الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
قَالَ أَبُو جَعْفَر النّحاس: فِي قَوْله عليه الصلاة والسلام: «مَا تركنَا صَدَقَة» ثَلَاثَة أقوالٍ للْعُلَمَاء:
أَحدهَا: أَنه بِمَنْزِلَة الصَّدَقَة، أَي: لَا يورَّث، إِنَّمَا هُوَ فِي مصَالح الْمُسلمين.
ثَانِيهَا: أَنه عليه الصلاة والسلام تصدَّق بِهِ.
ثَالِثهَا: أَن تكون الرِّوَايَة: «لَا نورَّث، مَا تركنَا صَدَقَة» بِالنّصب، وَتَكون «مَا» بِمَعْنى «الَّذِي» ، وَتَكون فِي مَوضِع جَرٍّ أَيْضا. قَالَ: والمعاني فِي هَذَا مقاربة (لِأَن الْمَقْصُود) أَنه عليه الصلاة والسلام لَا يورَّث.
الحَدِيث الْخَامِس
عَن جُبَير بن مطعم رضي الله عنه قَالَ: «لمَّا قَسَّمَ رَسُول الله صلى الله عليه وسلم سَهْمَ ذَوي الْقُرْبَى بَين بني هَاشم و (بَين) بني الْمطلب، أتيتُ أَنا وَعُثْمَان بن عَفَّان رَسُول الله صلى الله عليه وسلم فَقُلْنَا: يَا رَسُول الله، (إِخْوَاننَا) بَنو هاشمٍ لَا ننكر فَضلهمْ لِمَكَانِك الَّذِي (وضعك) الله بِهِ مِنْهُم، فَمَا بَال إِخْوَاننَا من بني الْمطلب أَعطيتهم وَتَركنَا؛ وَإِنَّمَا قرابتنا وقرابتهم (وَاحِد) ؟ فَقَالَ عليه الصلاة والسلام: إِنَّمَا بَنو هَاشم وَبَنُو الْمطلب شَيْء وَاحِد. وشبَّك بَين أَصَابِعه» . ويُروْى أَنه قَالَ: «لم (يُفَارِقُونِي) فِي جاهليةٍ وَلَا إِسْلَام» .
هَذَا الحَدِيث صَحِيح، رَوَاهُ الشافعيُّ كَذَلِك باخْتلَاف قريب؛
وَرَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَالنَّسَائِيّ وَالْبرْقَانِي كَذَلِك أَيْضا، إِلَّا أَنهم قَالُوا فِي أوَّلِهِ: «لمَّا كَانَ يَوْم خَيْبَر وضع رَسُول الله صلى الله عليه وسلم سهم ذَوي الْقُرْبَى (فِي) بني هَاشم وَبني الْمطلب، وَترك بني نَوْفَل وَبني عبد شمس فانطلقتُ أَنا وَعُثْمَان
…
» ثمَّ ذَكرُوهُ إِلَى آخِره. قَالَ البرقاني: وَهُوَ عَلَى شَرط مُسلم.
وَرَوَاهُ أَحْمد فِي «مُسْنده» عَن عُثْمَان بن عمر، ثَنَا يُونُس، عَن الزُّهْرِيّ، عَن ابْن الْمسيب، عَن جُبَير بن مطعم:«أَن رَسُول الله صلى الله عليه وسلم لم يقسم لبني عَبْدِ شمس وَلَا لبني نَوْفَل مِنَ الخُمْس شَيْئا، كَمَا كَانَ يُقسم لبني هاشمٍ ولبني الْمطلب، وَأَن أَبَا بكر كَانَ يُقسم الْخمس نَحْو قسم رَسُول الله صلى الله عليه وسلم، غير أَنه لم يكن يُعْطي قرباء رَسُول الله كَمَا كَانَ رَسُول الله صلى الله عليه وسلم يعطيهم، وَكَانَ عمر يعطيهم، وَعُثْمَان من بعده» .
