الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
كشريك وَابْن أبي لَيْلَى، قَالَ الْبَيْهَقِيّ: وَإِجْمَاع أَكثر الْمُسلمين عَلَيْهِ يؤكده.
الحَدِيث الثَّالِث عشر
أنَّه صلى الله عليه وسلم قَالَ: «من بدل دينه فَاقْتُلُوهُ» .
هَذَا الحَدِيث صَحِيح رَوَاهُ البُخَارِيّ فِي «صَحِيحه» من حَدِيث عِكْرِمَة قَالَ: «أُتِي عَلّي رضي الله عنه بزنادقة فأحرقهم، فَبلغ ذَلِكَ ابْن عَبَّاس، فَقَالَ: لَو كنت أَنا لم أحرقهم؛ لنهي رَسُول الله صلى الله عليه وسلم (عَنهُ) قَالَ: لَا تعذبوا بِعَذَاب الله، ولقتلتهم؛ لقَوْل رَسُول الله صلى الله عليه وسلم: من بدّل دينه فَاقْتُلُوهُ» .
وَفِي رِوَايَة لِلتِّرْمِذِي: «
…
فَبلغ ذَلِكَ عليًّا، فَقَالَ: صدق ابْن عَبَّاس» .
هَذَا آخر الْكَلَام عَلَى أَحَادِيث الْبَاب بِحَمْد الله وَمِنْه.
وَأما آثاره فستة:
أَحدهَا: عَن الحكم بن عتيبة قَالَ: «أجمع أَصْحَاب رَسُول الله صلى الله عليه وسلم -
عَلَى أَن لَا ينْكح العَبْد أَكثر من اثْنَتَيْنِ» .
وَهَذَا الْأَثر سَاقه ابْن الْجَوْزِيّ بِإِسْنَادِهِ كَذَلِك، وَرَوَاهُ الْبَيْهَقِيّ من حَدِيث لَيْث، عَن الحكم، قَالَ:«اجْتمع أَصْحَاب رَسُول الله صلى الله عليه وسلم عَلَى أَن الْمَمْلُوك لَا يجمع من النِّسَاء فَوق اثْنَتَيْنِ» وَلَيْث هَذَا هُوَ ابْن أبي سليم، وَقد سلف الْكَلَام عَلَيْهِ.
وَرَوَى الشَّافِعِي بِإِسْنَادِهِ الصَّحِيح، عَن عمر أَنه قَالَ:«ينْكح العَبْد امْرَأتَيْنِ» ثمَّ رَوَاهُ عَن عَلّي وَعبد الرَّحْمَن بن عَوْف، ثمَّ قَالَ: وَلَا يعرف لَهُم من الصَّحَابَة مُخَالف. وَهُوَ قَول الْأَكْثَر من (الْمُفَسّرين) بالبلدان.
الْأَثر الثَّانِي: عَن عَلّي رضي الله عنه أَنه قَالَ: «من وطئ إِحْدَى الْأُخْتَيْنِ فَلَا يطَأ الْأُخْرَى حَتَّى تخرج الْمَوْطُوءَة عَن ملكه» .
وَهَذَا الْأَثر رَوَاهُ الْبَيْهَقِيّ فِي «سنَنه» من حَدِيث مُوسَى بن عقبَة عَن عَمه عَن عَلّي «أَنه سَأَلَهُ رجل (لَهُ) أمتان أختَان وطئ إِحْدَاهمَا ثمَّ أَرَادَ أَن يطَأ الْأُخْرَى، قَالَ: لَا؛ حَتَّى يُخرجهَا من ملكه» .
