الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
بني أَخِيهَا جَارِيَة من بني أَخِيهَا فَضربت بَينهُنَّ سترا، ثمَّ تَكَلَّمت حَتَّى إِذا لم يبْق إلاّ النِّكَاح أمرت رجلا (فأنكح) ثمَّ قَالَت:«لَيْسَ إِلَى النِّسَاء النِّكَاح»
وَعَن الثَّانِي: أَنه مُخْتَلف عَلَيْهِ فِيهِ، وَالْعَمَل بِمَا رَوَاهُ لَا بِمَا (رَآهُ) .
تَنْبِيه: ذكر الْمَاوَرْدِيّ من أَصْحَابنَا فَوَائِد هَذَا الحَدِيث فِي «حاويه» فَقَالَ: ذكر الشَّافِعِي بعد استدلاله بِهَذَا الحَدِيث مَا تضمنه، وَدلّ عَلَيْهِ من الْفَوَائِد وَالْأَحْكَام نصًّا واستنباطًا فَذكر خَمْسَة أَحْكَام وَذكر أَصْحَابه ثَلَاثِينَ حكما سواهَا فَصَارَت خَمْسَة وَثَلَاثِينَ حكما أخذت دلائلها من الْخَبَر بِنص واستنباط ثمَّ عَددهَا، فَمن أرادها رَاجع كِتَابه وحذفتها هُنَا خشيَة الطول، وَلِأَن كتَابنَا لَيْسَ مَوْضُوعا لذَلِك، وَيُزَاد عَلَيْهَا أَحْكَام أخر عِنْد التَّأَمُّل.
الحَدِيث الثَّامِن
رُوِيَ أنَّه صلى الله عليه وسلم قَالَ: «لَا تنْكح الْمَرْأَة الْمَرْأَة وَلَا نَفسهَا؛ إِنَّمَا الزَّانِيَة الَّتِي تنْكح نَفسهَا» . هَذَا الحَدِيث مَدَاره عَلَى أبي هُرَيْرَة رضي الله عنه وَله عَنهُ طرق مِنْهَا:
طَرِيق عبيد بن يعِيش، ثَنَا عبد الرَّحْمَن بن مُحَمَّد الْمحَاربي، عَن عبد السَّلَام بن حَرْب، عَن هِشَام بن حسَّان، عَن مُحَمَّد بن سِيرِين، عَن أَبَى هُرَيْرَة مَرْفُوعا:«لَا تزوج الْمَرْأَة الْمَرْأَة، وَلَا تزوج الْمَرْأَة نَفسهَا، وكنّا نقُول إِن الَّتِي تزوج نَفسهَا هِيَ الزَّانِيَة» .
رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيّ، وَهَذَا الطَّرِيق عَلَى شَرط مُسلم، والمحاربي وَإِن كَانَ قد قَالَ ابْن معِين فِيهِ إِنَّه (يروي الْمَنَاكِير عَن المجاهيل؛ فقد وَثَّقَهُ مرّة أُخْرَى، وَقَالَ أَبُو حَاتِم: صَدُوق) يروي عَن مجهولين أَحَادِيث (مُنكرَة) فَيفْسد حَدِيثه بذلك.
