الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
وفاته: فلج فالتزم المنزل عندي لمكان فضله، ووجوب حقّه، وقد كانت زوجه توفيت، وصحبه عليها وجد شديد، وحزن ملازم، فلمّا ثقل، وقربت وفاته، استدعاني، وقد كان لسانه لا يبين القول، وأملى عليّ فيما وصاني به من مهم أمره «1» :[الطويل]
إذا متّ فادفنّي حذاء حليلتي
…
يخالط عظمي في التّراب عظامها
ولا تدفننّي في البقيع فإنّني
…
أريد إلى يوم الحساب التزامها
ورتّب ضريحي كيفما شاء الهوى
…
تكون أمامي أو أكون أمامها
لعل إله العرش يجبر صدعتي
…
فيعلي مقامي عنده ومقامها
وفاته: ومات في ليلة الخامس والعشرين من عام ثلاثة وخمسين وسبعمائة، ودفنته عصره بباب إلبيرة حذاء حليلته كما عهد، رحمة الله عليه.
يحيى بن عبد الكريم الشنتوفي
من أهل الجزيرة الخضراء.
حاله: كان كاتبا ثرثارا، أديبا لوذعيا، كثير النظم والنثر. كتب عن أمير المسلمين أبي يوسف يعقوب «2» ، وابنه أبي يعقوب، واحتلّ معهما «3» بظاهر غرناطة.
كتابته: كتب عن المذكور عند نزوله غازيا ومجاهدا بظاهر شريش ما نصّه:
أخونا الذي يسير بما يخلّده بطون أوراق الدفاتر، من مأثور حميد المآثر، ويتلقّى ما يرد عليه من قبلنا من منشور حزب البشائر، بمعاشر القبائل والعشائر، ويفوّق ما قبسته المنن لأقلام وأفواه المحابر، في مراقب مراقي المنابر، ويجمع لما وشته سحائب الخواطر، من روضات السّجلّات في النوادي والمحاضر، الأمير الكذا، أدام الله اهتزازه للأنباء السارّة وارتياحه، ونعّم بها أرواحه، ووصل بكل أرج من نسيم الجذل، ومبهج من وسيم الأمل، غدوه ورواحه، وأحبّ به أرواحه. سلام كريم عليكم، ورحمة الله وبركاته. من أخيكم الذي لا يتمّ بشره إلّا بأخذكم منه بأوفى حظّ، وأوفر نصيب، ومصافيكم الذي لا يكمل سروره، ويجمل حبوره، حتى يكون لكم فيه سهم
مصيب، ومرعى خصيب، الأمير يوسف ابن أمير المسلمين وناصر الدين يوسف بن عبد الحق.
أمّا بعد حمد الله، محقّ الحقّ بتصعيده فوق النّجوم ومعليه، ومبطل الباطل بتصريبه تحت النجوم ومدليه، ومطهّر الأرض من نجس دنس الكفر وأوليه، ضربا بالمرهفات صبرا وطعنا بالمشفعات دراكا، وجاعل بلاد الشّرك الأسار عبّاد الإفك، بما نظمهم من سلك الملك، وبدّدهم من هتك السّتر، بالفتك والسّفك، حبائل لا يخرجون منها وأشراكا، وخاذل من زلّت عن السّور قدمه، وخرجت من الدّور ذممه، بأن يراق دمه، ويعدم وجوده وقدمه، بلوغا لأمان أماني الإيمان وإدراكا، والصلاة والسلام على سيدنا محمد، ناظم فرائد الفرائد، ومنضّد عوائد المواعد، بالظّفر المنتظر بكل جاحد معاند، قلائد لا تنتثر وأسلاكا- وسالك مسالك الغزوات، وناسك مناسك الخلوات، ومدرك مدارك قبول الدّعوات، إفناء لأعداء الله وإهلاكا، والرضا على آله وصحبه، المرتدين بمننه، المهتدين بسننه، في إباحة حرم الحرم، وإزاحة ظلم الظّلم، حنادس وأحلاكا، القارعين بأسيافهم أصلاب كلاب الصّلبان تباكا، والقارعين أبواب ثواب