الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
لنفسه: [الطويل]
جفوت أناسا كنت إلفا لوصلهم «1»
…
وما بالجفا عند الضرورة من ناس
بلوت فلم أحمد فأصبحت يائسا
…
ولا شيء أشفى للنفوس من الياس
فلا تعذلوني في انقباضي فإنني
…
وجدت جميع الشّرّ في خلطة الناس
وفاته: في اليوم التاسع عشر من شهر رجب الفرد عام خمسة وسبعمائة.
يوسف بن موسى بن سليمان بن فتح بن أحمد ابن أحمد الجذامي المنتشاقري
«2»
من أهل رندة، يكنى أبا الحجاج.
حاله: هذا الرجل حسن اللقاء، طرف في التخلّق والدماثة، وحسن العشرة، أديب ذاكر للأخبار، طلعة، يكتب ويشعر، سيال الطبع معينه. ولّي القضاء ببلده رندة، ثم بمربلّة. وورد غرناطة في جملة وفود من بلده وعلى انفراد منهم.
وجرى ذكره في «التاج المحلّى» بما نصّه «3» : حسنة الدهر الكثير العيوب، وتوبة الزمان الجمّ الذنوب، ما شئت من بشر «4» يتألّق، وأدب تتعطّر به النّسمات وتتخلّق، ونفس كريمة الشمائل والضرائب، وقريحة يقطف بحرها بدرر «5» الغرائب، إلى خشية لله تحول بين القلوب وقرارها، وتثني النفوس عن اغترارها، ولسان يبوح بأشواقه، وجفن يسخو بدرر آماقه، وحرص على لقاء كل ذي علم وأدب، وممن «6» يمتّ إلى أهل الدّيانة والعبادة بسبب، سبق بقطرة الحلبة، وفرع «7» من الأدب الهضبة، ورفع الراية، وبلغ في الإحسان الغاية، فطارت قصائده كل المطار، وتغنّى بها راكب الفلك وحادي القطار. وتقلّد خطّة القضاء ببلده، وانتهت إليه رياسة الأحكام بين أهله وولده، فوضحت المذاهب بفضل مذهبه، وحسن مقصده. وله شيمة في الوفاء تعلّم
منها الآس «1» ، ومؤانسة عذبة لا تستطيعها الأكواس «2» . وقد أثبتّ من كلامه ما تتحلّى به ترائب «3» المهارق، ويجعل طيبه فوق المفارق. وكنت أتشوّق إلى لقائه، فلقيته بالمحلّة من ظاهر «4» جبل الفتح لقيا لم تبلّ صدا، ولا شفت كمدا، وتعذّر بعد ذلك لقاؤه فخاطبته بقولي «5» :[الطويل]
حمدت «6» على فرط المشقّة رحلة
…
أتاحت لعينيّ اجتلاء محيّاكا
وقد كنت في التّذكار بالبعد «7» قانعا
…
وبالريح أن هبّت بعاطر ريّاكا
فجلّت «8» لي النّعمى بما أنعمت به
…
عليّ فحيّاها الإله وحيّاكا
أيها «9» الصّدر الذي بمخاطبته يبأى «10» ويتشرّف، والعلم الذي بالإضافة إليه يتعرّف، والروض الذي لم يزل على البعد بأزهاره الغضّة يتحف. دمت تتزاحم على موارد ثنائك الألسن، وتروي «11» للرواة ما يصحّ من أنبائك ويحسن، طالما مالت إليك النفوس منّا وجنحت، وزجرت الطائر الميمون من رقاعك كلّما سنحت. فالآن اتّضح البيان، وصدّق الأثر العيان. ولقد كنّا للمقام بهذه الرّحال نرتمض «12» ، ويجنّ الظّلام فلا نغتمض، هذا يقلقه إصفار كيسه، وذا يتوجّع لبعد أنيسه، وهذا تروّعه الأهوال، وتضجره بتقلّباتها الأحوال. فمن أنّة لا تنفع، وشكوى إلى الله تعالى ترفع.