قلت: لم يرو هُنَا عَن مَجْهُول، فَحَدِيثه هَذَا جيد عَلَى أَن الْمحَاربي هَذَا قد أخرج لَهُ الشَّيْخَانِ فَجَاز القنطرة، وَلم ينْفَرد بِهِ؛ بل توبع، رَوَاهُ مُحَمَّد بن سعيد بن الْأَصْبَهَانِيّ، عَن عبد السَّلَام بِهِ، وَمُحَمّد ثِقَة كَمَا قَالَ النَّسَائِيّ وَيَعْقُوب بن شيبَة، وَخرج لَهُ البُخَارِيّ، وَقد أخرج هَذِه الْمُتَابَعَة الدَّارَقُطْنِيّ أَيْضا بِلَفْظ:«لَا تُنكح الْمَرْأَة الْمَرْأَة، وَلَا تنْكح الْمَرْأَة نَفسهَا» ثمَّ قَالَ: وَقَالَ أَبُو هُرَيْرَة: « (كَانَ) يُقَال: الزَّانِيَة تنْكح نَفسهَا» . وَرَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيّ أَيْضا من رِوَايَة مُسلم بن أبي مُسلم، عَن مخلد بن الْحُسَيْن (عَن) هِشَام بن حسَّان بِهِ:«لَا تنْكح الْمَرْأَة الْمَرْأَة، وَلَا تنْكح الْمَرْأَة نَفسهَا، إِن الَّتِي تنْكح نَفسهَا هِيَ الْبَغي» قَالَ ابْن سِيرِين: وَرُبمَا قَالَ أَبُو هُرَيْرَة: «هِيَ الزَّانِيَة» وَمُسلم هَذَا (جُرْمِي)(ووالده)
عبد الرَّحْمَن، (و) مخلد (وَثَّقَهُ) الْعجلِيّ وَأَثْنَى عَلَيْهِ، وَرَوَى عَن مُسلم هَذَا الحَدِيث الْحسن بن سُفْيَان أَيْضا، (وَقَالَ) : سَأَلت يَحْيَى بن معِين عَن رِوَايَة مخلد بن الْحُسَيْن، عَن هِشَام بن حسّان، فَقَالَ: ثِقَة. فَذكرت لَهُ هَذَا الحَدِيث قَالَ: نعم قد كَانَ (شيخ) عندنَا يرفعهُ عَن مخلد.
قلت: وَتَابعه عبد السَّلَام بن حَرْب كَمَا سلف، وَمُحَمّد بن مَرْوَان كَمَا سَيَأْتِي.
وَقَالَ ابْن أبي حَاتِم: وَمُسلم بن (عبد الرَّحْمَن) الْجرْمِي من (شيخ) الْغُزَاة، رَوَى عَن مخلد بن الْحُسَيْن، رَوَى عَنهُ الْمُنْذر بن شَاذان الرَّازِيّ الصَّادِق، قَالَ: إِنَّه قَتل من الرّوم مائَة ألف.
وَمِنْهَا: طَرِيق جميل بن الْحسن الْعَتكِي، ثَنَا مُحَمَّد بن (مَرْوَان)
الْعقيلِيّ، ثَنَا هِشَام بن حسان، عَن مُحَمَّد بن سِيرِين، عَن أبي هُرَيْرَة مَرْفُوعا: «لَا تزوج الْمَرْأَة الْمَرْأَة، وَلَا تزوج الْمَرْأَة نَفسهَا؛ فَإِن الزَّانِيَة هِيَ الَّتِي تزوج نَفسهَا.
رَوَاهُ ابْن مَاجَه، وَجَمِيل هَذَا قَالَ فِي حَقه عَبْدَانِ: كَاذِب فَاسق فَاجر. وَقَالَ ابْن عدي: لَا أعلم لَهُ حَدِيثا مُنْكرا، وَإِنَّمَا عَبْدَانِ نسبه إِلَى الْفسق.
وأمّا ابْن حبَان: فَذكره فِي «ثقاته» وَرَوَى عَنهُ ابْن خُزَيْمَة هَذَا الحَدِيث.
وَأما ابْن الْجَوْزِيّ فَقَالَ فِي «تَحْقِيقه» إِنَّه لَا يعرف فأغرب، وَقد نَاقض هَذِه الْمقَالة فِي كِتَابه « (الضُّعَفَاء» ) فَنقل فِيهِ مَا قدمْنَاهُ أَولا، وَشَيْخه مُحَمَّد بن مَرْوَان، قَالَ أَبُو زرْعَة: لَيْسَ بِذَاكَ عِنْدِي. وَقَالَ أَحْمد: رَأَيْته وَقد حدث بِأَحَادِيث فَلم أَكتبهَا عَلَى عمد.
