون إنه لم يحتفل. وعندئذٍ نقول لهم: خير الهدي هدي محمد صلى الله عليه وآله وسلم، ونقول لهم:«أأنتم أعلم أم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم؟» .
4 -
نطالب المحتفلين بإثبات أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم احتفل بميلاد عيسى عليه السلام طبقًا لفهمهم للآية، وأنَّى لهم ذلك؟!! وإن كان النبي صلى الله عليه وآله وسلم لم يحتفل بميلاد عيسى عليه السلام فهل هم أعلم من رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بمعنى الآية؟
5 -
الآيات - على قولهم - حافلة أيضًا بالإشارات إلى موت المسيح عليه السلام، {وَالسَّلَامُ عَلَيَّ يَوْمَ وُلِدْتُ وَيَوْمَ أَمُوتُ وَيَوْمَ أُبْعَثُ حَيًّا (33)} (مريم: 33). فهل يستدل بها دعاة الاحتفال على جواز الاحتفال بموت النبي صلى الله عليه وآله وسلم؟
الشبهة العاشرة:
قال تعالى: {لِتُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُعَزِّرُوهُ وَتُوَقِّرُوهُ وَتُسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلًا} (الفتح: 9).
الجواب:
ليس من توقيره صلى الله عليه وآله وسلم أن نبتدع في دينه غير ما شرعه وجاء به، بل التوقير الحق هو اتباع ما أمر به واجتناب ما نهى عنه وقد نهانا عن الابتداع، فوجب اتباعه إيمانًا وتوقيرًا.
الشبهة الحادية عشرة:
قال تعالى: {إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا (56)} (الأحزاب: 56). قالوا: والاحتفال بالمولد تطبيع النفس على كثرة الصلاة عليه صلى الله عليه وآله وسلم رجاء أن ينطبع حبه وحب آله في القلوب.
الجواب:
يُستحب الإكثار من الصلاة على النبي صلى الله عليه وآله وسلم في كل وقت لما رواه مسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال: «مَنْ صَلَّى عَلَيَّ صَلَاةً صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ بِهَا عَشْرًا» ، وقد حث النبي صلى الله عليه وآله وسلم على الإكثار من الصلاة عليه في أوقات معينه كيوم الجمعة وبعد الأذان وعند ذكره صلى الله عليه وآله وسلم إلى غير تلك الأوقات ومع ذلك لم يأمر أو يحث على الصلاة عليه في ليلة مولده.
فيجب أن نعمل بما أمر به رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، ونَرُدّ ما لم يأمر به لأن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال:«مَنْ أَحْدَثَ فِي أَمْرِنَا هَذَا مَا لَيْسَ فِيهِ فَهُوَ رَدٌّ» وفي رواية «مَنْ عَمِلَ عَمَلًا لَيْسَ عَلَيْهِ أَمْرُنَا فَهُوَ رَدٌّ» (رواه البخاري ومسلم). «فَهُوَ رَدٌّ» أي: مردود على صاحبه.
الشبهة الثانية عشرة:
قال تعالى: {لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (164)} (آل عمران: 164).
قال تعالى: {سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ (1)} (الإسراء: 1).
الجواب:
الآيتان السابقتان لا تدلان على مشروعية المولد، كما أن المراجع لكتب التفسير يجد لهما سياقات ودلالات أخرى لا تتفق وما أرادوا التدليل عليه، ومن الغريب وضعهم لهاتين الآيتين في غير موضعهما للتدليل على ما لا تدلا عليه.
وتذكرنا هذه الاستدلالات بمناظرة جرت لابن حزم مع بعضهم فاستدل مناظره بآية لا تدل على المراد، فما كان من ابن حزم إلا أن قال: «إذا كان هذا دليلك فدليلي {قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ} (الناس: 1).
الشبهة الثالثة عشرة:
يقولون إن الله سبحانه وتعالى كَرَّم بعض الأماكن المرتبطة بالأنبياء مثل مقام إبراهيم عليه السلام حيث قال تعالى: {وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى} (البقرة: 125)، وهذا فيه حَثٌ على الاهتمام بكل ما يتعلق بالأنبياء ومنها الاهتمام بيوم مولد النبي صلى الله عليه وآله وسلم.
الجواب:
1 -
العبادات مبناها على التوقيف والإتباع لا على الرأي والابتداع. فما عظمه الله ورسوله صلى الله عليه وآله وسلم من زمان أو مكان فإنه يستحق التعظيم وما لا فلا.
والله تبارك وتعالى قد أمر عباده أن يتخذوا من مقام إبراهيم مصلى ولم يأمرهم أن يتخذوا يوم مولد النبي صلى الله عليه وآله وسلم عيدًا ويبتدعوا فيه بدعًا لم يؤمروا بها.
