الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
سَعْيُهُمْ مَشْكُورًا (19) كُلًّا نُمِدُّ هَؤُلَاءِ وَهَؤُلَاءِ مِنْ عَطَاءِ رَبِّكَ وَمَا كَانَ عَطَاءُ رَبِّكَ مَحْظُورًا (20) انْظُرْ كَيْفَ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَلَلْآخِرَةُ أَكْبَرُ دَرَجَاتٍ وَأَكْبَرُ تَفْضِيلًا (21)
* * *
الترف أن يسترخي الإنسان في إرادته وعزيمته وصبره، فيكون كل شيء فيه مسترخيا، فإرادته مسترخية، وعزيمته لَا قوة فيها ونفسه غير منضبطة، والشهوات حاكمة، والأهواء جامحة، والمترف يختص بثلاث خصال: ضعف في الإرادة، واندفاع وراء الأهواء والشهوات، وأثرة تجعله يعيش في محيط نفسه ولا يخرج عن دائرتها، ولذا كان المترفون دائما هم أعداء الأنبياء، لأنهم أوتوا أثرة مقيتة، وكل حق يحتاج إلى فداء، وجهاد وبلاء وجلاد، وكان أتباع النبيين من الفقراء الذين لا يعيشون عيشة راضية، وكان أعداء النبيين من المترفين يقولون:(. . . وَمَا نَرَاكَ اتَّبَعَكَ إِلَّا الَّذِينَ هُمْ أَرَاذِلُنَا بَادِيَ الرَّأْيِ. . .).
وهذه الآية الكريمة:
(وَإِذَا أَرَدْنَا أَنْ نُهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا فَفَسَقُوا فِيهَا فَحَقَّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ فَدَمَّرْنَاهَا تَدْمِيرًا
(16)
إن إرادة اللَّه تعالى لهلاك الأمة تكون إذا سارت الأمة في أسباب الهلاك، وانتهت إليه، فيريد اللَّه تعالى لها ما أخذت في أسبابه وسارت في طريقه قاصدة الغاية مريدة لها، فمعنى إرادة اللَّه تعالى سيرها في طريق الهلاك حتى ترد موارد الهلكة، وذهبت أسباب قوتها، وحلت محلها أسباب انهيارها.
والقرية المدينة العظيمة، ويصح أن يراد بها الدولة أو الأمة، أو الجماعة أيا كان عددها، وقوله تعالى:(أَمَرْنَا مُترفِيهَا) فيها قراءات ثلاث، وكلها متواترة، وكلها ذات معنى صادق مستقيم:
القراءة الأولى: (أمَرنا) بفتح الميم وهمزة من غير مد، والأمر هنا مجازي، ليس المقصود به الطلب، وإنما المقصود تسهيل أسباب الترف، وأسباب الاسترخاء
الذي يلازمه، ولا يفترقان، ويتبعهما سيطرة الأهواء والشهوات، وغمر العقل والإدراك بهما حتى لَا يدرك إلا من ورائهما، فإن تسهيل ذلك يكون كالأمر؛ لأنه يؤدي مؤدى الطلب، وقد قال في ذلك الزمخشري كلمة حكيمة، قال: والأمر مجازي، حقيقة أمرهم بالفسق أن يقول لهم افسقوا، وهذا لَا يكون فبقي أن يكون مجازا، ووجه المجاز أنه سبحانه صب عليهم النعمة صبا فجعلوها ذريعة إلى المعاصي واتباع الشهوات فكأنهم مأمورون بذلك لتسبب إملاء النعمة فيه وإنما خولهم إياها ليشكروا ويعملوا فيها الخير، ويتمكنوا من الإحسان والبر، كما خلقهم أصحاء أقوياء وأقدرهم على الخير والشر، وطلب منهم إيثار الطاعة على المعصية فآثروا الفسوق، فلما فسقوا حق عليهم القول، وهو كلمة العذاب فدمرهم. هذا هو المعنى على قراءة الفتح بتخفيف الميم.
والقراءة الثانية: هي تشديد الميم، أي (أَمَّرْنَا) مترفيها بأن جعلناهم أمراءها، وحكامها فكانوا أمراء أشرارا؛ لأن الترف كما بينا يؤدي إلى الشر والأثرة، وحيثما كانت الأثرة بَعُدَ الخير، والأمراء الأشرار هم أساس الفساد، ولقد قال النبي محمد صلى الله عليه وسلم:" إذا كان أمراؤكم خياركم، وأغنياؤكم أسخياءكم، وأمركم شورى بينكم فظهر الأرض خير لكم من باطنها، وإذا كان أمراؤكم شراركم، وأغنياؤكم بخلاءكم، وأموركم إلى نسائكم، فبطن الأرض خير لكم من ظهرها "(1).
والمترفون الذين أترفوا في ذات أنفسهم، وعمتهم الأثرة، والرخاوة، وحب الشهوات إن كانوا أمراء كانوا، ولقد روى أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:" إن لكل شيءآفة، وآفة هذا الدين حكامه "(2).
القراءة الثالثة: أن الميم مفتوحة بالتخفيف ومد الهمزة أي (آمَرْنَا) ويكون المعنى كَثُر أي إذا أكثر اللَّه تعالى المترفين في الأمة عمها الفساد والفسق فدمرها اللَّه تعالى تدميرا.
(1) رواه الترمذي: الفتن - ما جاء في سب الريح (2192).
(2)
مسند الحارث بن أبي أسامة (62) - ج 2/ 641، وأورده السيوطي في الجامع (17278) ج 6/ 17.