الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
مقتله: قال الملّاحي: كان من الأعلام، وعدّ في الشعراء والفرسان والخطباء والبلغاء، خطب بين يدي الخليفة «1» المنذر، وهو حدث، أول ما أفضت الخلافة إليه، وعليه قباء خزّ، وقد تنكّب قوسا عربية، والكنانة بين يديه. خطب خطبة بليغة، وصلها بشعر حسن، ولم يزل اللّواء يتردد عليه في العزّ والمقام، ويخطب في أعلى المنبر في المسجد الجامع بإلبيرة. وسجل له الخليفة «2» عبد الله على الكورة، إلى أن همّ بالقيام على بني أمية عندما اشتدّت شكيمته، وظهر على عمر بن حفصون إلى أن قتل بسبب امرأة، تمت عليه الحيلة لأجلها بدار يهودية، إذ كان منحطّا في هوى نفسه، فطاح في ذي قعدة سنة أربع وثمانين ومائتين «3» ، وصار أمر العرب بعده إلى محمد بن أضحى، حسبما يتقرّر في مكانه.
ومن ترجمة الأعيان والوزراء والأماثل والكبراء
سهل بن محمد بن سهل بن مالك بن أحمد بن إبراهيم ابن مالك الأزدي
«4»
صدر هذا البيت، وياقوتة هذا العقد، يكنى أبا الحسن. قال أبو جعفر بن مسعدة: كان رأس الفقهاء وخطيب الخطباء البلغاء، وخاتمة رجال الأندلس.
تفنّن في ضروب من العلم، وبالجملة فحاله ووصفه في أقطار الدنيا، لا يجمله أحد، فحدّث عن البحر ولا حرج، ضنّ الزمان أن يسمح برجل حاز الكمال مثله.
حاله: قال ابن عبد الملك «1» : كان من أعيان مصره، وأفضل أهل «2» عصره، تفنّنّا في العلوم، وبراعة في المنثور والمنظوم، محدّثا ضابطا، عدلا ثقة ثبتا، حافظا للقرآن العظيم، مجوّدا له، متقنا «3» في العربية، وافر النصيب من الفقه وأصوله، كاتبا، مجيدا «4» للنظم في معرب الكلام وهزله «5» ، ظريف الدعابة، مليح التّندير. له في ذلك أخبار مستظرفة «6» متناقلة، ذا جدة ويسار، متين الدين، تام الفضل، واسع المعروف، عميم الإحسان، تصدق عند القرب من وفاته بجملة كبيرة من ماله ورباعه، وله وفادة على مراكش.
مشيخته: روى ببلده عن خاله أبي عبد الله بن عروس، وخال أمّه أبي بكر يحيى بن محمد بن عروس «7» ، وأبي جعفر بن حكم، وأبي الحسن بن كوثر، وأبي خالد بن رفاعة، وأبي محمد عبد المنعم بن الفرس. وبمالقة عن أبي زيد السّهيلي، وأبي عبد الله بن الفخار. وبمرسية عن أبي عبد الله بن حميد، وأبي القاسم بن حبيش. وبإشبيلية عن أبي بكر بن الجدّ، وأبي عبد الله بن زرقون، وأبوي عبد الله العباس بن مضاء، والجراوي الشاعر، وأبي الوليد بن رشد. قرأ عليهم وسمع، وأجازوا له. وأجاز له من أهل الأندلس أبو محمد عبد الله نزيل سبتة، وعبد الحق بن الخراط، نزيل بجاية. ومن أهل المشرق جماعة، منهم إسماعيل بن علي بن إبراهيم الجراوي، وبركات بن إبراهيم الخشوعي أبو الطاهر، وعبد الرحمن بن سلامة بن علي القضاعي، وغيرهم ممن يطول ذكرهم.
من روى عنه: روى عنه أبو جعفر بن خلف، والطّوسي، وابن سعيد القزاز، وأبو الحسن العنسي، وأبو عبد الله بن أبي بكر البري، وابن الجنّان، وأبو محمد عبد الرحمن بن طلحية، وأبو محمد بن هارون، وأبو القاسم بن نبيل، وأبو يعقوب بن إبراهيم بن عقاب، وأبو جعفر الطّباع، وأبو الحجاج بن حكم، وأبو الحسن الرّعيني، وأبو علي بن النّاظر، وغيرهم.