فلمّا ورد بقدومك البشير، وأشار إلى ثنيّة «13» طلوعك المشير، تشوّفت النفوس الصّديّة «14» إلى جلائها وصقالها، والعقول إلى حلّ عقالها «15» ، والألسن المعجمة «16» إلى فصل مقالها. ثم إنّ الدهر راجع التفاته، واستدرك ما فاته، فلم يسمح من لقائك
إلّا بلمحة، ولا بعث من نسيم روضك بغير نفحة، فما زاد أن هيّج الأشواق فالتهبت، وشنّ غاراتها على الجوانح فانتهبت، وأعلّ القلوب وأمرضها، ورمى ثغرة الصّبر فأصاب غرضها. فإن رأيت أن تنفّس عن نفس شدّ الشوق مخنّقها، وكدّر مشارب أنسها وأذهب رونقها، وتتحف من آدابك بدرر تقتنى، وروضة طيّبة الجنى، فليست ببدع في شيمك، ولا شاذّة في باب كرمك. ولولا شاغل لا يبرح، وعوائق أكثرها لا يشرح، لنافست هذه السّحاءة «1» في القدوم عليك، والمثول بين يديك، فتشوّفي «2» إلى اجتلاء أنوارك شديد، وتشيّعي فيك «3» على إبلاء الزمان جديد. فراجعني بقوله «4» :[الطويل]
حباك فؤادي نيل بشرى وأحياكا «5»
…
وحيد بآداب نفائس حيّاكا
بدائع أبداها بديع زمانه
…
فطاب بها يا عاطر الرّوض ريّاكا
أمهديها أودعت قلبي علاقة
…
وإن لم يزل «6» مغرى قديما بعلياكا
إذا ما أشار العصر نحو فرنده «7»
…
فإيّاك أعني «8» بالإشارة إيّاكا
لأتحفني لقياك أسمى «9» مؤمّلي
…
وهل تحفة في الدهر إلّا بلقياكا؟
وأعقبت إتحافي فرائدك التي
…
وجوب ثناها يا لساني أعياكا
خصصتني «10» أيها الحبر «11» المخصوص بمآثر أعيا عدّها وحصرها، ومكارم طيّب أرواح الأزاهر عطرها، وسارت الركبان بثنائها، وشملت الخواطر محبة علائها، بفرائدك الأنيقة، وفوائدك المزرية جمالا على أزهار الحديقة، ومعارفك التي زكت حقّا وحقيقة، وهدت الضالّ عن سبيل الأدب مهيعه «12» وطريقه، وسبق تحفتك عندي أعلى التحف «13» ، وهو مأمول لقائك، والتمتّع بالتماح سناك الباهر وسنائك، على حين امتدت لذلك «14» اللقاء أشواقي، وعظم من فوت استنارتي بنور محيّاك إشفاقي،
وتردّد لهجي بما يبلغني من معاليك ومعانيك، وما شاده فكرك الوقّاد من مبانيك، وما أهلّت به بلاغتك من دارسه، وما أضفت «1» على الزمان من رائق ملابسه، وما جمعت من أشتاته، وأحيت من أمواته، وأيقظت من سناته «2» ، وما جاد به الزمان من حسناته.
فلترداد هذه المحاسن من أنبائك، وتصرّف الألسنة بثنائك، علقت النفس من هواها بأشدّ علاقة، وجنحت إلى لقائك جنوح والهة مشتاقة، والحوادث الجارية تصرفها، والعوائق الحادثة كلما عطفت بأملها «3» إليه لا تتحفها به ولا تعطفها، إلى أن ساعد الوقت، وأسعد البخت، بلقياكم «4» هذه السفرة الجهادية، وجاد إسعاف الإسعاد من أمنيتي بأسنى هديّة، فلقيتكم لقيا خجل، ولمحت أنواركم لمحة على وجل، ومهجتي «5» في محاسنكم الرائقة، ومعاليكم الفائقة، على ما يعلمه ربّنا عز وجل.
وتذكرت عند لقائكم المأمول، إنشاء قائل يقول:[البسيط]
كانت محادثة «6» الركبان تخبر عن
…
محمد بن خطيب «7» بأطيب الخبر
حتى التقينا فلا والله ما سمعت
…
أذني بأحسن ممّا قد رأى بصري
قسما «8» لعمري أقوله وأعتقده، وأعتدّه وأعتمده، فلقد بهرت منك المحاسن، وفقت من يحاسن، وقصر عن شأوك كلّ بليغ لسن، وسبقت فطنتك النّارية النّوريّة بلاغة كلّ فطن، وشهد لك الزمن «9» أنك وحيده، ورئيس عصبته الأدبية وفريده. فبورك لك فيما أنلت من الفضائل، وأوتيت من آيات المعارف التي بها نور الغزالة هائل «10» ، ولا زلت مرقّى «11» في مراتب المعالي، موقّى صروف الأيام والليالي.
