الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
عبر بـ (رَبَّكَ) للإشارة إلى أمرين:
الأمر الأول: أنه هو الذي يقوم عليه، ويدير له أمر دعوته، بألا يسلم للكفر، ويصطبر ويعامل بالتقريب لَا بالتبعيد.
الأمر الثاني: هو الذي يدبر أمر هذا الوجود، ويرتب حاضره وقابله، وأن الحق في النهاية إليه بأمر ربه.
و (الْخَلَّاقُ) الكثير الخلق بكثرة هذا الوجود من سماوات وأرضين، وملائكة وإنس وجن، و (الْعَلِيمُ) الذي يعلم كل ما خلق ويعلم الماضي والحاضر والقابل، ويدبر الأمر على مقتضى علمه وحكمته، فهو يمهل الأشرار ولا يتركهم، ويجازي الأبرار ويحوطهم برحمته، ويثبت الحق بدعائم من الحق، ويعطي كلا جزاءه في الدنيا أو الآخرة على حسب ما يقتضي علمه وحكمته، وقد بين اللَّه تعالى تأييده لنبيه بالحجة القاطعة، والأدلة الساطعة، فقال:
(وَلَقَدْ آتَيْنَاكَ سَبْعًا مِنَ الْمَثَانِي وَالْقُرْآنَ الْعَظِيمَ
(87)
الخطاب للنبي صلى الله عليه وسلم، وقد طالبه رب البرية بأن يصفح ويعرض عن إيذاء المشركين بأن يصفح الصفح الجميل الذي يكون بإقبال نفس، وبشاشة وجه، وأنه معه الدليل القاطع، والبرهان الساطع، وهو القرآن الكريم، ولذا قال:(وَلَقَدْ آتَيْنَاكَ سَبْعًا مِّنَ الْمَثَانِي) أكد اللَّه أن معه الحجة، باللام وقد، والسبع المثاني ما هي؟ قال ابن عباس: هي القرآن كله، والسبع لَا تذكر لذات العدد بسبع، بل تذكر للكثرة، والقرآن كله وصف بالمثاني، قال تعالى:(اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُتَشَابِهًا مَثَانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ. . .).
و (الْمَثَانِي) جمع مثنى أي مكرر لاثنين، كقوله تعالى:(. . . مَثْنَى وَثُلاثَ وَرُبَاعَ يَزِيدُ فِي الْخَلْقِ مَا يَشَاءُ. . .)، ومعنى مثاني أن فيه من كل معنى اثنين متقابلين، ففيه الإنذار والتبشير، وكرر ذلك، وفيه الأمر والنهي ويتكرر
ذلك، وفيه بيان الحلال والحرام، ويتكرر ذكر ذلك، وفيه الخبر والإنشاء، وفيه القصص الكريم مثنى مثنى وهكذا.
هذا تفسير السبع على أنها القرآن الكريم، ويكون عطف القرآن عليها في قوله تعالى:(وَالْقرْآنَ الْعَظِيمَ) من قبيل عطف الصفة على الصفة، ويكون معنى القرآن المقروء المتلو الذي يتعبد بتلاوته، فيكون معنى السبع المثاني وصف معانيه، وما اشتمل من أحكام وقصص وزواجر ونواهٍ، وأوامر وتوجيه، ويكون القرآن العظيم المقروء المعجز بألفاظه والعظيم في إعجازه وبتلاوته، وعطف الوصف على الوصف جائز في العربية كما قال الشاعر:
إلى الملك القرم وابن الهمام
…
وليث الكتيبة في المزدحم
وإن معنى العطف يشير إلى أنهما حقيقتان ثابتتان في القرآن، الأولى وهي أنه كتاب التكليف، وسجل الرسالة الإلهية، والثانية أنه حجة بألفاظه وأساليبه، وطرق البيان فيه، إذ فيه التصريف المعجز، كما قال تعالى:(قُلْ هُوَ الْقَادِرُ عَلَى أَنْ يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذَابًا مِنْ فَوْقِكُمْ أَوْ مِنْ تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعًا وَيُذِيقَ بَعْضَكُمْ بَأْسَ بَعْضٍ انْظُرْ كَيْفَ نُصَرِّفُ الْآيَاتِ لَعَلَّهُمْ يَفْقَهُونَ (65).
هذا ما اخترنا في معنى السبع المثاني، ولقد روي في أحاديث صحاح أن السبع المثاني سورة الفاتحة، وعطف عليها بعد ذلك قوله تعالى:(وَالْقُرْآنَ الْعَظِيمَ).
وروي عن ابن مسعود وغيره من كبار الصحابة أن السبع المثاني هي طوال السور، وهي سبع، البقرة، وآل عمر ان، والنساء، والمائدة، والأنعام، والأعراف، والأنفال، بأن تشمل براءة، على أنهما سورة واحدة.
وفى الحق إن ست من السبع الطوال مدني، والسورة التي نتكلم في معانيها مكية، فكيف تكلم عن هذه السبع، وست منها لم تنزل بعد وقد رد هذا بأنها كانت نزلت في اللوح المحفوظ.