ثناء الأعلام عليه: والمجال في هذا فسيح، ويكفي منه قول أبي زيد الفزاري:
[مجزوء الرمل]
عجبا للناس تاهوا
…
بثنيّات المسالك
وصفوا بالفضل قوما
…
وهم ليسوا هنالك
كثر النّقل ولكن
…
صحّ عن سهل بن مالك
شعره: وشعره كثير مما ينخرط في سلك الجيد، فمن ذلك قوله:[الطويل]
نهارك في بحر السّفاهة يسبح
…
وليلك عن نوم الرّفاهة يصبح
وفي لفظك الدّعوى وليس إزاءها
…
من العمل الزّاكي دليل مصحّح
إذا لم توافق قولة منك فعلة
…
ففي كل جزء من حديثك تفصح
تنحّ عن الغايات لست من اهلها
…
طريق الهوينا في سلوكك أوضح
إذا كنت في سنّ البنا غير صالح
…
ففي أيّ سنّ بعد ذلك تصلح؟
إلى كم أماشيها على الرّغم غاية
…
يصيب المزكّى عندها والمجرّح
عليها «1» ألا تني وتنوي فتحسن
…
في عين الشّباب «2» وتقبح
عسى وطر موقى «3» فألتمس الرّضا
…
وأقرع أبواب الرّشاد فتفتح
فقد ساء ظنّي بالذي أنا أهله
…
وفضلك يا مولاي يعفو ويصفح
وقال في تشييع بعض الفقهاء من غرض الأمداح: [البسيط]
يلقاك من كل من يلقاك ترحيب
…
ومن خليفتها عزّ وتقريب
وتصطفيك إلى أحوازها رتب
…
لها على مفرق الجوزاء ترتيب
تأتي إليك بلا سعي بلا سبب
…
كأنّ تركك للأسباب تسبيب
من كلّ مشغوفة بالحسن دام لها
…
إلى غنائك تصعيد وتصويب
يلقاك بالبشر والإقبال خاطبها
…
وحظّها منك إعراض وتقطيب
ما زلت ترغب عنها وهي راغبة
…
كأنّ زهدك فيها عنك ترغيب
فانهض إليها فلو تسطيع «4» كان لها
…
إلى لقائك إرجاء وتقريب
يحيى وتحيى فللباغي مواهبها
…
عذب الزّلال وللباغين تعذيب
سارت على العدل والإحسان سيرتها
…
حتى تلاقى عليها الشّاة والذّيب
لم تصبها لذّة الدنيا وزخرفها
…
ولا سبتها المطايا والجلابيب
إذا أهمّ بني الدنيا نعيمهم
…
فهمّها البيض والجرد السّلاهيب
فوق الكواكب مضروب سرادقها
…
منها «1» على أفق الأفلاك تطنيب
كرعت في ظلّها الصافي بسلسلها
…
كأنها لك في المشروب شرّيب
في قبية من بني الآمال قد قرعت
…
سهم إلى طلب العليا طبابيب
إذا حضرنا طعاما فهو «2» مأدبة
…
وإن سمعنا كلاما فهو تأديب
ومن يلذ بأبي إسحاق كان له
…
أعلاق مال وأغلاق وتهذيب
يا مالك «3» السّرّ من قلبي ويا ملكا
…
إن ناب خطب فمن جدواه تأنيب
هب القرار لآمال مسافرة
…
وقد أضرّ بها بعد وتغريب
ففي يمينك وهّابا ومنتظما
…
بسط وقبض وترغيب وترهيب
وما يصرّ كتابا راق منظره
…
إن ناله من تراب الأرض تتريب
لك السّيادة لا يلقى لسؤددها
…
مثل وإن طال تنقير وتنقيب
عزم كحدّ سنان الرّمح يصحبه
…
عدل كما اعتدلت فيه الأنابيب
كمال نفسك للأرواح تكملة
…
وذكر فضلك للأرواح تشبيب
وعرف ذاتك كاف في تعرّفنا
…
بنفحة الطّيب يدري أنّه طيب
إذا ذكرت فللأشعار مضطرب
…
رحب المجال وللألحان تطريب
سر حيث شئت موفّى من مكارمها
…
يهابك الدهر والشّبان والشّيب
في غرّة تخلق الأيام جدّتها
…
لها على أفق الأملاك تطنيب
ومن نمط النّسيب والأوصاف قوله وهو بسبتة بعد وصوله من مراكش، وهو مما طار من شعره «4» :[الكامل]
لمّا حططت «5» بسبتة قتب «6» النوى
…
والقلب يرجو أن تحوّل «7» حاله
والجوّ مصقول الأديم كأنما
…
يبدي الخفيّ من الأمور صقاله
عاينت «1» من بلد الجزيرة مكنسا «2»
…
والبحر يمنع أن يصاد غزاله
كالشّكل في المرآة تبصره وقد
…
قربت مسافته وعزّ مناله
ومن شعره قوله، رحمه الله:[الطويل]
تبسّم واستأثرت منه بقبلة
…
فشمت أقاحا وارتشفت عقارا
ومرّ فأيدي الريح ترسل شعره
…
كما ستر الليل البهيم نهارا
فيا لك ليلا بالكثيب قطعته
…
كما رعت بالزّجر الغراب فطارا
تغصّ بنا زهر الكواكب غيرة
…
فتقدح في فحم الظلام شرارا
ومن ذلك قوله «3» : [الطويل]
ولمّا رأيت الصّبح هبّ نسيمه
…
دعاني داعيه إلى البين والشّتّ «4»
وقلت «5» : أخاف الشمس تفضح سرّنا
…
فقالت: معاذ الله تفضحني أختي «6»