ومن شعره يمدح الجهة النّبوية، مصدّرا بالنسيب لبسط الخواطر النّفسانية «12» :
[الكامل]
لما تناهى الصّبّ في تشويقه
…
درر الدموع اعتاضها بعقيقه
متلهّف وفؤاده متلهّب
…
كيف البقاء «1» مع احتدام حريقه؟
متموّج بحر الدموع بخدّه «2»
…
أنّى خلاص يرتجى لغريقه
متجرّع صاب «3» النّوى من هاجر
…
ما إن يحنّ للاعجات مشوقه
يسبي الخواطر حسنه ببديعه
…
يصبي النّفوس جماله بأنيقه
قيد النواظر إذ يلوح لرامق
…
لا تنثني «4» الأحداق عن تحديقه
للبدر لمحته كبشر ضيائه
…
للمسك نفحته كنشر فتيقه «5»
سكرت خواطر لا محيه كأنّهم
…
شربوا من الصّهباء «6» كأس رحيقه
عطشوا لثغر لا سبيل لريقه
…
إلّا كلمحهم للمع بريقه
ما ضرّ مولى عاشقوه عبيده
…
لو رقّ إشفاقا لحال رقيقه
عنه اصطباري ما أنا بمطيعه
…
مثل السّلوّ ولا أنا بمطيقه
سجع الحمام يشوق ترجيع الهوى
…
فأثار شجو مشوقه بمشوقه
وبكت هديلا راعها تفريقه
…
ويحقّ أن يبكي أخو تفريقه
وبكاء أمثالي أحقّ «7» لأنني
…
لم أقض للمولى أكيد حقوقه
وغفلت في زمن الشباب المنقضي
…
أقبح بنسخ بروره بعقوقه
وبدا المشيب وفيه زجر ذوي النّهى
…
لو كنت مزدجرا لشيم «8» بروقه
حسبي ندامة آسف ممّا جنى
…
يصل النّشيج «9» لوزره بشهيقه
ويرمّ «10» ما خرم الهوى زمن الصّبا
…
ويروم من مولاه رتق فتوقه
ويردّد الشكوى لديه تذلّلا
…
علّ الرّضا يحييه «11» درك لحوقه
فيصحّ من سكر التّصابي صحوه «12»
…
نسخا لحكم صبوحه بغبوقه «13»
لو كنت يمّمت التّقى وصحبته
…
وسلكت إيثارا سواء طريقه «1»
لأفدت منه فوائدا وفرائدا
…
عرضت تسام لرابح في سوقه
لله أرباب القلوب فإنهم
…
من حزب من نال الرّضا وفريقه
قاموا وقد نام الأنام فنورهم
…
هتك الدّجا بضيائه وشروقه
وتأنّسوا بحبيبهم فلهم به
…
بشر لصدق الفضل في تحقيقه
قصّرت عنهم عندما سبقوا المدى
…
ولسابق فضل على مسبوقه
لولا رجاء تلمّحي «2» من نورهم
…
يحيي الفؤاد بسيره وطروقه
وتأرّج يستاف من أرواحهم
…
سبب انتعاش الرّوح طيب خلوقه «3»
لفتنت «4» من جرّا «5» جرائري «6» التي
…
من خوفها قلبي حليف خفوقه
ومعي رجاء توسّل أعددته
…
ذخرا لصدمات الزمان وضيقه
حبّي ومدحي أحمد الهادي الذي
…
فوز الأنام يصحّ في تصديقه
أسمى الورى في منصب وبمنسب
…
من هاشم زاكي النّجار عريقه
الحقّ أظهره عقيب خفائه
…
والدّين نظّمه لدى تفريقه
ونفى هداه ضلالة من جائر
…
مستوثق بنعوته ولعوقه «7»
سبحان مرسله إلينا رحمة
…
يهدي ويهدى الفضل من توفيقه
والمعجزات بدت بصدق رسوله
…
وحقيقه بالمأثرات خليقه
كالظّبي في تكليمه والجذع في
…
تحنينه والبدر في تشقيقه
والنّار إذ خمدت بنور ولادة «8»
…
وأجاج ماء قد حلا من ريقه
والزّاد قلّ فزاد من بركاته
…
فكفى الجيوش بتمره وسويقه
ونبوع ماء الكفّ من آياته