وقد صح عَنْ مُجَاهِدٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رضي الله عنهما أَنَّهُ طَافَ مَعَ مُعَاوِيَةَ رضي الله عنه بِالْبَيْتِ فَجَعَلَ مُعَاوِيَةُ يَسْتَلِمُ الْأَرْكَانَ كُلَّهَا، فَقَالَ لَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ:«لِمَ تَسْتَلِمُ هَذَيْنِ الرُّكْنَيْنِ وَلَمْ يَكُنْ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وآله وسلم يَسْتَلِمُهُمَا» . فَقَالَ مُعَاوِيَةُ: «لَيْسَ شَيْءٌ مِنْ الْبَيْتِ مَهْجُورًا» .
فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: {لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ} .
فَقَالَ مُعَاوِيَةُ: «صَدَقْتَ» (رواه الإمام أحمد، وقال أحمد شاكر: إسناده صحيح). فرجع معاوية رضي الله عنه عن رأيه لما استبان له أن رأي ابن عباس موافق لسنة النبي صلى الله عليه وآله وسلم.
الشبهة الرابعة عشرة:
قول الرسول صلى الله عليه وآله وسلم في فضل يوم الجمعة: «إِنَّ مِنْ أَفْضَلِ أَيَّامِكُمْ يَوْمَ الْجُمُعَةِ، فِيهِ خُلِقَ آدَمُ، وَفِيهِ قُبِضَ، وَفِيهِ النَّفْخَةُ، وَفِيهِ الصَّعْقَةُ، فَأَكْثِرُوا عَلَيَّ مِنَ الصَّلَاةِ فِيهِ» (رواه أبو داود، وصححه الألباني).
قالوا: يؤخذ من قوله صلى الله عليه وآله وسلم في فضل يوم الجمعة، وعدّ مزاياه:«فِيهِ خُلِقَ آدَمُ» تشريف الزمان الذي ثبت أنه ميلاد لأي نبي كان من الأنبياء عليهم السلام فكيف باليوم الذي ولد فيه أفضل النبيين وأشرف المرسلين صلى الله عليه وآله وسلم.
الجواب:
1 -
جاءت النصوص الشرعية الصريحة الثابتة بفضل يوم الجمعة، واعتباره أحد أعياد المسلمين، واختصاصه بخصائص ليست لغيره، فنحن نقف مع النصوص الشرعية حيث وقفت، ونسير معها حيث اتجهت فالله سبحانه وتعالى يقول:{وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا} (الحشر: 7)، ويقول:{يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (1)} (الحجرات: 1). ولا نبيح لأنفسنا أن نشرع تفضيل يوم بعينه، لم يرد النص بتفضيله، إذ لو كان خيرًا لشرع لنا تفضيله، كما شرع لنا تفضيل يوم الجمعة، قال تعالى:{وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيًّا} (مريم: 64).
ولو جاءت نصوص شرعية تنص على فضل يوم ذكرى ميلاد سيدنا محمد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، لكنا بتوفيق الله وهدايته أسرع الناس إلى اعتبار ذلك والأخذ به، امتثالا لقوله تعالى:: {وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا} (الحشر: 7).
2 -
النبي صلى الله عليه وآله وسلم لم يكن يخص يوم الجمعة بشيء من نوافل الأعمال وقد نهى عن تخصيصه بالصيام وعن تخصيص ليلة الجمعة بالقيام ففي صحيح مسلم» عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: «لَا تَخْتَصُّوا لَيْلَةَ الْجُمُعَةِ بِقِيَامٍ مِنْ بَيْنِ اللَّيَالِى وَلَا تَخُصُّوا يَوْمَ الْجُمُعَةِ بِصِيَامٍ مِنْ بَيْنِ الأَيَّامِ إِلَاّ أَنْ يَكُونَ فِى صَوْمٍ يَصُومُهُ أَحَدُكُمْ» .
وإذا كان النبي صلى الله عليه وآله وسلم لم يخص يوم الجمعة بشيء من نوافل الأعمال من أجل أن آدم عليه السلام قد خُلِقَ فيه فأي متعلق لدعاة الاحتفال في ذكر ذلك الاستدلال به على جواز الاحتفال بالمولد.
3 -
لماذا نهى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم عن صيام يوم الجمعة تطوعًا وحده؟ ولماذا لم يقل إثر إخباره أو فيما بعد: فأقيموا لأبيكم وأبي عيد وجود، أو حلقة ذكر بمناسبة الذكرى نتدارس فيها نعم الله على خلقه، ونذكر فيها العامة، وتكون سنة لمن بعدنا؟
وهل يمكن أن تكون محبة النبي صلى الله عليه وآله وسلم لأبيه آدم عليه السلام قاصرة أو معدومة؟ أم أن هؤلاء يعلمون ما لم يعلمه النبي صلى الله عليه وآله وسلم.