ومن الحكم وأبيات الأمثال قوله، رحمة الله عليه «7» :[البسيط]
منغّص العيش لا يأوي إلى دعة
…
من كان ذا «8» بلد أو كان ذا ولد
والسّاكن النّفس من لم ترض همّته
…
سكنى مكان ولم تسكن «9» إلى أحد
ومن شعره «10» :
ولا مثل يوم قد نعمنا بحسنه
…
مذهّب أثناء المروج صقيل
إلى أن بدت شمس النهار تروعنا
…
بسير صحيح واصفرار عليل
ولا توارت شمسه بحجابها
…
وأذّن باقي نورها برحيل
وغابت فكان الأفق عند مغيبها
…
كقلبي مسودّا «1» لفقد خليلي «2»
أتانا بها صفراء «3» يسطع نورها
…
فمزّق سربال الدّجى بفتيل
فردّت علينا شمسنا وأصيلنا
…
بمشبّه شمس في شبيه أصيل
ومن نثره قوله يخاطب بني أبي الوليد بن رشد، تعزية في أبيهم، واستفتحه بهذه الأبيات «4» :[الطويل]
ألا ليت شعري، هل لطالب غاية
…
وصول وأحداث الزمان تعوقه؟
مضى علم العلم الذي ببيانه
…
تبيّن خافيه وبان طريقه
أخلّاي «5» ، إني من دموعي بزاخر
…
بعيد عن الشّطّين منه غريقه
وما كان ظنّي قبل «6» فقد أبيكم «7»
…
بأنّ مصابا مثل هذا أطيقه
ولم أدر من أشقى الثلاثة بعده
…
أأبناؤه «8» أم دهره أم صديقه؟
ومن شاهد الأحوال بعد «9» مماته
…
تيقّن «10» أنّ الموت نحن نذوقه
رجوعا إلى الصّبر الجميل فحقّه
…
علينا قضى أن لا توفّى «11» حقوقه
أعزّيكم في البعد عنه «12» فإنني
…
أهنّيه قربا من جوار يروقه
فما كان فينا منه إلّا مكانه
…
وفي العالم العلويّ كان رفيقه
إيه «13» عن المدامع، هلّا تلا انحدار الدّمعة انحدارها؟ والمطامع هل ثبت «14» على قطب مدارها؟ والفجائع أغير دار بني رشد دارها؟ فإنه حديث أتعاطاه مسكرا، وأستريح الله مفكرا، وأبثّه باعثا على الأشجان مذكرا، ولا أقول كفى، وقد ذهب الواخذ «15» الذي كنت تتلافى، ولا أستشعر صبرا، وقد حلّ نور العلم قبرا، بل أغرق
الأجفان بمائها، وأستدعي الأحزان بالشّهير من أسمائها، وأستوهب الأشجان غمرة غمائها. ثم أتهالك تهالك المجنون، وأستجير من الحياة بريب المنون، وأنافر السّلوة «1» منافرة وسواس الظّنون، ولا عتب، فإذا خامر الواله جزعه، فإلى نصرة المدامع مفزعه»
، وإذا ضعف احتماله، فإلى غمرة الإغماء مآله، ومن قال: إنّ «3» الصبر أولى، ولّيته من ذلك ما تولّى. أما أنا فأستعيد من هذا المقام وأستعفيه، وأنزّه نفس الوفاء عن الحلول فيه، فإنه متى بقي للصّبر مكان، ففي محلّ الحزن لقبول ما يقاومه إمكان، وقد خان الإخاء وجهل الوفاء، من رام قلبه السّلوّ، وألفت «4» عينه الإغفاء. هو الخطب الذي نقى «5» الهجود، وألزم أعين الثّقلين أن تجود «6» ، وبه أعظم الدهر المصاب، وفيه أخطأ سهم المنيّة حين أصاب. فحقّنا أن نتجاوز الجيوب إلى القلوب «7» ، وننقلب «8» إذا غالبنا الحزن بصفقة «9» المغلوب، وإذا كان الدهر السّالب فلا غضاضة على المستريح لأنه «10» المسلوب. أستغفر الله، فقد أتذكّر «11» من مفقودنا، رضي الله عنه حكمه، وأشاهد «12» بعين البصيرة شيمه «13» ، فأجدهما يكفّان من واكف الدمع ديمه، ويقولان: الوله عند مماسة المصاب «14» ، ومزاحمة الأوصاب، أمر إن وقع، فقد ضرّ فوق ما نفع، فإنه لا ألم الحزن شفاه، ولا حقّ المصيبة وفّاه، ولا الذّاهب الفائت استرجعه وتلافاه، فربما جنحت إلى الصّبر لا رغبة فيه، بل إيثارا لمقصده وتشيّعا لتصافيه، فأستروح رائحة السّلو، وأنحطّ قاب قوسين «15» أو أدنى عن سدرة ذلك العلو، وأقف بمقام الدّهش بين معنى الحزن
المستحكم ولفظ العزاء «1» المتلوّ. فأبكي بكاء النساء، وأصبر صبر الرؤساء، وأحرز «2» رزايا الفضلاء، بفضل «3» رزايا الأخسّاء، موازنة بين «4» هذا الوجود، وبخل يتعاقب على محل الجود «5» . فالدهر يسترجع ما وهب، كان الصّفر «6» أو الذّهب. وإذا تحقّق عدم ثباته، وعدم «7» استرجاعه لجميع هباته، كان «8» المتعرّض لكثيره، محلا لتأثيره.