…
وسلام أحجار غدت بطريقه
والنخل لمّا أن دعاه مشى له
…
ذا سرعة بعروقه وعذوقه «9»
والأرض عاينها وقد زويت له
…
فقريب ما فيها رأى كسحيقه «10»
وكذا ذراع الشّاة قد نطقت له
…
نطق اللسان فصيحه وذليقه
ورمى عداه بكفّ حصبا «1» فانثنت
…
هربا كمذعور الجنان فروقه «2»
وعليه آيات الكتاب تنزّلت
…
تتلى بعلو جلاله وبسوقه
فأذيق «3» من كأس المحبّة صرفها
…
سبحان ساقيه بها ومذيقه
حاز السّناء وناله بعروجه
…
جاز السماء طباقها بخروقه
ولكم له من آية من ربّه
…
ورعاية «4» وعناية بحقوقه
يا خيرة الأرسال عند إلهه
…
يا محرز العليا على مخلوقه
علّقت آمالي بجاهك عدّة
…
والقصد ليس يخيب في تعليقه
ووثقت «5» من حبل اعتمادي عمدة
…
لتمسّكي بقويّه ووثيقه
ولئن غدوت أخيذ ذنبي إنني
…
أرجو بقصدك أن أرى كطليقه
وكساد سوقي مذ لجأت لبابكم «6»
…
يقضي حصول نفوذه ونفوقه
ويحنّ قلبي وهو في تغريبه
…
لمزاره لرباك «7» في تشريقه
وتزيد لوعته متى حثّ السّرى
…
حاد حدا بجماله وبنوقه
وأرى قشيب العمر أمسى باليا
…
ومرور دهري جدّ في تمزيقه
وأخاف أن أقضي ولم أقض المنى
…
بنفوذ سهم منيّتي ومروقه
فمتى أحطّ على اللّوى رحلي وقد
…
بلغت ركابي للحمى وعقيقه
وأمرّغ الخدّين في ترب غدا
…
كالمسك في أرج شذا منشوقه
وأعيد إنشادي وإنشائي «8» الثّنا
…
ببديع نظم قريحتي ورقيقه
حتى أميل العاشقين تطرّبا
…
كالغصن مرّ صبا على ممشوقه
وتحيّة التسليم أبلغ شافعي «9»
…
وثنا المديح حديثه وعتيقه
ولذي الفخار وذي العلى «10» ووزيره
…
صدّيقه وأخي الهدى فاروقه
مني السلام عليهم كالزّهر في
…
تأليفها والزّهر في تأليفه «11»
قال: وكتب بذلك إليّ في جملة من شعره «1» : [الطويل]
هواكم بقلبي ما «2» لأحكامه «3» نسخ
…
ومن أجله جفني بمدمعه يسخو «4»
ومن نشأتي ما إن صحت منه نشوتي
…
سواء به عصر المشيب «5» أو الشّرخ
عليه حياتي مذ تمادت وميتتي
…
وبعثي إذا بالصّور يتّفق النّفخ
ولي خلد «6» أضحى قنيص غرامه
…
ولا شرك يدني إليه ولا فخّ
قتلت سلوّي حين أحييت لوعتي
…
وما اجتيح «7» بالإقرار في حالتي لطخ «8»
وناصح «9» كتمي إذ زكت بيّناته
…
يجول عليه من دموع الأسى نضخ
وأرجو بتحقيقي «10» هواكم بأن أفي
…
فعهد «11» ولا نقض «12» وعقد ولا فسخ
وما الحبّ إلّا ما استقلّ ثبوته
…
لمبناه رصّ في الجوانح «13» أو رسخ
إذا مسلك لم يستقم «14» بطريقه
…
سلكت اعتدالا مثل ما يسلك الرّخّ
بدا لضميري من سناكم تلمّح
…
فبخّ لعقل لم يطر عندها بخّ
على عود ذاك اللّمح ما زلت نادبا
…
كما تندب الورقاء «15» فارقها الفرخ
يدي بأياديكم وقلبي شاغل
…
فمن فكرتي نسج ومن أنملي نسخ
ومن شعره أيضا قوله في غرض يظهر منه «16» : [الطويل]
إليك تحنّ النّجب والنّجباء
…
فهم وهي في أشواقهم شركاء