الْأَثر الثَّالِث: عَن ابْن عَبَّاس رضي الله عنه «أَنه قَالَ فِي قَوْله تَعَالَى (وَمن لم يسْتَطع مِنْكُم طولا أَن ينْكح الْمُحْصنَات) (أَن المُرَاد بالطول: الْفضل وَالسعَة وَهَذَا الْأَثر رَوَاهُ الْبَيْهَقِيّ فِي «سنَنه» من حَدِيث عَلّي
بن أبي طَلْحَة عَن ابْن عَبَّاس «أَنه قَالَ فِي قَوْله: (وَمن لم يسْتَطع مِنْكُم طولا أَن ينْكح الْمُحْصنَات الْمُؤْمِنَات فَمن مَا ملكت أَيْمَانكُم من فَتَيَاتكُم الْمُؤْمِنَات) يَقُول: من لم يكن لَهُ سَعَة أَن ينْكح الْحَرَائِر فَلْيَنْكِح من إِمَاء الْمُؤمنِينَ و (ذَلِك لمن خشِي الْعَنَت) وَهُوَ الْفُجُور، فَلَيْسَ لأحدٍ من الْأَحْرَار أَن ينْكح أمة إِلَّا أَن لَا يقدر عَلَى حرّة وَهُوَ يخْشَى الْعَنَت (وَأَن تصبروا) عَن نِكَاح الْأمة فَهُوَ (خير لكم) وَعلي بن أبي طَلْحَة هَذَا (قَالَ أَحْمد) لَهُ أَشْيَاء مُنكرَات. قَالَ أَبُو حَاتِم: عَلّي بن أبي طَلْحَة، عَن ابْن عَبَّاس مُرْسل؛ إِنَّمَا يروي عَن مُجَاهِد وَالقَاسِم.
الْأَثر الرَّابِع: «أَن الصَّحَابَة رضي الله عنهم تزوجوا الكتابيات وَلم يبحثوا» .
هَذَا صَحِيح؛ فَفِي الْبَيْهَقِيّ بِإِسْنَادِهِ الصَّحِيح عَن عُثْمَان «أَنه نكح ابْنة الفرافصة الْكَلْبِيَّة - وَهِي نَصْرَانِيَّة - عَلَى نِسَائِهِ، ثمَّ أسلمت عَلَى يَدَيْهِ» .
وَرَوَى أَيْضا بِإِسْنَادِهِ عَن عبد الرَّحْمَن - شيخ من بني الْأَشْهَل « (أَن حُذَيْفَة نكح يَهُودِيَّة» و) فِي رِوَايَة لَهُ من حَدِيث أبي وَائِل: «فَكتب إِلَيْهِ عمر أَن يفارقها، قَالَ: إِنِّي أخْشَى أَن تدعوا المسلمات
وتنكحوا المومسات!» .
قَالَ الْبَيْهَقِيّ: وَهَذَا من عمر عَلَى طَرِيق التَّنَزُّه وَالْكَرَاهَة؛ فَفِي رِوَايَة أُخْرَى «أَن حُذَيْفَة كتب إِلَيْهِ: أحرام هِيَ؟ قَالَ: لَا، وَلَكِنِّي أَخَاف أَن تعاطوا المومسات مِنْهُنَّ» .
وَقَالَ الشَّافِعِي: أبنا (عبد الْمجِيد) بن عبد الْعَزِيز، عَن ابْن جريج (عَن أبي الزبير)«أَنه سمع جَابر بن عبد الله يسْأَل عَن نِكَاح الْمُسلم الْيَهُودِيَّة والنصرانية، فَقَالَ: تزوجناهن فِي زمن الْفَتْح بِالْكُوفَةِ مَعَ سعد بن أبي وَقاص وَنحن لَا نجد المسلمات كثيرا، فَلَمَّا رَجعْنَا طلقناهن. وَقَالَ: لَا يرثن مُسلما وَلَا يرثهن، وَنِسَاؤُهُمْ لنا حلّ وَنِسَاؤُنَا عَلَيْهِم حرَام» .
قَالَ الْبَيْهَقِيّ: وَرُوِيَ «أَن حُذَيْفَة تزوج مَجُوسِيَّة» وَهُوَ غير ثَابت (عَنهُ) يُقَال لَهَا: شاه بردخت، قَالَه عبد الْحق، قَالَ: وَالْمَحْفُوظ عَنهُ أَنه تزوج يَهُودِيَّة.
