الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
كتاب اللَّقِيط
كتاب اللَّقِيط
ذكر فِيهِ رحمه الله أَرْبَعَة آثارٍ:
أَحدهَا: عَن (سِنِين أبي) جميلَة: «أَنه وجد مَنْبُوذًا، فجَاء بِهِ إِلَى عمر بن الْخطاب، فَقَالَ: مَا حملك عَلَى أَخذ هَذِه النَّسمة؟ فَقَالَ: وجدتُها ضائعة فأخذتها. فَقَالَ عريفه: يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ، إِنَّه رجل صَالح. فَقَالَ: كَذَلِك؟ قَالَ: نعم. قَالَ: اذْهَبْ فَهُوَ حر، وَلَك وَلَاؤُه، وعلينا نَفَقَته» .
هَذَا الْأَثر صَحِيح، رَوَاهُ البُخَارِيّ فِي «صَحِيحه» تَعْلِيقا فَقَالَ: وَقَالَ أَبُو جميلَة: (وجدت مَنْبُوذًا، فَلَمَّا رَآنِي عمر قَالَ: عَسى الغوبر أبؤسًا. كَأَنَّهُ يتهمني، قَالَ عريفي: إِنَّه رجل صَالح. قَالَ: كَذَلِك، اذْهَبْ وعلينا نَفَقَته) .
وَرَوَاهُ مَالك فِي «الْمُوَطَّأ» عَن ابْن شهَاب، عَن أبي جميلَة رجل من بني سليم: «أَنه وجد مَنْبُوذًا فِي زمَان عمر بن الْخطاب، فجَاء بِهِ إِلَى عمر بن الْخطاب، فَقَالَ: مَا حملك عَلَى أَخذ هَذِه النَّسمَة؟ قَالَ: وَجدتهَا ضائعة فأخذتها. فَقَالَ لَهُ عريفي: يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ، إِنَّه رجل صَالح. فَقَالَ: أَكَذَلِك؟ قَالَ: نعم، قَالَ: اذْهَبْ
…
» فَذكره إِلَى آخِره.
وَرَوَاهُ الشَّافِعِي عَن مَالك، كَذَلِك قَالَ الْبَيْهَقِيّ فِي الْمعرفَة وَقَالَ غَيره - يَعْنِي الشَّافِعِي - عَن مَالك:«وَنَفَقَته علينا من بَيت المَال» .
قَالَ: وَيحْتَمل أَن يكون قَوْله: «وَلَك وَلَاؤُه» أَي (أجرته) وَالْقِيَام بحفظه، فأمَّا الْوَلَاء الْمَعْرُوف فَإِنَّمَا هُوَ للْمُعْتق؛ لقَوْله عليه الصلاة والسلام:«إِنَّمَا الْوَلَاء لمن أعتق» . قَالَ ابْن الْمُنْذر: وَأَبُو جميلَة رجل مَجْهُول. قَالَ الْبَيْهَقِيّ: قد قَالَه الشَّافِعِي أَيْضا فِي كتاب الْوَلَاء، فَإِن ثَبت كَانَ مَعْنَاهُ مَا قُلْنَاهُ.
قلت: أَبُو جميلَة (هَذَا عده) ابْن حبَان وَابْن مَنْدَه وَغَيرهمَا فِي الصَّحَابَة، وَأخرج لَهُ (البُخَارِيّ) فِي الْمَغَازِي من «صَحِيحه» : أَنه أدْرك النَّبِي صلى الله عليه وسلم وحَجَّ مَعَه عَام الْفَتْح، وَقَالَ الدَّارَقُطْنِيّ: حج مَعَه حجَّة الْوَدَاع. وَقَالَ ابْن أبي حَاتِم: رَوَى عَنهُ الزُّهْرِيّ وَزيد بن أسلم.
قلت: وَرَوَى أَيْضا عَن أبي بكر، وعُمرَ أَيْضا.
فَائِدَة: «سُنَين» هَذَا: بسين مُهْملَة مَضْمُومَة، ثمَّ نون مَفْتُوحَة، وَوَقع فِي نُسَخ الرَّافِعِيّ بِالْفَاءِ بدلهَا، وَهُوَ من تَحْرِيف (النساخ) ثمَّ يَاء مُخَفّفَة، وحُكي تشديدها، ثمَّ نون. و «جَمِيلة» : بِفَتْح الْجِيم، وَكسر الْمِيم.
فَائِدَة ثَانِيَة: اسْم هَذَا العريف: سِنَان، كَمَا أَفَادَهُ الشَّيْخ أَبُو حَامِد فِي «تَعْلِيقه» وَقد أوضحت (طَرِيق) هَذَا الْأَثر وفوائده فِي «تخريجي لأحاديث المهذَّب» فأغنى عَن ذكره هُنَا؛ فسارع إِلَيْهِ تَجِد مُهمات ونفائس، وَللَّه الْحَمد.