فلا غرو أن دهمكم الرّزء، مورد «9» الفلك الدّابر «10» منه الجزء، فطالما بتّم ترضعكم الحكمة أخلافها، وتهبكم الخلافة آلافها، وتؤملكم «11» الأيام خلافها. وإذا صحيت «12» العقول، وضنّ بما لديه المعقول، وصارت الأذهان إلى حيث لا تتصوّر والألسنة «13» بحيث لا تقول، وردتم معينا، ووجدتم معينا، وافتضضتموها كمثل «14» اللؤلؤ المكنون صورا «15» عينا. أظننتم أن عين الله «16» تنام، أم رمتم أن يكون صرحا إلى إله موسى ذلك السّنام؟ لشدّ ما شيّدتم «17» البناء، وألزمتم اتّباع الأب الأبناء «18» ، حتى غرق الأول في الآخر، وصار السّلف على ضخامته أقلّ المفاخر. ومن علت في علاها1»
قدم ترقّيه، ولم يصب «20» بكماله عينا «21» يحفظ من عين العلن ويقيه، فكثيرا ما يأتيه محذوره من جهة توقّيه. هذا أبوكم، رضي الله عنه، حين استكمل، فعرف «22» الضّارّ والشّافي، وتعذّرت صفات كماله على الحرف النّافي، فيا «23» لله لفظة أواليها، وأتبعها زفرة تليها، لقد بحثت الأيام عن حتفها بظلفها، وسعت على قدمها إلى رغم أنفها، [حين أتلفت الواحد يزن مائة ألفها]«24» ، فمن لبثّ الوصل
ولرعي «1» الوسائل، وإلى من يلجأ في مشكلات المسائل؟ ومن المجيب إذا لم يكن المسؤول بأعلم من السّائل؟ اللهم صبّرنا على فقد الأنس بالعلم، وأدلنا من حفوف الوله بوقار الحلم، وأخلفه في بنيه وعامة أهليه، بشبيه ما أوليته في جوارك المقدس وتولّيه. وإليكم أيها الإخوة الأولياء، والعلية الذين عليهم قصرت العلياء، أعتذر من اتخاذ «2» الشيء من الكلام بنقصه «3» الأشياء. فقد خان في هذا الزمان «4» ، حتى اللسان، وفقد منه حتى الحسان «5» ، وليس لتأبين محمد صلى الله عليه وسلم، إلّا حسّان، فالعذر منفسح المجال، وإلى التقصير في حقّ رزئكم الكبير نصير «6» في الرّوية والارتجال.
ولذلك عدلت إلى الإيجاز، واعتقدت في «7» إرسال القول في هذا الموضع ضربا من المجاز، ومبلغ النفس عذرها مع العجز كالصّائر «8» للإعجاز. وأما حسن العزاء، على تعاقب هذه الأرزاء، فأمر لا أهبه بل أستجديه، ولا أذكركم به ونفس صبركم متوغلة فيه، فسواكم يلهم للإرشاد «9» ، ويذكّر بطرق الرشاد، جعل الله منكم لآبائكم خلفا، وأبقى منكم لأبنائكم سلفا، ولا أراكم «10» الوجود بعده تلفا. والسلام «11» .
محنته: امتحن، رحمه الله، بالتّغريب عن وطنه، لبغي بعض حسدته عليه، فأسكن بمرسية مدّة طويلة، إلى أن هلك بألمرية الأمير أبو عبد الله محمد بن يوسف بن هود، آخر جمادى الأولى سنة خمس وثلاثين وستمائة. فسرّح أبو الحسن بن سهل إلى بلده في رمضان من هذه السنة.
ومن شعره في ذلك الحال مما يدلّ على بعد شأوه ورفعة همته، قوله «12» :
[الطويل]
أدافع همّي «13» عن جوانب همّتي
…
وتأبى هموم العافين عن «14» الدّفع
وألتمس العتبى وحيدا وعاتبي «1»
…
وصرف الليالي والحوادث في جمع
وإنّي من حزمي وعزمي «2» وهمتي
…
وما رزقته النّفس من كرم الطّبع
لفي منصب تعلو السماء سماته
…
فتثبت «3» نورا في كواكبها السّبع
غلا صرف دهري إذ علا فإذا به
…
تراب لنعلي أو غبار على شسعي «4»
تدرّعت بالصبر الجميل وأجلبت
…
صروف الليالي كي تمزّق لي درعي «5»
فما ملأت قلبي ولا قبضت يدي
…
ولا نحتت أصلي ولا هصرت فرعي «6»
فإن عرضت لي لا يفوه بها فمي
…
وإن زحفت لي لا يضيق بها ذرعي «7»
وفي هذه الأبيات تأنيث السّبعة الكواكب، وحكمها التّذكير، وذلك إما لتأويل بعد أو غفلة، فلينظره. قال أبو الحسن الرعيني: ودخلت عليه بمرسية، وبين يديه شمّامة زهر، فأنشدني لنفسه «8» :[الطويل]
وحامل طيب لم يطيّب بطيبه
…
ولكنه عند الحقيقة طيب
تألّف من أغصان آس وزهرة «9»
…
فمن صفتيه زاهر ورطيب
تعانقت الأغصان فيه كما التقى
…
حبيب على طول النّوى وحبيب
وإن الذي أدناه دون «10» فراقه
…
إليّ كبير «11» في الوجود عجيب
مناسبة للبين كان انتسابها
…
وكلّ غريب للغريب نسيب
فبالأمس في إسحاره «12» وبداره
…
وباليوم في دار الغريب غريب
تواليفه: صنّف في العربية كتابا مفيدا، رتّب الكلام فيه على أبواب كتاب سيبويه. وله تعاليق جليلة على كتاب المستصفى في أصول الفقه، وديوان شعر كبير.