الرحمن نسّاكا، وموالاة الدّعاء لسيدنا ومولانا الوالد، بتخليد السّعد المساعد، وإدارة الإرادة بعضد من النّصر وساعد، مقادير كما يشاء وأفلاكا، وممالآت آياته آيات، هذه الرّايات، بإدراك نهايات الغايات، في اشتباه أشياء ذوي الشّايات، فلا تذر في الأرض كفرا ولا تدع فيها إشراكا. فكتبناه، كتب الله لإخائكم الكريم أرفع الدرجات علا وأتمّها تعظيما، وفضلكم مع القعود عن الشهود بالنّية التي لها أكرم ورود، وأصدق وفود، أجرا عظيما. من منزلنا بمخنّق شريش حيث الكتائب الهائلة هالة بدرها البادية الخسوف، والحماة الكماة أكمام زهرها الدّاني القطوف، وسوار معصمها النائي عن العصمة مجرّدات صفوف صنوف السيوف. فالشّفار بالأحداق كالأشفار بالأحداق إدارتها، الطّاقة بحيزومها نطاقا، والفتح قد لاحت مخايله، وباحت مقاوله، والكفر فلّت مناصله وعرفت مقاتله، والمترف يتمنى أن يلقاه قاتله، فلا يقاتله فرقا، لا يجدون له فراقا فواقا، فحماتها العتاة لا يرون إلّا سماء نقع الكفاح، لمعا متلاقيا وائتلافا، وكماتها لا يشربون إلّا من تحت دمهم المطهّر بنجسه وجه الأرض، المعدي به هريقه من فيح حثّهم يوم العرض، المودي بإراقته واجب الفرض، إعدادا لامتثال الأمر الإلهي واعتناقا.
ومن هذا الكتاب وهو طويل: ووصلنا والخيل تمرح في أعنّتها تصلّفا، وتختال في مشيها تغطرفا، وتعضّ على لجمها تحدّقا وتحرّفا، كأنها لم ترم قصارى قصور النصارى، دون تصور عنها، أغراضا وأهدافا، ودون معاهدة العيون وصف
الواصف، ولأقلّ مما احتوى عليه هذا الفتح تهتزّ المعاطف، إذ الإيمان اهتزّ إعطافا، وتوشح به عطافا. وهل الكتب وإن طال، نبذة من نبذ الفتوح، وفلذة من كبد النّصر الممنوح، وزهرة من غصن النّدى المروح، أدنينا لإخائكم الكريم منه اقتطافا، والسلام.
شعره: [البسيط]
ما لي وللصبر عني دونكم حجبا
…
وطالما هزّني أنسي لكم طربا
فحين شبّ النوى في أضلعي لهبا
…
هززت سيف اصطباري بعدكم فنبا
وقلت للقلب يسلو بعدكم فأبى
غبتم فغاب لذيذ الأنس والوسن
…
وخانني جلدي فيكم فأرّقني
ذكرى ليالينا في غفلة الزمن
…
فارقتموني وطيب العيش فارقني
وصرت من بعدكم حيران مكتئبا
من لي بقربكم في حفظ عهدكم
…
فكم ظفرت به أيام ودّكم
وكم جرى دمع أجفاني لفقدكم
…
فلو بكيت دما من بعدكم
لم أقض من حقّ ذاك القرب ما وجبا
لله أيامنا ما كان أجملها
…
أعزت «1» بآخرها شكرا وأولها
من حسنها لم أزل أصبو بها ولها
…
يا صاح، صبرا على الأيام إنّ لها
على تصاريفها من أمرها عجبا
صبرا على زمن يبديك شيمته
…
اقبل مساءته واحمد مسرّته
فما عسى يبلغ الإنسان منيته
…
ومن كرهت ومن أحببت صحبته
لا بدّ أن يفقد الإنسان من صحبا
قلت «2» : عجبا من الشيخ ابن الخطيب، رحمه الله، في ذكره هذا المترجم به في ترجمة المقرئين، مع تحليته له، ووصفه إياه بما وصفه من الكتابة والشّعر، بل وإثباته له كتابته، وشعره، فكان حقّه أن يكون في ترجمة الكتّاب والشعراء بعد هذه الترجمة.