وَأما أَبُو دَاوُد، فَقَالَ: صَدُوق. وَقَالَ ابْن معِين: صَالح. وَأخرجه من هَذِه الطَّرِيق أَيْضا الدَّارَقُطْنِيّ فِي «سنَنه» وَلم يعقبه بِشَيْء، وَنقل عبد الْحق فِي «الْأَحْكَام» عَنهُ أَنه قَالَ (فِيهِ: إِنَّه) حَدِيث صَحِيح. ثمَّ قَالَ - كالمعترض عَلَيْهِ -: كَذَا قَالَه! وَقد رُوِيَ مَوْقُوفا. وَلم أر أَنا هَذِه القولة
(لَهُ) فِي «سنَنه» بل وَلَا فِي «علله» فِيمَا يغلب، عَلَى ظَنِّي، وَلم يعقبه ابْن الْقطَّان وَلَا من تبعه؛ فَتنبه لَهُ، ثمَّ اعْلَم أَن الْحَافِظ شرف الدَّين الدمياطي ذكر الطَّرِيق الأول فِي الْجُزْء الْخَامِس من «الْأَعْيَان الْجِيَاد من مشيخة بَغْدَاد» ثمَّ ذكر طَرِيق ابْن مَاجَه هَذَا وَعَزاهُ إِلَيْهِ، ثمَّ قَالَ: وَإِسْنَاده كلهم ثِقَات مُتَّفق عَلَيْهِم إِلَّا عبيدا؛ فَإِنَّهُ من أَفْرَاد مُسلم. وَهَذَا عَجِيب مِنْهُ؛ فَإِن الِاتِّفَاق عَلَى ثِقَة الْحسن بن جميل الْوَاقِع فِي رِوَايَة ابْن مَاجَه، وَالظَّاهِر أَن مُرَاده الطَّرِيق الأول، و [لهَذَا] اسْتثْنى عبيدا.
وَمِنْهَا: طَرِيق النَّضر بن شُمَيْل، أبنا ابْن حسّان، عَن مُحَمَّد بن سِيرِين، عَن أبي هُرَيْرَة قَوْله، وَلم يرفعهُ.
وَمِنْهَا:
طَرِيق حَفْص بن غياث، عَن هِشَام، عَن ابْن سِيرِين، عَن أبي هُرَيْرَة قَالَ:«كنّا نتحدث أَن الَّتِي تنْكح نَفسهَا هِيَ الزَّانِيَة» .
أخرجهُمَا الدَّارَقُطْنِيّ فِي «سنَنه» .
وَرَوَاهُ الْبَيْهَقِيّ فِي «سنَنه» من طَرِيق مَرْفُوعا.
وَمن طَرِيق مَوْقُوفا عَلَى أبي هُرَيْرَة، ثمَّ قَالَ: كَذَا قَالَ ابْن عُيَيْنَة، عَن هِشَام بن حسّان، عَن ابْن سِيرِين مَرْفُوعا، وَعبد السَّلَام بن حَرْب قد ميّز الْمسند من الْمَوْقُوف، فَيُشبه أَن يكون قد حفظه.
وَالشَّافِعِيّ فِي «الْأُم» أخرجه مَوْقُوفا، فَقَالَ: أبنا ابْن عُيَيْنَة، عَن هِشَام بن حسان
…
فَذكره كَمَا سلف.
فَائِدَة: قَوْله عليه السلام: «لَا تُنكح الْمَرْأَة الْمَرْأَة» (المُرَاد) مِنْهُ النَّهْي، وصيغته الْخَبَر (لوروده) مضموم الْحَاء؛ إِذْ لَو كَانَ نهيا لَكَانَ مَجْزُومًا مكسورًا عَلَى أصل التقاء الساكنين.
هَذَا آخر مَا ذكره الرَّافِعِيّ فِي الْبَاب من الْأَحَادِيث، وَذكر فِيهِ أثرين:
أَحدهمَا: «أَن ابْن عَبَّاس كَانَ يجوّز نِكَاح الْمُتْعَة، ثمَّ رَجَعَ عَنهُ» .