وكلامه الهزلي ظريف شهير.
مولده: عام تسعة وخمسين وخمسمائة.
وفاته: توفي بغرناطة منتصف ذي قعدة سنة تسع وثلاثين وستمائة. وزعم ابن الأبّار»
أن وفاته كانت سنة أربعين وستمائة، وليس بصحيح «2» . ودفن بمقبرة شقستر. قال ابن عبد الملك «3» : وكان كريم النفس، [فاضل الطبع، نزيه الهمّة]«4» ، حصيف الرأي، شريف الطباع، وجيها، مبرورا، معظّما عند الخاصة والعامة.
من رثاه: ممن كتب إلى بنيه يعزّيهم في مصابهم بفقده، ويحضّهم على الصبر من بعده، تلميذه الكاتب الرئيس أبو عبد الله بن الجنّان «5» :[الطويل]
دعوني وتسكاب الدموع السّوافك «6»
…
فدعوى «7» جميل الصّبر دعوة آفك
أصبر جميل في قبيح حوادث
…
خلعن على الأنوار ثوب الحوالك
تنكّرت الدنيا على الدّين ضلّة
…
ومن شيمة الدنيا تنكّر فارك
فصبّحنا «8» حكم الردى بردائه
…
فتلك وهذا «9» هالك في المهالك «10»
عفا طلل منها ومنه فأصبحا «1»
…
شريكي عنان في بلا متدارك «2»
فلا بهجة تبدي «3» مسرّة ناظر
…
ولا حجّة تهدي محجّة «4» سالك
وما انتظم الأمران إلّا ليؤذنا
…
بأمر دها سير النجوم السّوابك «5»
وإنّ لمنشور الوجود انتظاره «6»
…
بكفّي فناء للفناء مواشك «7»
أما قد علمنا والعقول شواهد
…
بأنّ انقراض العلم أصل المهالك
إذا أهلك «8» الله العلوم وأهلها
…
فما الله للدهر الجهول ببارك «9»
هل العلم إلّا الرّوح والخلق جثّة
…
وما الجسم بعد الروح بالمتماسك
وما راعني في عالم الكون حادث
…
سوى حادث في عالم ذي مدارك
لذلك ما أبكي كأني متمّم «10»
…
أتمّم ما أبقى الأسى «11» بعد مالك
وسهّل عندي أن أرى الحزن مالكي
…
مصابي بالفيّاض سهل بن مالك
إمام هدى كنّا نقلّد رأيه
…
كتقليد رأي الشّافعي ومالك
غمام ندى «1» كنّا عهدنا سماحه
…
بساحل دارات العماد الحوائك «2»
أحقّا قضى ذاك «3» الجلال وقوّضت
…
مباني معال في السماء سوامك؟
وأقفر في نجد من المجد ربعه
…
وعمّر قبر مفرد بالدّكادك؟
وغيّب «4» طود في صعيد بملحد «5»
…
وغيّض بحر في ثرى متلاحك «6»
ووارى شمس المعارف غيهب
…
من الخطب يردي «7» بالشّموس الدّوالك «8»
ألا أيها النّاعي لك الثّكل لا تفه
…
بها إنها أمّ الدّواهي الدّواهك «9»
لعلّك في نعي العلا متكذّب
…
فكم ماحل من قبل فيه وماحك
فكذّبهم «1» يا ليت أنك مثلهم
…
تواتر أخبار وصدق مآلك
فيا حسن ذاك القول إذ بان كذبه
…
ويا قبحه والصّدق بادي المسالك
لقد أرجفوا «2» فيه وقلبي راجف
…
مخافة تصديق الظّنون الأوافك
كأنّ كمال الفضل كان يسوءهم «3»
…
فأبدوا على نقص «4» هوى متهالك
كأنهم مستبطئون ليومه «5»
…
كما استبطأ المصبور «6» هبّة باتك «7»
كأنهم مستمطرون لعارض
…
كعارض عاد للتجلّد عارك
بلى إنهم قد أرهصوا لرزيّة
…
تضعضع ركن الصّابر المتمالك
فقد كان ما قد أنذروا بوقوعه
…
فهل بعده للصبر «8» صولة فاتك؟
مصاب مصيب للقلوب بسهمه «9»
…
رمى عن قسيّ لليالي عواتك
بكت حسنها «1» الغبراء فيه فأسعدت
…
بأدمعها الخضراء ذات الحبائك «2»
على علم الإسلام قامت نوادب
…
بهتن مباك أو بهتم مضاحك
فمن سنّة سنّت على الرأس تربها
…
ومكرمة ناحت لأكرم هالك
ومن آية تبكي منوّر «3» صبحها
…
إذا قام في جنح من الليل حالك
ومن حكمة تبكي «4» لفقد مفجّر
…
لينبوعها السّلسال في الأرض سالك
فيا أسفي من للهوى ورسومه
…
ومن لمنيخ عند تلك المبارك؟
ومن للواء الشّرع يرفع خفضه
…
ويمنع من تمزيقه كفّ هاتك؟
ومن لكتاب الله يدرس وحيه
…
ويقبس منه النور غير متارك؟
ومن لحديث المصطفى ومآخذ «5»
…
يبيّنها «6» في فهمه ومتارك؟
ومن ذا يزيل اللّبس في متشابه
…
ومن ذا يزيح الشّكّ عن متشابك؟
ومن لليراع الصّفر «1» طالت «2» بكفّه
…
فصارت طوال السمر «3» مثل النيازك؟
ومن للرّقاع البيض طابت بطيبه «4»
…
فجابت إلى الأملاك سبل المسالك؟
ومن لمقام الحفل يصدع بالتي
…
تقصّ «5» لقسّ من جناح المدارك؟
ومن لمقال كالنّضار يخلّص «6»
…
لإبريزه التبريز لا للسّبائك؟