قلت: وَفِي «الطَّبَرَانِيّ الْكَبِير» أَنَّهَا نَصْرَانِيَّة. وَفِي الْبَيْهَقِيّ من حَدِيث (هُبَيْرَة) عَن عَلّي قَالَ: «تزوج طَلْحَة يَهُودِيَّة» وَفِيه أَيْضا من حَدِيث عَمْرو مولَى الْمطلب، عَن أبي الْحُوَيْرِث «أَن طَلْحَة نكح امْرَأَة من
كلب نَصْرَانِيَّة (حَتَّى (وجهت) حِين قدمت عَلَيْهِ» ) وَأما حَدِيث عَلّي بن أبي طَلْحَة، عَن كَعْب بن مَالك «أَنه أَرَادَ أَن يتَزَوَّج يَهُودِيَّة، فَقَالَ لَهُ عليه السلام: لَا تتزوجها؛ فَإِنَّهَا لَا تحصنك» . فَرَوَاهُ أَبُو دَاوُد فِي «مراسليه» وَمَعَ إرْسَاله فَهُوَ مُنْقَطع - فِيمَا بَين عَلّي وَكَعب - وَضَعِيف؛ لِأَنَّهُ يرويهِ عَن عَلّي أَبُو سبأ عتبَة بن تَمِيم، وَلَا يعرف حَاله كَمَا قَالَ ابْن الْقطَّان، وَرَوَاهُ عَنهُ بَقِيَّة، وَهُوَ مِمَّن قد علم حَاله.
الْأَثر الْخَامِس: عَن عَلّي رضي الله عنه «أَنه كَانَ للمجوس كتاب فَأَصْبحُوا وَقد أسرِي بِهِ» .
هَذَا الْأَثر رَوَاهُ الشَّافِعِي، عَن سُفْيَان، عَن سعيد بن الْمَرْزُبَان، عَن نصر بن عَاصِم، قَالَ: قَالَ فَرْوَة بن نَوْفَل: «علام تُؤْخَذ الْجِزْيَة من الْمَجُوس وَلَيْسوا بِأَهْل كتاب؟ ! فَقَامَ إِلَيْهِ (الْمُسْتَوْرد) فَأخذ بلبته فَقَالَ: يَا عَدو الله، تطعن عَلَى أبي بكر وَعمر وَعلي أَمِير الْمُؤمنِينَ - يَعْنِي: عليًّا - وَقد أخذُوا مِنْهُم الْجِزْيَة؟ ! فَذهب بِهِ إِلَى الْقصر، فَخرج (عَلَيْهِمَا) عَلّي فَقَالَ: ألبدا. فَجَلَسْنَا فِي ظلّ الْقصر، فَقَالَ عَلّي: أَنا أعلم النَّاس بالمجوس كَانَ لَهُم علم يعلمونه وَكتاب يدرسونه، وَإِن ملكهم سكر فَوَقع عَلَى ابْنَته أَو أُخْته فَاطلع عَلَيْهِ بعض أهل مَمْلَكَته، فَلَمَّا (صَحا) جَاءُوا يُقِيمُونَ عَلَيْهِ الْحَد فَامْتنعَ مِنْهُم، فَدَعَا أهل مَمْلَكَته، فَقَالَ: تعلمُونَ دينا
خيرا من دين آدم؟ وَقد كَانَ آدم ينْكح بنِيه من بَنَاته، وَأَنا عَلَى دين آدم، وَمَا يرغب بكم عَن دينه؟ فتابعوه وقاتلوا الَّذين خالفوه حَتَّى قتلوهم وَأَصْبحُوا وَقد أسرِي عَلَى كِتَابهمْ، فَرفع من بَين أظهرهم وَذهب الْعلم الَّذِي فِي صدروهم وهم أهل كتاب، وَقد أَخذ رَسُول الله صلى الله عليه وسلم (وَأَبُو بكر وَعمر) مِنْهُم الْجِزْيَة.
وفروة مُخْتَلف فِيهِ وَهُوَ من الْخَوَارِج.
قَالَ الْبَيْهَقِيّ: قَالَ الْحَاكِم: قَالَ العاصمي: قَالَ ابْن خُزَيْمَة: وهم ابْن عُيَيْنَة [فِي] هَذَا الْإِسْنَاد، رَوَاهُ عَن أبي سعيد الْبَقَّال فَقَالَ: عَن نصر بن عَاصِم (وَنصر بن عَاصِم) هُوَ اللَّيْثِيّ. وَإِنَّمَا هُوَ عِيسَى بن عَاصِم الْأَسدي كُوفِي.