الْأَثر الثَّانِي: «أَن عليًّا رضي الله عنه دَعَاهُ رَسُول الله صلى الله عليه وسلم قبل بُلُوغه إِلَى الْإِسْلَام؛ فَأَجَابَهُ» .
وَهَذَا الْأَثر مَشْهُور عَنهُ.
رَوَى الْبَيْهَقِيّ من حَدِيث (أبي) عبد الله الشَّامي، عَن النجيب بن السّري قَالَ: قَالَ عَلّي رضي الله عنه فى حديثٍ ذكره: «سبقتهم إِلَى الْإِسْلَام قِدمًا غُلَاما، مَا بلغتُ أَوَان حُلُمِى» . قَالَ الْبَيْهَقِيّ: وَهَذَا شَائِع فِيمَا بَين النَّاس من قَول عَلّي، إِلَّا أَنه لم يَقع إِلَيْنَا بإسنادٍ يُحتج بِمثلِهِ. قَالَ: وَاخْتلف أهل الْعلم فِي سِنِّه يَوْم أسلم، فَروِيَ عَن عُرْوَة:«أَنه أسلم وَهُوَ ابْن ثَمَان سِنِين» وَعَن مُحَمَّد بن إِسْحَاق وَمُجاهد: «أَنه كَانَ ابْن عشر» وَعَن شريك: «ابْن إِحْدَى عشرَة» وَعَن الْحسن وَغَيره: «ابْن خمس عشرَة أَو سِتّ عشرَة» وَعَن ابْن عَبَّاس: «أَنه عليه الصلاة والسلام دفع الرَّايَة إِلَى عَلّي يَوْم بدر وَهُوَ ابْن عشْرين سنة» .
وَهَذَا أخرجه الْحَاكِم فِي «مُسْتَدْركه» وَقَالَ: عَلَى شَرط الشَّيْخَيْنِ. قَالَ الْبَيْهَقِيّ: ووقعة بدر كَانَت بَعْدَمَا قدم عليه الصلاة والسلام الْمَدِينَة بِسنة وَنصف، وَاخْتلفُوا فِي مِقْدَار مقَامه بِمَكَّة بَعْدَمَا بُعث، فَقيل: عشرا،
وَقيل: ثَلَاث عشرَة، وَقيل: خمس عشرَة، فَإِن كَانَت عشرا وَصَحَّ أَن عليًّا كَانَ ابْن عشْرين (سنة) يَوْم بدر: رَجَعَ سنه يَوْم أسلم إِلَى قريب مِمَّا قَالَه عُرْوَة بن الزبير، وَإِن كَانَت ثَلَاث عشرَة أَو خمس عشرَة (فَإلَى) أقل من ذَلِك. قَالَ: وَاخْتلفُوا فِي سنّ عَلّي يَوْم قُتل؛ فَقيل: خمس وسُتُّون، وَقيل: ثَلَاث و (سِتُّونَ) ، وَقيل أقل من ذَلِك، وأشهره: ثَلَاث وَسِتُّونَ عَلَى رَأس أَرْبَعِينَ من مهَاجر رَسُول الله صلى الله عليه وسلم، فَيرجع سِنُّه يَوْم أسلم عَلَى قَول من قَالَ:(مكث رَسُول الله صلى الله عليه وسلم بِمَكَّة عشرا إِلَى ثَلَاث عشرَة. وَعَلَى قَول من قَالَ) ثَلَاث عشرَة؛ إِلَى عشر سِنِين. فَفِي أَكثر الرِّوَايَات كَانَ بلغ من السِّن حِين صَلَّى مَعَ النَّبِي صلى الله عليه وسلم قدرا يحْتَمل أَن يكون احْتَلَمَ (فِيهِ) وَمَا رُوي من الشِّعر (فَيحْتَمل التَّأْوِيل) مَعَ ضعف إِسْنَاده، عَلَى أَن الحكم بِصِحَّة قَول الْبَالِغ دون الصَّبِي الْمُمَيز وَقع (شَرعه) بعد إِسْلَام عَلّي، فإسلامه كَانَ مَحْكُومًا بِصِحَّتِهِ إِمَّا لِأَنَّهُ بَقِي حَتَّى وصف الْإِسْلَام بعد بُلُوغه، أَو لِأَن النَّبِي صلى الله عليه وسلم خاطبه بِالدُّعَاءِ إِلَى الْإِسْلَام، وَغَيره من الصّبيان غير مُخاطَب، أَو لِأَن قَول الصَّبِي الْمُمَيز إِذْ ذَاك كَانَ مَحْكُومًا بِصِحَّتِهِ قبل وُرُود الشَّرْع بِغَيْرِهِ، أَو كَانَ قد احْتَلَمَ فَصَارَ بَالغا.