ومن لفعال إن ذكرت بناءه
…
فعال وإن تنشر فمسكة فارك؟
ومن لخلال كرّمت وضرائر «7»
…
ضربن بقدح في عتاب «8» الضّرائك «9» ؟
ومن لشعار الزهد أخفي بالغنى «10»
…
ففي طيّه فضل الفضيل ومالك «11» ؟
ومن لشعاب المجد أو لشعوبه
…
إذا اختلطت ساداته بالصّعالك؟
ألا ليس من: فاكفف عويلك أو فرد
…
فما بعد سهل في العلى من مشارك
أصبنا فيالله فيه وإنما
…
أصبنا لعمري في الذّرى والحوارك
فناد بأفلاك المحامد: أقصري
…
فلا دوران، زال «1» قطب المدارك
وصح بالسناء «2» اليوم أقويت منزلا
…
بوطء المنايا لا بوطء السّنابك
على هذه حام الحمام محلّقا
…
ثمانين حولا كالعدوّ المضاحك
فسالمه في معرك الموت خادعا
…
وحاربه إذ جاز ضنك المعارك
طواك الرّدى مهما يساكن فإنّه
…
محرّك جيش ناهب العيش ناهك
سبى سبأ قدما وحيّ «3» السّكاسك
…
ولم يأل عن خون لخان «4» ومالك
وأفنى من ابناء «5» البرايا جموعها
…
وألقى البرى «6» بالرغم فوق البرامك
سواء لديه أن يصول بفاتك «7»
…
من الناس «8» ناس للتقى أو بناسك
ولو أنه أرعى على ذي كرامة
…
لأرعى «9» على المختار نجل العواتك «10»
ولو راعه عمر تكامل ألفه
…
لما راع نوحا في السّنين الدّكادك «1»
وما من سبيل للدوام وإنما
…
خلقنا لأرحاء المنون الدواهك «2»
فيا آل سهل أو بنيه مخصصا
…
نداء عموم في غموم موالك
أعندكم أني لما قد عراكم
…
أمانع صبري لن يلين عرائكي «3» ؟
فكيف أعزّي والتعزّي محرّم
…
عليّ ولكن عادة آل مالك «4»
فإن فرح «5» يبدو فذاك «6» تكرّه
…
لتجريع صاب من مصاب مواعك
وإن كان صبر «7» إنها لحلومكم
…
ثوابت «8» في مرّ الرياح السواهك
ورثتم سنا ذاك المقدّس «9» فارتقوا
…
بأعلى سنام من ذرى العزّ تامك «10»
فلم يمض من أبقى من المجد إرثه
…
ولم يلق ملكا «11» تارك مثل مالك
أتدرون لم جدّت ركاب أبيكم
…
كما جدّ سير بالقلاص الرواتك «1» ؟
تذكّر في أفق السماء قديمه
…
فحنّ إلى عيص «2» هنالك شابك
وكان «3» سما في حضرة القدس حظّه
…
فلم يله «4» عنه بالحظوظ الركائك
فيا عجبا منّا نبكّي مهنّأ
…
تبوّأ دارا في جوار الملائك
يلاقيه في تلك المغاني رفيقه
…
بوجه منير بالتّباشير ضاحك
فلا تحسبوا أنّ النّوى غال روحه
…
لجسم ثوى تحت الدّكادك سادك «5»
فلو أنكم كوشفتم «6» بمكانه
…
رأيتم مقيما في أعالي الأرائك
ينعّم في روض الرّضا وتجوده
…
سحائب في كثبان مسك عوانك «7»
كذلك وعد الله في ذي مناسب
…
من البرّ صحّت بالتّقى «8» ومناسك
فيا رحمة الرحمن وافي جنابه
…
ويا روحه سلّم عليه وبارك
ويا لوعتي سيري إليه برقعتي
…
وقصّي شجونا من حديثي هنالك
حديث «1» الأشجان شجون، ووجوه القراطيس به كوجوه الأيام جون، فارعني «2» سمعك أبثّك بثّي واكتئابي، وأعرني «3» نظرة في كتابي؛ لتعلم ما بي، فعندي ضرب الأسى جناية «4» ، وعلى وردي أطال باغي الأسى حماية «5» ، وعبرتي أبكت من القطر سجامه، وزفرتي أذكت من الجمر ضرامه، ومني تعلّمت ذات الهديل كيف تنوح، وعنّي أخذت ذات الحسن «6» كيف تغدو والهة وتروح، فما مذعورة راعها القنّاص، وعلق بواحدها حبل الجهالة «7» فأعوزه الخلاص، فهي تتلفّت إليه والمخافة خلفها وأمامها، وتتلهف عليه فتكاد تواقع فيه حمامها، بأخفق ضلوعا، وأشفق روعا، وأضيق مجالا، وأوسع أوجالا، وأشغل بالا، وأشعل بلبالا، بل ما طلاها، وقد رآها، ترمي «8» طلاها، فوقف «9» حتى كاد يشركها في الحين، ويحصل من الشّرك تحت جناحين. ثم أفلت وهو يشكّ في الإفلات، ويشكو وحدته في الفلوات «10» ، بأرهب نفسا، وأجنب أنسا، وألهب حشا، وأغلب توحّشا، وأضيع بالمومات، وأضرع لغير الأمّات، منّي وقد وافى النبأ العظيم، ونثر الهدى بكفّ الرّدى شمله 1»
النظيم، وأصبح يعقوب الأحزان وهو كظيم. وقيل: أصيبت الدنيا بحبشتها «12» وحسنها، والدّيانة بمحسّنها وأبي حسنها، فحقّ على القلوب انفطارها، وعلى العيون أن تهمي قطارها، وعلى الصّبر أن يمزّق جلبابه، وعلى الصّدر أن يغلق في وجه السّلوّ بابه.