وَهَذَا الْأَثر مَشْهُور عَنهُ، قَالَ التِّرْمِذِيّ فِي «جَامعه» : رُوِيَ عَن ابْن عَبَّاس شَيْء من الرُّخْصَة فِي الْمُتْعَة، ثمَّ رَجَعَ عَن قَوْله حَيْثُ أخبر عَن النَّبِي صلى الله عليه وسلم ثمَّ قَالَ:(بَاب رُجُوع ابْن عَبَّاس عَن نِكَاح الْمُتْعَة) ثمَّ سَاق بِإِسْنَادِهِ إِلَى مُوسَى بن عُبَيْدَة [عَن مُحَمَّد بن كَعْب] قَالَ ابْن عَبَّاس: «إِنَّمَا كَانَت الْمُتْعَة فِي أول الْإِسْلَام؛ كَانَ الرجل يقدم الْبَلدة لَيْسَ (لَهُ) بهَا معرفَة فَيَتَزَوَّج (الْمَرْأَة) بِقدر مَا يرَى أَنه يُقيم لتحفظ لَهُ مَتَاعه وَتصْلح لَهُ شَأْنه، حَتَّى نزلت هَذِه الْآيَة: (إلاّ عَلَى أَزوَاجهم أَو مَا ملكت أَيْمَانهم) قَالَ ابْن عَبَّاس: فَكل فرج (سواهُمَا) حرَام» .
قَالَ الْحَازِمِي: إِسْنَاده صَحِيح لَوْلَا مُوسَى بن عُبَيْدَة - وَهُوَ الربذي - كَانَ يسكن الربذَة - وَعزا الْمجد ابْن تَيْمِية فِي «أَحْكَامه» إِلَى البُخَارِيّ أَنه رَوَى عَن أبي جَمْرَة، عَن ابْن عَبَّاس «أَنه سُئِلَ عَن مُتْعَة النِّسَاء، فَرخص فِيهِ فَقَالَ مولَى لَهُ: إِنَّمَا ذَلِك فِي الْحَال الشَّديد وَفِي النِّسَاء قلَّة - أَو نَحوه - فَقَالَ ابْن عَبَّاس: نعم» .
وَلم أر هَذَا فِي البُخَارِيّ وَلَا أعلم من رَوَاهُ أَيْضا، وَقد استغربه ابْن الْأَثِير فَعَزاهُ فِي «جَامعه» إِلَى رزين وَحده.
الْأَثر الثَّانِي: «أَن امْرَأَة كَانَت فِي ركب، فَجعلت أمرهَا إِلَى رجل فَزَوجهَا، فَبلغ ذَلِك عمر، فجلد الناكح والمنكح» .
وَهَذَا الْأَثر رَوَاهُ الشَّافِعِي عَن مُسلم بن خَالِد وَسَعِيد بن سَالم، عَن ابْن جريج، قَالَ: أَخْبرنِي عِكْرِمَة بن خَالِد قَالَ: «جمعت الطَّرِيق رفقه فيهم امْرَأَة ثيّب، فولَّت رجلا مِنْهُم أمرهَا فَزَوجهَا رجلا، فجلد عمر رضي الله عنه الناكح والمنكح ورد نِكَاحهَا» .
وَرَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيّ فِي «سنَنه» من حَدِيث روح، ثَنَا ابْن جريج، أَخْبرنِي عبد الحميد بن جُبَير بن شيبَة، عَن عِكْرِمَة بن خَالِد (قَالَ:) «جمعت الطَّرِيق ركبًا، فَجعلت امْرَأَة مِنْهُم ثيب أمرهَا بيد رجل غير ولي فَأَنْكحهَا، فَبلغ ذَلِك عمر فجلد الناكح والمنكح ورد نِكَاحهَا» .
وَرَوَاهُ الْبَيْهَقِيّ فِي «سنَنه» أَيْضا بِاللَّفْظِ الْمَذْكُور، وَفِي رِوَايَة لَهُ «أَن عمر رد نِكَاح امْرَأَة نكحت بِغَيْر ولي» .
وَرَوَى هَذِه الشَّافِعِي أَيْضا.