وَرَوَاهُ البُخَارِيّ فِي «صَحِيحه» عَن جُبَير أَيْضا قَالَ: «مشيتُ أَنا وعثمانُ بْنُ عَفَّان إِلَى النَّبِي صلى الله عليه وسلم، (فَقلت) : يَا رَسُول الله، أعطيتَ بني الْمطلب، وَتَرَكتنَا وَنحن وهم بمنزلةٍ وَاحِدَة؟ فَقَالَ رَسُول الله صلى الله عليه وسلم: إِنَّمَا بَنو الْمطلب وَبَنُو هَاشم شَيْء وَاحِد» .
وَفِي رِوَايَة لَهُ: «فَقُلْنَا: أَعْطَيْت بني الْمطلب مِنْ خُمْس خَيْبَر وَتَرَكتنَا؟ قَالَ جُبَير: وَلم يقسم النَّبِي صلى الله عليه وسلم لبني عَبْدِ شمسٍ، وَلَا لبني نَوْفَل شَيْئا» .
وَقَالَ ابْن إِسْحَاق: عبدُ شمس وَالْمطلب وهَاشِم إخْوَة لأُمٍّ، وأُمُّهُمْ عَاتِكَة بنت مُرَّة، وَكَانَ نَوْفَل أَخَاهُم لأبيهم.
قَالَ الشَّافِعِي فِي «الرسَالَة» : «فقسم النَّبِي صلى الله عليه وسلم سهم ذَوي الْقُرْبَى فِي بني هَاشم، وَبني الْمطلب، وَلم يُعط الآخرين شَيْئا، وَإِن كَانَا أخويِّ هَاشم وَالْمطلب؛ لأجل الْفرق الَّذِي ذكره رَسُول الله صلى الله عليه وسلم وَهُوَ: أَن بني هَاشم وَبني الْمطلب شَيْء وَاحِد، وَلم يفارقوهم فِي جَاهِلِيَّة وَلَا إِسْلَام، وحلوا مَعَهم فِي الشّعب دون بني أُميَّة بن عبد شمس وَبني نَوْفَل.
وَقَالَ الرَّافِعِيّ: كَانَ عُثْمَان من بني عبد شمس، وَجبير من بني نَوْفَل، فَأَشَارَ النَّبِي صلى الله عليه وسلم بِمَا ذكره إِلَى بَيَان الصَّحِيفَة القاطعة الَّتِي كتبْتَها قريشُ عَلَى أَن لَا يُجَالسوا بني هَاشم وَلَا يبايعوهم وَلَا يناكحوهم، وبقوا عَلَى ذَلِك سَنَةً، لم يدْخل فِي بيعتهم بَنو الْمطلب، بل خَرجُوا مَعَ بني هَاشم إِلَى بعض الشِّعَاب.
قلت: هَذَا مَشْهُور بَين أَرْبَاب الْمَغَازِي، وَمِمَّنْ ذكره ابْنُ إِسْحَاق فِي «السِّيرَة» وَحَكَاهُ عَنهُ الْبَيْهَقِيّ فِي «دَلَائِل النُّبُوَّة» بِإِسْنَادِهِ إِلَيْهِ.
فَائِدَة: قَوْله فِي الحَدِيث: «شَيْء» : رُوي بالشين الْمُعْجَمَة الْمَفْتُوحَة، وبالسين الْمُهْملَة الْمَكْسُورَة ثُمَّ يَاء مشدَّدة بِلَا همز، قَالَ الْخطابِيّ: كَانَ يَحْيَى بن معِين يرويهِ بِالسِّين الْمُهْملَة وَتَشْديد الْيَاء - وَهُوَ أَجود - أَي: سَوَاء، يُقَال: هَذَا سِيّ هَذَا. أَي مِثْلُه ونَظِيْرُه، قَالَ: وَالرِّوَايَة بالشين الْمُعْجَمَة، وَذكره الهرويُّ فِي «غَرِيبه» بِالسِّين الْمُهْملَة.