تخبّ بركّاب تحبّ وصولها
…
لأرض بها باد سنى وسناء
فأنفاسها ما إن تني صعداؤها
…
وأنفاسهم «1» من فوقها سعداء
هم عالجوا إذ عجّل السّير داءهم
…
وأشباه مثلي مدنفون بطاء
فعدت ودوني للحبيب ترحّلوا
…
وما قاعد والراحلون سواء
له وعليه حبّ قلبي وأدمعي
…
وقد صحّ لي حبّ وسحّ بكاء
بطيبة هل أرضى وتبدو سماؤها؟
…
وإن تك أرضا فالحبيب سماء
شذا نفحها واللّمح منها كأنه
…
ذكاء عبير والضّياء ذكاء «2»
فيا حاديا غنّي وللرّكب حاديا
…
عنائي «3» بعد البعد عنك عناء
بسلع فسل عمّا أقاسي من الهوى
…
وسل بقباء إذ يلوح قباء
وفي عالج منّي بقلبي لاعج «4»
…
فهل لي علاج عنده وشفاء؟
وفي الرقمتين أرقم الشوق لاذع
…
ودرياقه أن لو يباح لقاء
أماكن تمكين وأرض بها الرضى
…
وأرجاء فيها للمشوق رجاء
ومن المقطوعات قوله «5» : [الكامل]
أدب الفتى في أن يرى متيقّظا
…
لأوامر من ربّه ونواه
فإذا «6» تمسّك بالهوى يهوي به
…
والحبل «7» منه لمن تيقّن واه
ومن ذلك «8» : [المنسرح]
يا من بدنياه ظلّ في لجج
…
حقّق بأنّ النّجاة في الشاطي «9»
تطمع في إرثك الفلاح وقد
…
أضعت ما قبله من اشراط
كن حذرا في الذي طمعت به
…
من حجب نقص وحجب إسقاط
وقال «10» : [الطويل]
ترى شعروا أني غبطت نسيمة
…
ذكت بتلاقي الرّوض غبّ الغمائم
كما قابلت زهر الرياض وقبّلت
…
ثغور أقاحيه بلا لوم لائم
وقال «1» : [الكامل]
ورد المشيب مبيّضا بوروده
…
ما كان من شعر الشّبيبة حالكا
يا ليته لو كان بيّض بالتّقى
…
ما سوّرته «2» مآثم من حالكا
إنّ المشيب غدا رداء للرّدى
…
فإذا علاك أجدّ في ترحالكا «3»
وأنشدني صاحبنا القاضي أبو الحسن، قال: مما أنشدني الشيخ أبو الحجاج لنفسه «4» : [الخفيف]
لوعة الحبّ في فؤادي تعاصت
…
أن تداوى ولو أتى ألف راق «5»
كيف يبرا «6» من علّة وعليها
…
زائد علّة النّوى والفراق؟
فانسكاب الدموع جار فجار
…
والتهاب الضّلوع راق فراق
نبذة من أخباره: نقلت من خط صاحبنا الفقيه القاضي المؤرخ أبي الحسن بن الحسن، قال حاكيا عنه: ومن غريب ما حدّثني به، قال: كنت «7» جالسا بين يدي «8» الخطيب أبي القاسم التاكرونّي صبيحة يوم بمسجد مالقة الأعظم «9» ، فقال لنا في أثناء حديثه: رأيت البارحة في عالم النّوم كأنّ أبا عبد الله الجلياني يأتيني ببيتي شعر في يده وهما: [الخفيف]
كلّ علم يكون للمرء شغلا
…
بسوى الحقّ قادح في رشاده
فإذا كان فيه لله «10» حظّ
…
فهو ممّا يعدّه لمعاده
قال: فلم ينفصل المجلس حتى دخل علينا الفقيه الأديب أبو عبد الله الجلياني، والبيتان عنده «11» ، فعرضهما على الشيخ، وأخبره «12» أنه صنعهما البارحة، فقال له
كل من في المجلس: أخبرنا بهذا «1» الشيخ قبل مجيئك، فكان هذا من العجائب.
وقد وقعت الإشارة لذلك في اسم الشيخ.