أنعي «13» الجليل السّعي، ورزيّة الجميل السّجية، ووفاة الكريم الصفات، وفقد الصّميم المجد، وذهاب السّمح الوهّاب، وقبض روحاني الأرض، وانعدام معنى الناس، وانهدام مغشى «14» الإيناس، وانكساف «15» شمس العلم، وانتساف قدس الحلم. يا له حادثا، جمع قديما من الكروب وحادثا، ومصابا جرّع أوصابا، وأضحى
كلّ به مصابا. لا جرم أني شربت من كأسه مستفظعها «1» ، وشرقت بها وبماء «2» دمعي الذي ارفضّ معها، فغالت خلدي، وغالبت جلدي، حتى غبت عنّي، ولم أدر بآلامي التي تعنّي. ثم أفقت من سكري، ونفقت «3» مبدّد فكري، فراجعني التّذكار والتّهمام، وطاوعني شجونا «4» يتعاطاه الحمام، فبكيت حتى خشيت أن يعشيني، وغشيت إذ غشيني من ذلك أليم «5» ما غشيني، وظلت ألقى «6» انبجاسا للتّرح يلقيني، فتارة يعنيني، وتارة يبقيني، فلو أن احتدامي، والتّدامي، وجفني الدّامي، اطّلعت على بعضه الخنساء، لقالت: هذه عزمة حزن لا يستطيعها النّساء. ذلك بأن قسمة المراثي كقسمة الميراث، وللذّكران المزيّة، كان للسّرور أو للرّزيّة، على الإناث، هذا لو وازن مبكيّ مبكيا، ووارى ترابيّ فلكيّا، إنا «7» لنبكي نور علم وهي تبكي ظلمة جهل، وندبتي بجبل يدعى بسهل، كان «8» يتفجّر منه الأنهار، وينهال جانبه من خشية الله أو ينهار، في مثله ولا أريد بالمثل سواه، فما كان في أبناء الجنس من ساواه. يحسن الجزع من كل مؤمن تقي، ويقال للمتجلد: لا تنزع الرّحمة إلّا من شقي، فكل جفن بعده جاف، فصاحبه جلف أوصاف «9» ، وكل فؤاد لم تصدع «10» له صفاته، ولم تتغيّر لفقده صفاته، فمتحقّق عند العلماء «11» معلوم، أنه معدود في الحجارة أو معدوم. فيا ليت شعري يوم ودّع للتّرحال، ودعا حاديه بشدّ «12» الرّحال، كيف كان حاضروه في تلك الحال، هل استطاعوا معه صبرا، وأطاعوا لتلبيته «13» أمرا؟ أو ضعف احتمالهم، وقوي في مفارقة النفوس اعتمالهم؟ ويا ليت شعري إذ أفادوا الماء طهارة زائدة بغسل جلاله! هل حنّطوه في غير ثنائه أو كفّنوه في غير خلاله؟ ويا ليت شعري إذا استقلّ به نعشه لأشرف، ترفرف عليه الملائكة ويظلّله الرّفرف! هل رأوا قبله حمل «14» الأطواد، على الأعواد؟ وسير الكواكب، في مثل تلك المواكب؟ فيأنسوا بالإلف، ويرفعوا منكم الطّرف، ويدعوا لفيض من أثر ذلك الظّرف؟ ويا ليت شعري إذ ودّعوا «15» درّة الوجود، صدفة اللّحد المجود، لم آثروا الثّرى على نفوسهم، ورضوا الأرض مغربا
لأنوار شموسهم؟ فهلا حفروا له بين أحناء الضلوع، وجعلوا الصفيح صريح الحبّ والولوع، فيكونوا قد فازوا بقربه، وجازوا فخرا خيّر لتربه؟ ويا ليت شعري إذا لم يفعلوا ذلك، ولم يهتدوا هذه المسالك! هل قضوا حقّ الحزن، وسقوا جوانب الضّريح من عبراتهم بأمثال المزن؟ وهل اتصفوا بصفة الأسف، أو قنعوا منها بأن وصفوها؟ وهل تلافوا بقايا الأنفس، بعد المفقود الأنفس، وأتلفوها «1» ؟:[الطويل]
فكلّ أسى لا تذهب النفس عنده
…
فما هو إلّا من قبيل التصنّع
