الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
الإيرانيين اللغة العربية كما تعلم كثير من العرب لغة هؤلاء الإيرانيين. وقد كان أكثر العرب في جيش أبي مسلم الخراساني يتحدثون الفارسية. وزادت درجة انتشار الفارسية بين هؤلاء العرب بزيادة ارتباطهم بالمناطق التي عاشوا فيها وانفصالهم عن الارتباط القبلي بجزيرة العرب. لقد كانت هناك قبائل عربية في القرن الرابع الهجري في إيران، ولكن هذه القبائل ذابت شيئًا فشيئًا وأصبح أبناؤها من أبناء اللغة الفارسية، وما أن أصبحت اللغة الفارسية اللغة الرسمية في البلاد حتى قل تمسك هؤلاء العرب باللغة العربية، وبذلك لم يؤد تيار الهجرة العربية إلى إيران إلى النتيجة التي أحدثها تيار الهجرة العربية إلى الشام والعراق.
2-
العربية في العصر الأموي:
وكان العرب يمثلون في ظل الحكم الأموي طبقة أرستقراطية مترفة، وهذه الطبقة تعتمد على أمرين يربطان أفرادها، أولهما: الأصل البدوي، والثاني: القدرة على التحدث بالعربية كأحد أبناء البادية. وفي ظل هذا المجتمع كانت الطبقات الدنيا والوسطى لا تزال مرتبطة إنْ قليلًا أو كثيرًا باللغات التي سادت المنطقة قبل الفتح الإسلامي، كانت القبطية لغة الطبقات الدنيا في المجتمع المصري وكانت اللهجات الآرامية تسود لدى معظم سكان الشام وبعض مناطق العراق، وكان المغرب العربي يستخدم عددًا من اللهجات البربرية. وفي شرق الدولة الإسلامية أي في أقاليم إيران والمناطق التي بعدها كانت لغات الحديث مجموعة من اللهجات الإيرانية. وفوق هذا وذاك فقد كانت العربية الجنوبية وهي لغة تختلف اختلافًا كبيرًا عن العربية الشمالية لا تزال سائدة في مناطق شاسعة في جنوب جزيرة العرب. ولذا فقد كان التحدث بالعربية دليلا على التفوق الاجتماعي، بينما كان استخدام اللغات أو اللهجات
الأخرى دليلًا على الضعة الاجتماعية1.
في ظل هذه الظروف كان من الطبيعي أن يحرص سادة المجتمع على تنشئة أبنائهم في بيئة عربية بدوية حتى يستقيم لهم الانتظام في الطبقة الحاكمة وحتى يتضح تميزهم عن الطبقات الدنيا. والكتب العربية حافلة بروايات تروى لنا أن سادة المجتمع وأمراء البيت الأموي كانوا ينظرون نظرة فزع إلى أي خطأ لغوي يقع فيه أبناؤهم، وكانوا يحرصون كل الحرص على أن يستخدم أبناؤهم اللغة العربية وينطقون بها على النحو الذي يعرفه البدو الذين لم تفسد لغتهم بالاختلاط بالأعاجم2.
وأهم ما يلاحظ في تاريخ اللغة العربية ابتداء من الثلث الأخير من القرن الأول الهجري أنها أصبحت ذات مكانة مرموقة وطيدة في الدولة الإسلامية، وذلك لعدة أسباب أهمها أن:
1-
العربية أصبحت اللغة الرسمية للدولة الإسلامية، فقد عربت الدواوين حوالي سنة 87هـ/ 705م.
2-
العربية كانت لغة الطبقات الحاكمة في المجتمع واستخدام الفصحى دليل على الرقي وعلى المكانة الاجتماعية.
3-
العربية المولدة أي التي بها أخطاء كانت لغات الطبقات الدنيا في المجتمع.
4-
العربية الفصحى ظلت لغة الشعر الذي تعتز به الطبقات العليا من المجتمع.
1 حكى البلاذري: لما قدم "الوالي" أمر كاتبه بقراءة عهده، وكان لحانًا، فقال سعيد "=الوالي" أيها الناس: إن الأمير بريء مما تسمعون من هذا اللحن"، فتوح البلدان 601.
2 انظر المواضع المذكورة في كتاب "العربية" ليوهان فك 26-27.
5-
العربية هي لغة الدين ولغة القرآن الكريم ولغة العبادات1.
كان تعلم العربية هو أساس العمل في الدواوين وأقبل كثير من غير العرب على هذه الأعمال بعد تعلمهم للعربية وإجادتهم للكتابة بها، مما دفع أقرانهم إلى محاكاتهم، وكان ينظر طوال العصر الأموي إلى إجادة النطق بالعربية على أنها صفة من صفات الأرستقراطية العربية. ولذا كان سادة البيت الأموي يرسلون أبناءهم إلى البادية لينشئوا في جو عربي بدوي وحتى يدرجوا على استخدام العربية على النحو الذي كان معروفًا عند البدو. وكان سادة البيت الأموي يفزعون أشد الفزع عند ملاحظاتهم لبعض الأخطاء اللغوية عند الناشئة من أبنائهم فقد كانوا يعتزون بالعربية في صورتها البدوية اعتزازهم بأصلهم البدوي.
وأقبل كثير من الأعاجم على العربية لا لمجرد التعبير بها تعبيرًا يفي بمطالب الحياة اليومية بل كي يرتفع في المجتمع. فزياد الأعجم -وهو كما يبدو من اسمه من أصل غير عربي– تعلم العربية لينطلق إلى التأليف في الشعر. وكان ينظم الشعر رغم أن نطقه مشوب بلكنة أجنبية، حتى إن أحد الولاة أهداه غلامًا سليم النطق ليقوم بإلقاء شعره2. وقد كان شعره القديم على النمط القديم حتى إن سيبويه لم يجد غضاضة في الاستشهاد بأبيات من شعره، ويبدو أن ابن قتيبة حين ذكر أن زياد الأعجم كثير اللحن، كان يعني عدم قدرته على التعامل الشفوي بلغة عربية سليمة.
حاولت الطبقات غير العربية في المجتمع الإسلامي تعلم اللغة العربية، فالعربية لغة القرآن الكريم ولغة الصلاة. وقد أدى دخول أكثر سكان المناطق المفتوحة في الإسلام إلى ظهور الرغبة لدى هؤلاء لدراسة القرآن الكريم لفهم أحكام الإسلام وللعمل في ضوئها، ولذا كان الاشتغال بنص القرآن الكريم
1 انظر الدراسة الممتازة التي خصصها يوهان فك J.Fuck لهذا الموضوع في كتابه: "العربية دراسات في اللغة والهجات والأساليب" ص50 وما بعدها.
2 الأغاني 14/ 102-103.