قَالَ ابْن خُزَيْمَة: والغلط فِيهِ من ابْن عُيَيْنَة لَا من الشَّافِعِي، فقد رَوَاهُ عَن ابْن عُيَيْنَة غير الشَّافِعِي، فَقَالَ: عَن نصر بن عَاصِم، قَالَ الشَّافِعِي: وَحَدِيث نصْر بن عَاصِم هَذَا عَن عَلّي، عَن النَّبِي صلى الله عليه وسلم مُتَّصِل وَبِه نَأْخُذ.
قلت: لَكِن الْبَقَّال الْمَذْكُور فِي إِسْنَاده هُوَ الْأَعْوَر الْمَجْرُوح، قَالَ يَحْيَى بن (سعيد) : لَا أستحل أروي عَنهُ. وَقَالَ يَحْيَى بن معِين: لَيْسَ
بِشَيْء وَلَا يكْتب حَدِيثه. وَقَالَ عَمْرو بن عَلّي: مَتْرُوك الحَدِيث. وَقَالَ البُخَارِيّ: مُنكر الحَدِيث. وَقَالَ ابْن حبَان: كثير الْوَهم فَاحش الْخَطَأ. فَلَعَلَّ الشَّافِعِي كَانَ يرَاهُ ثِقَة، كَمَا قَالَ فِيهِ أَبُو أُسَامَة إِنَّه كَانَ ثِقَة. وَقَالَ أَبُو زرْعَة: صَدُوق مُدَلّس. وَقَالَ الْبَيْهَقِيّ: لَا يحْتَج بِهِ. وَأعله الْعقيلِيّ من وَجه آخر، وَقَالَ: نصْر بن عَاصِم هَذَا لَا يُتَابع عَلَى حَدِيثه. وَقَالَ أَبُو عبيد: لَا أَحسب هَذَا الْأَثر مَحْفُوظًا. (قَالَ) ابْن عبد الْبر فِي «تمهيده» : فِي قَوْله عليه السلام فِي الْمَجُوس «سنوا بهم سنة أهل الْكتاب» يَعْنِي فِي الْجِزْيَة. دَلِيله عَلَيْهِ: أَنهم لَيْسُوا أهل الْكتاب، وَعَلَى ذَلِك جُمْهُور الْفُقَهَاء.
وَقد رُوِيَ عَن الشَّافِعِي «أَنهم كَانُوا أهل كتاب فبدلوا» وَأَظنهُ ذهب فِي ذَلِك إِلَى شَيْء رُوِيَ عَن عَلّي من وَجه فِيهِ ضعف يَدُور عَلَى أبي سعيد الْبَقَّال، ثمَّ ذكر هَذَا الْأَثر، ثمَّ قَالَ: وَأكْثر أهل الْعلم يأبون ذَلِك وَلَا يصححون هَذَا الحَدِيث، فالحجة لَهُم قَوْله تَعَالَى:(أَن تَقول إِنَّمَا أنزل الْكتاب عَلَى طائفتين من قبلنَا) وَغير ذَلِك.
الْأَثر السَّادِس: «أَن الصَّحَابَة رضي الله عنهم أخذُوا الْجِزْيَة من نَصَارَى الْعَرَب، وهم: تنوخ، وبَهراء، و (تغلب) » . هَذَا صَحِيح عَنْهُم، وَقد ذكره الشَّافِعِي، وَسَيَأْتِي بَيَانه فِي بَابه.
فَائِدَة: تنوخ - بمثناة (من) فَوق ثمَّ نون ثمَّ وَاو ثمَّ خاء مُعْجمَة -:
قَبيلَة مَعْرُوفَة. وبَهراء - بِفَتْح الْبَاء الْمُوَحدَة (ثمَّ) هَاء سَاكِنة (و) بِالْمدِّ -: قَبيلَة مَعْرُوفَة من (قضاعة) وَالنِّسْبَة إِلَيْهَا: بهراني، كصنعاني عَلَى غير قِيَاس، وَبَنُو (تغلب) بِكَسْر اللَّام قَبيلَة مَعْرُوفَة.