الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
(الَّذِينَ تَتَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ طَيِّبِينَ يَقُولُونَ سَلَامٌ عَلَيْكُمُ ادْخُلُوا الْجَنَّةَ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ
(32)
ولقد وصف اللَّه سبحانه وتعالى المستكبرين بأنهم ظالمون أنفسهم، وهم في هذه الحال التي أوقعتهم في رجس وفسوق، فإنه سبحانه قد وصف المتقين بأنهم طيبون، والطيب ضد الخبيث، وضد الشرير، فوصفوا بأنهم طيبون؛ لأنهم خلصوا من الشرك والظلم والاستكبار، ولأنهم صالحون في ذات أنفسهم زكية نفوسهم طيبة راضية مرضية، وطيبة حياتهم من بعد.
والطيبة وصف للنفوس المطمئنة الراضية غير المعتدية الآثمة، وهو وصف جامع لكل الخلال الباطنة والظاهرة يوصف به كل الذين لَا يحملون ضغنا، ولا يحقدون، ولا يعتدون، وينصرفون لذات أنفسهم يصلحونها، ويراقبونها، ولا يكون منهم للناس إلا ما فيه مصلحتهم، و (طَيِّبِينَ) حال من المفعول، وقوله تعالى:(يَقُولُونَ) في الآية حال من الملائكة، والمعنى يتوفونهم قائلين لهم:(سَلامٌ عَلَيْكُمُ) إيناسا لهم بالتحية ودعوة لهم بالأمن والاطمئنان، وبث روح الأمان، وبشرى لهم، كما قال تعالى:(إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ)، ويقولون مع هذا السلام المؤمن المبشر:(ادْخُلُوا الْجَنَّةَ بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ) الباء باء السببية، أي لسبب عملكم الذي عملتموه غير مدخرين في سبيل الخير، وقوله تعالى:(كُنتُمْ تَعْمَلُونَ)، تدل على استمرار العمل، لأن كان تدل على الماضي مع الدوان في مثل هذا المقام، كقوله تعالى؛ (. . . وَكَانَ اللَّهُ عَفُوًّا غَفُورًا)، وقد جمع بين الماضي في (كان) والمستقبل في (تَعْمَلُونَ)، فكان دالا على استمرار عملهم، وكان صالحا، واللَّه تعالى يجزيهم أحسن الجزاء.
* * *
تفكير المشركين
قال تعالى:
(هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ تَأْتِيَهُمُ الْمَلَائِكَةُ أَوْ يَأْتِيَ أَمْرُ رَبِّكَ كَذَلِكَ فَعَلَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَمَا ظَلَمَهُمُ اللَّهُ وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ (33) فَأَصَابَهُمْ سَيِّئَاتُ مَا عَمِلُوا وَحَاقَ بِهِمْ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِءُونَ (34) وَقَالَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا عَبَدْنَا مِنْ دُونِهِ مِنْ شَيْءٍ نَحْنُ وَلَا آبَاؤُنَا وَلَا حَرَّمْنَا مِنْ دُونِهِ مِنْ شَيْءٍ كَذَلِكَ فَعَلَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَهَلْ عَلَى الرُّسُلِ إِلَّا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ (35)
* * *
جاءتهم المعجزة الكبرى التي تتحدى الأجيال كلها، وتحداهم اللَّه تعالى بها أن يأتوا بسورة من مثله فعجزوا، فطلبوا معجزات حسية كمعجزات الأنبياء السابقين، فجاءتهم، انشق القمر، فقالوا: سحر مستمر، أي أعينهم سحرت فتبين كذبهم، لأن المسافرين رأوه كذلك، وجاءهم بالإسراء من مكة إلى المسجد الأقصى، وذكر لهم الأمارات الدالة.
أتى لهم بالمعجزة الكبرى، وهي التي تتناسب مع خلود شريعته، إذ يبقى صامدًا يقارع الزمان والأقوام ويقيم لهم الدليل على أنه من عند اللَّه، ولكنهم أرادوا آية مادية، فجاءتهم الآية تلو الآية، ومع ذلك لم يؤمنوا، ولذلك قال تعالى:
(هَلْ يَنظُرُونَ إِلَّا أَن تَأتِيَهُمُ الْمَلائِكَةُ أَوْ يَأتِيَ أَمْرُ رَبِّكَ).
لقد طلبوا أن يكون معه ملك، فقال تعالى:(وَلَوْ جَعَلْنَاهُ مَلَكًا لَجَعَلْنَاهُ رَجُلًا وَلَلَبَسْنَا عَلَيْهِمْ مَا يَلْبِسُونَ)، (أَوْ يَأتِيَ أَمْرُ رَبِّكَ)، أي العذاب
المستأصل، كما نزل بقوم لوط، وعاد وثمود، وفرعون، وقد ذكر أنه فعل ذلك بالذين من قبلهم وأنهم طلبوه فأجيبوا، فقال:(كَذَلِكَ فَعَلَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ) أنهم استهانوا، وكابروا، ولجوا في إنكارهم، وطلبوا استعجال أمر اللَّه فيهم فعجل، ولكنه لم يفعل ذلك مع أمة محمد صلى الله عليه وسلم، فهو لم يرسل لجيل يستأصله إذا لم يؤمن، بل أرسل للأجيال كلها فإذا كفر جيل، كان رجاء الإيمان في جيل يليه، كما قال صلى الله عليه وسلم في قومه - وقد آذوه -، وبين اللَّه تعالى على لسان الملائكة أنه ينزل بهم ما يريد، فقال خاتم النبيين:" إني لأرجو أن يخرج من أصلابهم من يعبد الله "(1).
وقوله: (هَلْ يَنظُرُونَ) الاستفهام فيه للإنكار، وهو وصف لحالهم في كفرهم بالآيات، أي حالهم أنهم لَا ينظرون إلا أن تأتيهم الملائكة أو يأتيهم أمر الله. وقد بين اللَّه أن أمره نزل بمن سبقوهم مثل قوم نوح، وعاد وثمود، وأصحاب الأيكة، وفرعون ذي الأوتاد أن ذلك لم يكن ظلمًا من اللَّه لهم، بل كان ظلما من أنفسهم لأنفسهم، فقال عز من قائل:
(وَمَا ظَلَمَهُمُ اللَّهُ وَلَكِن كَانُوا أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ).
إن المذنب إذا نزل به عقاب ذنبه لَا يقال إن من أنزل به العقاب هو الذي ظلم، إنما الظالم هو من ارتكب سبب العقاب فهؤلاء بارتكابهم سبب العذاب الذي جاء بأمر الله ظلموا أنفسهم، وهنا أمران بيانيان نشير إليهما:
الأمر الأول - التعبير بـ (كَانُوا) فهو دال على استمرارهم في أسباب ظلم أنفسهم من إنكار وجحود ومكابرة.
الأمر الثاني - تقديم كلمة (أَنفُسَهُمْ)، على (يَظْلِمُونَ) للإشارة إلى أن مما ارتكبوا من آثام كان يقع على أنفسهم، لَا على غيرهم وللاهتمام والتخصيص.
(1) متفق عليه وقد سبق تخريجه.