هَذَا وَقد ذهب الْحسن الْبَصْرِيّ وغيرُ وَاحِد فِي رِوَايَة قَتَادَة إِلَى أَن
عليًّا أسلم وَهُوَ ابْن خمس عشرَة سنة، أَو سِتّ عشرَة سنة، كَمَا مَضَى ذكره. وضعَّف ابْن الْجَوْزِيّ مقَالَة الْحسن هَذِه، قَالَ: فَإِن كَانَ لَهُ يَوْم المبعث ثَمَان سِنِين وعاش بعد المبعث ثَلَاثًا وَعشْرين سنة، وَبَقِي بعد رَسُول الله صلى الله عليه وسلم نَحْو الثَّلَاثِينَ، فَهَذِهِ مقاربة السِّتين، قَالَ: وَهُوَ الصَّحِيح فِي مِقْدَار عمره.
ثمَّ رَوَى عَن جَعْفَر بن مُحَمَّد عَن أَبِيه قَالَ: «قُتل عَلّي وَهُوَ ابْن ثَمَان وَخمسين» . قَالَ: وَمَتى قُلْنَا أَنه كَانَ (لَهُ) يَوْم إِسْلَامه خَمْسَة عشر صَار عمره ثَمَانِيَة وَسِتِّينَ، وَلم يقل بِهِ أحد.
الْأَثر الثَّالِث: عَن عُمر رضي الله عنه: «أَنه اسْتَشَارَ الصَّحَابَة فِي نَفَقَة اللَّقِيط، فَقَالُوا: فِي بَيت المَال» .
وَهَذَا الْأَثر تبع فِي إِيرَاده الْمَاوَرْدِيّ وَصَاحب «المهذَّب» وَلم أَقف عَلَى من خرجه، (وَأثر عمر السالف فِي قَوْله «وَنَفَقَته علينا من بَيت المَال» مُغنِي عَنهُ) وَاقْتَضَى كَلَام (ابْن الْمُنْذر) أَن ذَلِك قَول عَامَّة أهل الْعلم.
الْأَثر الرَّابِع: أَن عُمر رضي الله عنه قَالَ «الْغُلَام) ألحقهُ الْقَافة بالمتنازعين مَعًا: أَيُنسب؟ !» .
وَهَذَا الْأَثر صَحِيح.
رَوَى الْبَيْهَقِيّ من طَرِيق الشَّافِعِي، عَن أنس بن (عِيَاض) ، عَن هِشَام بن عُرْوَة، عَن أَبِيه، عَن يَحْيَى بن عبد الرَّحْمَن بن حَاطِب:«أَن رجلَيْنِ تداعيا، فَدَعَا لَهُ عمرُ الْقَافة، فَقَالُوا: لقد اشْتَركَا فِيهِ. فَقَالَ عُمر: وَإِلَى أَيهمَا يُنْسَبُ؟» . وَرَوَاهُ الشَّافِعِي أَيْضا عَن مَالك، عَن يَحْيَى بن سعيد، عَن سُلَيْمَان بن يسَار، عَن عمر بِمثل مَعْنَاهُ. وَرَوَاهُ الشَّافِعِي أَيْضا عَن مطرف بن مَازِن، عَن معمر، عَن الزُّهْرِيّ، عَن عُرْوَة، عَن عُمر بن الْخطاب؛ بِمثل مَعْنَاهُ (و) رَوَاهُ الْبَيْهَقِيّ أَيْضا من حَدِيث يَحْيَى بن عبد الرَّحْمَن بن حَاطِب، عَن أَبِيه قَالَ: «أَتَى رجلَانِ إِلَى عُمر يختصمان فِي غُلَام من أَوْلَاد الْجَاهِلِيَّة، يَقُول هَذَا: هُوَ ابْني. وَيَقُول هَذَا: هُوَ ابْني. فَدَعَا عمر قائفًا من بني المصطلق، فَسَأَلَهُ عَن الْغُلَام، فَنظر إِلَيْهِ المصطلقي (وَنظر) ثمَّ قَالَ لعمر: قد اشْتَركَا فِيهِ جَمِيعًا. فَقَامَ عمر إِلَيْهِ بِالدرةِ فَضَربهُ بهَا، قَالَ
…
» فَذكر الحَدِيث. قَالَ: «فَقَالَ عمرُ للغلام: اتبع أَيهمَا شِئْت. فَاتبع الْغُلَام أَحدهمَا. قَالَ عبد الرَّحْمَن: فَكَأَنِّي أنظر إِلَيْهِ مُتبعا لأَحَدهمَا يذهب. وَقَالَ عمرُ: قاتلَ اللَّهُ أَخا بني المصطلق» . وَفِي رِوَايَة عَن عبد الرَّحْمَن بن حَاطِب: «أَن عمر قَضَى فِي رجلَيْنِ ادَّعيا رجلا، لَا يُدْرَى أَيهمَا أَبوهُ، فَقَالَ عمر: اتبع أَيهمَا شِئْت» . قَالَ الْبَيْهَقِيّ: هَذَا إِسْنَاد صحيحٌ مَوْصُول. وَفِي رِوَايَة لَهُ عَن سُلَيْمَان
قَالَ الْبَيْهَقِيّ: وَهَذِه الرِّوَايَة شاهدة لما قبلهَا، وَالله أعلم.