الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
هذه خلاصة ما يقال في هذا المثل الرائع، وتلك الحكمة المباركة، وهو مثل يعطي صورة بيانية رائعة لمحكم القول.
وقد أسهب الزمخشري في بيان الاستعارة حتى قال الناصر أحمد بن المنير الذي يتعقبه بالنقد اللائم: قال أحمد: " وهذا الفصل من كلامه يستحق أن يكتبوه بذوب التبر، لَا بالحبر ".
وقد ذكر ابن كثير أن المثل ينطبق على أهل مكة، قد كانوا يعيشون آمنين في رغد، ولكنهم اضطهدوا المؤمنين وآذوهم واستعصوا على رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم فنزل بهم البلاء، وحق فيهم قول اللَّه تعالى:(أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ بَدَّلُوا نِعْمَتَ اللَّه كُفْرًا وَأَحَلُّوا قَوْمَهُمْ دَارَ الْبَوَارِ)، ودعا عليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم:" اللهم اشدد وطئك على مضر، واجعلها عليهم سنين كسني يوسف "(1)، وقد أصابهم الجوع الشديد - دع عنك أن النبي صلى الله عليه وسلم قد سد عليهم مسالك تجارتهم حتى أحسوا بنعمة اللَّه عليهم، وذلك كله بين اللَّه بسببه بقوله تعالت كلماته:(بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ)، أي بسبب الذي كانوا يصمنعونه من شرك وصد عن سبيل الله تعالى، ولعنتهم للمؤمنين، وحملهم على الردة بعد إيمان.
وإنهم مع هذه الحال أرسل إليهم رسولا من أنفسهم فكذبوه، وقد قال تعالى في ذلك:
(1) صحيح البخاري: الأذان - يهوي بالتكبير حين يسجد (؛76)، ومسلم: الجهاد والسير - الدعاء على المشركين بالهزيمة والزلزلة (2715).
(وَلَقَدْ جَاءَهُمْ رَسُولٌ مِنْهُمْ فَكَذَّبُوهُ فَأَخَذَهُمُ الْعَذَابُ وَهُمْ ظَالِمُونَ
(113)
جاءهم رسول منهم عرفوا صدقه، وأمانته، إذا انشأ بينهم وليدا عفا لم يُزَنَّ بريبة، ولم يسجد لصنم حتى بُعث فيهم رسولا، هذا ما تتضمنه كلمة (مِّنْهُمْ)،
فليس غريبا عنهم، وذلك كقوله تعالى:(لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ (128).
ولقد أكد سبحانه بعثه صلى الله عليه وسلم فيهم بـ (اللام) وبـ (قد)، وقال:(جَاءَهُمْ)، أي بعث ابتداء فيهم، وتنكير (رَسُولٌ) للتعظيم، وإلى مكانته عند اللَّه، وعندهم لأمانته وعفته ولصدقه، ولكنهم بدل أن يعاجلوا بالإيمان عاجلوا بتكذيبه، فـ (الفاء) للترتيب والتعقيب، أي أن النتيجة جاءت على نقيض المقدمات؛ إذ أنه كان معروفا بالصدق والأمانة، فكان الواجب أن يبادروا بتصديقه، ولكنهم بادروا بتكذيبه، وعقب التكذيب أخذهم العذاب، إذ أخذوا في أسبابه، وهو التكذيب والصد عن سبيل اللَّه وإيذاء المؤمنين.
والعذاب هو عذاب الدنيا بالتقتيل فيهم وهزيمتهم، وذهاب سيطرتهم، وقيام الحق رغم أنوفهم، هذا في الدنيا، أما في الآخرة فبالعذاب الأليم، وإلقائهم في الجحيم.
ثم قال تعالى: (وَهُمْ ظَالِمُونَ)، الواو للحال، أي والحال أنهم ظالمون، فالعذاب نزل بهم، وهم أحق به، فهو بما كسبوه من تكذيب الحق، وتجاوزوا حد التكذيب إلى الظلم إذ صدوا عن سبيل اللَّه وفتتوا المؤمنين في إيمانهم وعذبوهم، وحاولوا أن يردوهم عن دينهم فارتدوا خاسئين.
* * *
الرزق الحلال الطيب
قال اللَّه تعالى:
(فَكُلُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ حَلَالًا طَيِّبًا وَاشْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ (114) إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ وَالدَّمَ وَلَحْمَ الْخِنْزِيرِ وَمَا
أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (115) وَلَا تَقُولُوا لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هَذَا حَلَالٌ وَهَذَا حَرَامٌ لِتَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ لَا يُفْلِحُونَ (116) مَتَاعٌ قَلِيلٌ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (117) وَعَلَى الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا مَا قَصَصْنَا عَلَيْكَ مِنْ قَبْلُ وَمَا ظَلَمْنَاهُمْ وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ (118)
* * *
إذا كانت نعمة اللَّه لأهل القرى في الأمن ورغد العيش، فهي نعم لإباحتها، لا لمنعهم منها ولذا كان النص بإباحتها لتتم سبحانه نعمته على عباده، وكان ابتداء القول بالفاء، لأنه مترتب على النعمة، فقال سبانه:
(فَكُلُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ حَلالًا طَيِّبًا) الأمر للإباحة لَا للوجوب، إلا إذا كان الأمر يطلب الأكل بالكل لَا بالجزء فالأكل بالجزء مباح أي له أن يأكل من نوع كذا أو كذا أو في وقت كذا، دون وقت كذا فهذا مباح فيه أن يختار ما يشاء، أما ترك الأكل بالكل بألا يأكل قط فحرام، ولذا كان الأكل مباحا بالجزء أو النوع، ومطلوبا طلبا لأمر بالكل، كما أنه محرم أن يحرم صنفا معينا من الحلال على نفسه كالذين حرموا البحيرة والوصيلة والحام، وقد وصف سبحانه وتعالى الأكل الذي وصفه اللَّه تعالى وأعطاه ومكن منه بوصفين:
أعف الأول - أنه حلال، والثاني: أنه طيب، والحلال أن يكون كسبه لا خبث فيه، فالكسب بالربا أو الرشوة والميسر، أو التغرير، أو السرقة أو الاغتصاب، أو الخمر كل هذا ليس برزق حلال، لأنه كسب خبيث، وكذلك أكل ما سمي عليه اسم غير اللَّه من صنم أو صليب، أو معبود غير اللَّه أيا كان.
وأما الوصف الثاني - فهو أن يكون في ذاته طيبا لَا خبيثًا في ذاته، فلا يؤكل الخنزير ولا الميتة، ولا الدم ولا ما تعافه النفوس، ومن ذلك سباع الطير،