الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
لا يكون إلا في دائرة الإيمان بألوهية الله تعالى وحده، فمن آمن بالله وحده، كان جديرا بنعمة الغفران، ومن أشرك بالله غيره، فإنه ليس بجدير، والله بكل شيء محيط.
وقد صرح الله تعالى ببعض الحقائق في معبوداتهم، فقال:
(وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَا يَخْلُقُونَ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ
(20)
ذكر سبحانه وتعالى فضل خلقه ونعمه، وإنه الخالق المنعم، وبين المقايسة العادلة التي تفرق بين من يخلق ومن لَا يخلق، وبعد ذلك ذكر أن المعبودات التي يعبدونها لَا يمكن أن تخلق ثسيئا؛ ولذا قال:(وَالَّذِينَ يَدْعُونَ)، فالواو عاطفة على قوله تعالى:(وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تُسِرُّونَ وَمَا تُعْلِنُونَ) وعبر سبحانه وتعالى عن الأوثان بالذين التي هي للعقلاء مجاراة لهم في تفكيرهم إذ يعطونها بأوهامهم من الصفات ما هو أعلى من العقلاء، و (شَيْئًا) التنكير فيه للعموم، أي لَا تخلقون أي شيء مهما صغر وهان، ولقد قال تعالى في تصوير عجزهم المطلق:(يَا أَيُّهَا النَّاسُ ضُرِبَ مَثَلٌ فَاسْتَمِعُوا لَهُ إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَنْ يَخْلُقُوا ذُبَابًا وَلَوِ اجْتَمَعُوا لَهُ وَإِنْ يَسْلُبْهُمُ الذُّبَابُ شَيْئًا لَا يَسْتَنْقِذُوهُ مِنْهُ ضَعُفَ الطَّالِبُ وَالْمَطْلُوبُ (73) مَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ (74)، إنها أحجار تنحت من صخورا الجبال، ولذا قال تعالى:(قَالَ أَتَعْبُدُونَ مَا تنْحِتُونَ وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ).
ولقد بين سبحانه أن المشركين أحسن خلقا من أوثانهم، فقال عز من قائل:
(أَمْوَاتٌ غَيْرُ أَحْيَاءٍ وَمَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ
(21)
هذه الحجارة جماد لَا تجري فيه الحياة، وهؤلاء الجهلاء يدعونها وهي أحجار، ومعنى يدعونها يعبدونها، (أَمْوَاتٌ غَيْرُ أَحْيَاءٍ)، أي وكانت موصوفة بالموت؛ لأنها فاقدة الحياة ليس لها روح تسري فيها، كما تسري في الأحياء، والتعبير عنها بأموات لَا يخلو من مجاز؛ لأن الموت يكون للحي الذي فقد الحياة
ولو كان نباتا، فكيف يقال عما لَا تدخله ابتداء ميتا، ولكن لأنها جماد لَا يتحرك بالإرادة، ولا تجري فيه حركة عبر عنه بميت، وقوله:(غَيْرُ أَحْيَاء) يشير إلى هذا المعنى، أي أنه جماد لَا تجري فيه الحياة قط.
وقوله تعالى: (وَمَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ) الضمير عائد إلى الأوثان، وأعيد الضمير المذكر العاقل، جريا على عدها آلهة تدرك وتعقل في زعمهم، ويزدلفون إليها، ويتقربون ويدعون.
والمعنى على هذا أن هذه الأوثان يعبدونها، رجاء خير منها، وهي لَا تشعر متى تبعث أو في أي مكان تبعث.
وهذا يقتضي أن ما يعبد يكون عنده قدرة على الجزاء بالثواب على العبادة، والعقاب على تركها، وهذه لَا تشعر متى تبعث وتجازى بالخير أو الشر.
ويصح أن يكون الضمير عائدا على الذين يدعونها أي يعبدونها، أي ما يشعر أولئك العباد أيان يبعثون، مع أن البعث آتٍ لَا محالة، وهم ينكرون البعث، ولذلك دعوا الحجارة وآمنوا بها، فالكفر بالبعث هو الضلال المبين وهو الذي أدى إلى هذه الأنواع المتكاثرة من أنواع الضلال المختلفة، ويجب أن نذكر تفسيرًا آخر له وجاهته، وهو أن الموت ليس في هذه الآية وصفا للأحجار إنما هو وصف لمن يدعونها ويعبدونها، فالمشرك ميت غير حي؛ إذ إن حياته لَا نفع فيها له، فهو كالميت؛ ولذا كان التصريح بأنه غير حي، وقد عبر القرآن عن المشرك بأنه ميت وعمن يخرج من الشرك إلى الإيمان بأنه حي، كما قال تعالى:(أَوَمَنْ كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَنْ مَثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ لَيْسَ بِخَارِجٍ مِنْهَا كَذَلِكَ زُيِّنَ لِلْكَافِرِينَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (122).
فسمى اللَّه تعالى المشرك ميتا، وبذلك يكون الشرك موتا والمشركون أمواتا غير أحياء، ويكون قوله:(وَمَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ) ظاهرا في العودة على المشركين، واللَّه أعلم.