مشيخته: منقول من خطّه في ثبت أجاز فيه أولادي، أسعدهم الله، بعد خطابة بليغة. قال: فمن شيوخي الذين رويت عنهم، واسترفدت البركة منهم، الشيخ الخطيب الصالح المتفنن أبو محمد عبد الواحد بن أبي السداد الباهلي، والشيخ الإمام أبو جعفر بن الزّبير، والشيخ الوزير المشاور أبو عبد الله بن أبي عامر بن ربيع، والقاضي العدل أبو عبد الله محمد بن علي بن محمد بن برطال، والشيخ الخطيب الصالح أبو عبد الله الطّنجالي، والراوية المسنّ أبو عمرو محمد بن عبد الرحمن الرندي الطنجي، والمدرس الصالح أبو الحسن علي بن أحمد الإشبيلي بن شالة، والخطيبان الأستاذان الحاجان أبو عبد الله محمد بن رشيد الفهري، وأبو عثمان سعيد بن إبراهيم بن عيسى الحميري، والشيخ الصالح أبو الحسين عبد الله بن محمد بن محمد بن يوسف بن منظور، والخطيب الصالح العلّامة المصنف أبو جعفر بن الزيات، والفقيه القاضي أبو جعفر بن عبد الوهاب، والشيخ الراوية المحدّث أبو عبد الله محمد بن أحمد بن الكماد، والخطيب أبو العباس أحمد بن محمد اللورقي، والعدل أبو الحسن علي بن محمد الطائي ابن مستقور، والخطيب الصالح أبو العباس أحمد بن محمد بن خميس الجزيري، والقاضي العدل الحاج أبو محمد عبد الله بن أبي أحمد بن زيد الغرناطي، والشيخ الراوية الحاج الرّحال الصوفي أبو عبد الله محمد بن أحمد بن أمين الفارسي العجمي الأقشري، والقاضي الحسيب أبو عبد الله محمد بن عياض بن محمد بن عياض، والقاضي أبو عبد الله بن عبد المهيمن الحضرمي، والأستاذ أبو إسحاق الغافقي، والإمام أبو القاسمي بن الشّاط، والخطيب القاضي أبو عبد الله القرطبي، والراوية أبو القاسم البلفيقي، والمحدّث أبو القاسم التجيبي، والخطيب أبو عبد الله الغماري، والإمام الكبير ناصر الدين المشدالي، والفقيه الصوفي أبو عبد الله محمد بن محمد الباهلي، عرف بالمسفر من أهل بجاية، وقاضي القضاة بتونس أبو إسحاق بن عبد الرفيع، والعلّامة أبو عبد الله بن راشد، والخطيب أبو عبد الله بن عزمون، والعلّامة الخطيب أبو محمد عبد الواحد بن منظور بن محمد بن المنير الجذامي. قال: وكلهم أجازني عامة ما يرويه، وكان ممن لقيته، وقرأت عليه، إلّا المدرّس أبا الحسن بن شالة، فوقع لي شك في إجازته.
تواليفه: قال: وممّا يسّر الله تعالى فيه من التأليف، كتاب «ملاذ المستعيذ «1» ، وعياذ المستعين، في بعض خصائص سيد المرسلين، في الأحاديث الأربعين المروية على آيات من الذكر الحكيم والنور المبين» . وكتاب «تخصيص القرب، وتحصيل الأرب» ، و «قبول الرأي الرشيد، في تخميس الوتريات النبويات «2» لابن رشيد» . و «انتشاق النّسمات النّجدية، واتّساق النزعات الجدّية» .
و «غرر الأماني المسفرات، في نظم المكفّرات» . و «النّفحات الرّندية، واللّمحات الزّندية» ، وهو مجموع شعري. و «حقائق بركات المنام، في مرأى المصطفى خير الأنام» . و «الاستشفاء بالعدّة، والاستشفاع «3» بالعمدة، في تخميس «4» القصيدة النبوية المسماة بالبردة» . و «توجّع الراثي، في تنوّع المراثي» . و «اعتلاق المسائل «5» ، بأفضل الوسائل» . و «لمح البهيج، ونفح الأريج» ، في ترجيز «6» ما لولي الله أبي مدين شعيب بن الحسين الأنصاري، رضي الله عنه، من عبارات حكمة وإشارات صوفية.
و «تجريد «7» رؤوس مسائل البيان والتحصيل، لتيسير البلوغ لمطالعتها والتوصيل» .
وفهرسة روايتي. ورجز في «8» ذكر مشيخة «9» شيخنا الراوية أبي عمر الطّنجي، رحمه الله، وإسناده. قال: وممّا كنت شرعت فيه ولم يتّفق تمامه، كتاب سميته «عواطف الأعتاب، في لطائف أسباب المتاب» . ومما بيدي الآن جمعه وهو إن شاء الله على التمام، أربعون حديثا متصلة الإسناد، أول حديث منها في الخوف، والثاني في الرجاء، بلواحق تتبعها، وسميته «أرج الأرجاء، في مزج الخوف والرجاء» . والله يصفح عنا، ويغفر زلّاتنا، وأن لا يجعل ما نتولاه من ذلك حجة علينا، وأن نكون ممن منح مقولا، ومنع معقولا، ويختم لنا بخواتم السّعداء من عباده، وممن وفّق وهدى إلى سبيل رشاده.
وفاته: كان حيّا عام أحد وستين وسبعمائة.