يا قدّس الله مثوى ذلك المتوفّى، وما أظنّ الجزع تمّم «2» حقّه ووفّى. ولو درى الزمن «3» وبنوه، قدر من فقدوه، لوجدوا المفاجئ «4» الفاجع أضعاف ما وجدوه، فقد فقدوا واحدا جامعا للعوالم، وماجدا رافعا لأعلام المعالي والمعالم، ومفدّى ثقل له في الفدا، ونفوس الأودّاء والأعدا، ومبكى ما قامت على مثله النّوائح، ولا حسنت إلّا فيه المراثي كما حسنت من قبل فيه المدائح. رحمة الله عليه ورضوانه، وريحان الجنان يحيّيه به رضوانه. من لي بلسان يقضي حقّ ندبته، وجنان يقضي بما فيه إلى جثّته «5» وتربته، وقد نبّهني «6» حزني عليه وبلّدني، وتملّكني حصر الحسرة عليه وتعبّدني. وأين يقع مهلهل البديه، مما يخفيه مهلهل الثّكل ويبديه؟ يمينا لو لبثت في كهف الرويّة ثلاثمائة سنين، واستمددت سواد ألسنة الفصحاء اللسنين، ما كنت في تأبين ذلك الفصل المبين من المحسنين، إلّا أني أتيت بالطريف «7» من بيانه [المعلم المطارف]«8» والتّليد، ورثيت رشد كماله برثائه كمال ابن رشد أبي الوليد، فأنشدت بنيه قوله فيه «9» :[الطويل]
أخلّاي، إني من دموعي بزاخر
…
بعيد عن الشّطين منه غريقه
وما كان ظنّي قبل فقد أبيكم
…
بأنّ مصابا مثل هذا أطيقه
ولم أدر من أشقى الثلاثة بعده
…
أأبناؤه أم دهره أم صديقه؟
ثم استوفيت تلك الأبيات والرسالة، وأجريت بترجيعها من دم الكبد ونجيعها عبراتي المسالة، فحينئذ كنت أوفّي المصاب واجبه، وأشفي صدورا صديّة شجيّة
وقلوبا واجفة واجبة. ولو أن ما رثى به نفسه الكريمة من ثرّ إساءته «1» ، حين رأى الحين مغتصبا «2» حشاشة مكرماته، أثار كامن وجدي بألفاظه المبكية، ومعانيه التي تحلّ من مزاد العيون الأوكية، لا هبّ لي رندا «3» ، وأعقبني صفاة تندى، وأطمعني في أن يعود بكائي زبدا. فقد بلغني أنه لمّا»
وقف على ثنيّة المنيّة، وعرف قرب انتقال السّاكن من البنيّة، جمع بنات فكره، كما جمع شيبة الحمد بنات خدره، وقال: يا بنياتي، قد آن ليومي أن يأتي، فهل لكن أن ترينني «5» ؟ فوضعن أكبادهن على الوشيج «6» ، ورفعن أصواتهن بالنّشيج، وأقبلن «7» يرجّعن الأناشيد، ويفجعن القريب والبعيد، حتى أومأ إليهنّ، بأن قضين ما عليهنّ، فيا إخوتاه «8» ، ومثلي بهذا النداء نخي وتاه: أسهموا أخاكم في ميراث تلكم الكلم، واحموا «9» فؤادا بالملمّ المؤلم قد كلم، ولا تقولوا يكفيه ميراث الأحزان، فتبخسوا وحاشاكم في الميزان، فإني وإن تناولتها باليدين، وغلبت عليها فإني صاحب الفريضة «10» والدّين، فإني لحظّي من ميراث الحكمة سائل، ومع أنّ لي حقّا فلي ذمم ووسائل، فابعثوا إليّ ما يطارحني في أشجاني، وأقف على رسمه فأقول شجاني، ولا أطلب من كلام ذلكم الإمام، العزيز فقده على الإسلام، قوله في التصبير، على الرزء الكبير، ووصاته، لئلّا يلزمني ولست بالمستطيع إصغاء للمطيع لأمره «11» وإنصاته، فإن امتثلت، أصبت قتلي بما نثلت، وإن عصيت، أبعدت نفسي من رضاه وأقصيت، ولي في استصحاب حالي أمل، وما لم يرد خطاب لم يلزم عمل. على أني وإن صاب وابل دمعي وصب، وأصبحت بذكر المصاب الكلف الصّبّ، فلا أقول إلّا ما يرضي الربّ، فإني «12» أبكي عالما كبيرا، وعلما شهيرا، تسعدني في بكائه الملّة، وتنجدني بوجده «13» فأنا الكاتب وهي المملّة.
وأما أنتم أيها الإخوة الفضلاء، والصفوة الكرماء، فقد تلقيتم وصلته «14» المباركة شفاها، وداوى صدوركم بكلامه النافع وشفاها، فلا يسعكم إلّا الامتثال، والصبر الذي تضرب به الأمثال، فعزاء عزاء، وانتماء إلى التأسّي واعتزاء، وإن فضل رزء