الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
المستوى في ضوء الأهداف الحضارية والثقافية والاجتماعية المختلفة، فتعليم لغة من اللغات بهدف التعامل اليومي بها يختلف عن تعليمها بهدف قراءة المؤلفات الطبية بها، وتعليم اللغة بهدف قراءة كتب الفيزياء أو الرياضيات يختلف عن تعليمها لقرءاة الصحف، فهذه المستويات متنوعة متفاوتة.
12-
علوم اللغة بين العلوم:
هناك فرق أساسي بين مكانة علوم اللغة في التراث العربي ومكانة علم اللغة بين العلوم الحديثة. فإذا كانت مدارس علم اللغة المتتابعة عبر القرون تختلف في مناهج التحليل اختلافًا كبيرًا فإن الفرق الأساسي بين علم اللغة في التراث العربي وعلم اللغة الحديث ينبع من مكان علم اللغة بين العلوم، كان البحث اللغوي عند العرب أداة لفهم الدين، وقد ارتبط منذ نشأته بالبحث في لغة القرآن الكريم، وظل هذا الارتباط قائمًا في الدوائر العلمية على مدى القرون. وظهر هذا بصفة خاصة عند المؤلفين المسلمين من غير العرب، مثل الثعالبي وأبي حاتم الرازي والخوارزمي والتهانوي. فالثعالبي يرى العربية خير اللغات والألسنة والإقبال على تفهمها من الديانة، إذ هي أداة العلم ومفتاح التفقه في الدين1. وقد جاء أبو حاتم الرازي للغات العربية والعبرية والسريانية والفارسية أفضل لغات الأرض لأن الكتب الدينية دونت بها، فالمعيار الديني هو معيار تفضيل لغة على لغة. ومن ثم فهو يرفض أيضا الرأي القائل بفضل اللغة اليونانية والهندية لأن كتب الفلاسفة والأطباء وأصحاب النجوم والهندسة والحساب بها.2 لقد كان
1 فقه اللغة ص1، ط 1954
2 كتاب الزينة، ص61.
العلوم الدينية تشغل حيزًا كبيرًا من الاهتمام العلمي في مجال الحضارة الإسلامية. وكان الاهتمام بعلوم اللغة جزءًا من الدراسة الهادفة إلى التعمق في الدين. فعندما صنف الخوارزمي العلوم التي عرفتها الحضارة الإسلامية جعلها في مجموعتين: العلوم الشرعية وما يقترن بها من العلوم العربية، ثم: علوم العجم من اليونانيين وغيرهم من الأمم1. ونجد في مقدمات كتب كثيرة إشارات إلى أن الدراسة اللغوية أداة من أدوات فهم نصوص القرآن والحديث، فابن القوطية -مثلا- قدم لكتابه الأفعال بأنها: أصول مباني أكثر الكلام
…
وبعلمها يستدل على أكثر علم القرآن والسنة2. وقد عد ابن خلدون معرفة: علوم اللسان العربي ضرورية على أهل الشريعة إذ مأخذ الأحكام الشرعية كلها من الكتاب والسنة، وهي بلغة العرب، ونقلتها من الصحابة والتابعين عرب، وشرح مشكلاتها من لغاتهم3. وعندما قسم ابن خلدون العلوم إلى علوم مقصودة بالذات وعلوم آلية، عد علوم اللغة من العلوم الآلية باعتبار أنها مجرد وسيلة لفهم العلوم الشرعية، ولذا فالبحث اللغوي عند ابن خلدون ليس هدفًا في ذاته4 بل إنه يرى: الاشتغال بهذه العلوم الآلية تضييعًا للعمر وشغلا بما لا يعني.5 وتتضح هذه الفكرة عند التهانوي الذي جعل علم اللغة من فروض الكفاية التي تسقط عن الكل إذا قام بها البعض، فعلم اللغة لم يكن مستقلا بذاته، ولم يكن إلا وسيلة لفهم النصوص الدينية. أو كما يقول التهاوني: آلة لتحصيل العلم بالشرعيات6 وتوضح هذه النصوص موقفا عاما من علوم اللغة في إطار
1 مفاتيح العلوم، ط القاهرة 1342، ص4.
2 كتاب الأفعال لابن القوطية، تحقيق: علي فودة 1952، ص1.
3 مقدمة ابن خلدون 1254. ط وافي - القاهرة 1962.
4 مقدمة ابن خلدون 1238
5 مقدمة ابن خلدون 1239، وقد ردد هذه الفكرة حسين المرصفي في الوسيلة الأدبية ط 2/ 1924، 1/ 106
6 يقول التهانوي: الأصل هو العلم بكتاب الله تعالى وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم وإجماع الأمة وآثار الصحابة...... والتعلم بعلم اللغة التي هي آلة لتحصيل العلم بالشرعيات....... كلها من فروض الكفاية..... وعلم الطب من فروض الكفاية أما التعمق في الطب فليس بواجب.
انظر: كشاف اصطلاحات الفنون 1/ 73. ومنطلق فكرة التهانوي في تصنيفه للعلوم هو اعتبار الدنيا مرحلة إلى الآخرة، وأن العمل من أجل الآخرة هو طريق الصلاح في الدنيا، "الآخرة سبب استقامة الدنيا وفي استقامتها استقامتها"، المرجع المذكور1/ 74.
الحضارة الإسلامية، فقد كان الاشتغال بعلوم اللغة أداة لفهم العلوم الدينية، ولم تكن فكرة استقلال كل علم واردة في فكر العصور الوسطى ولم يكن الهدف العلمي واضحا في تصنيف العلوم.
ولكن التقدم العلمي في العصر الحديث أدى إلى اتساع مجالات المعرفة عند الإنسان وفرض التخصص على من يريد المشاركة في البحث العلمي، وهنا أخذ علم اللغة يستقل بنفسه شأنه في هذا شأن فروع المعرفة الأخرى، وإذا كان ثمة ضرورة لتصنيف العلوم في العصر الحديث فإن علم اللغة يشغل في التصنيف العشري لديوي1 مكانًا وسطًا بين علم الاجتماع والعلوم الطبيعية. وفي هذا إدراك واضح لمكان علم اللغة الحديث بين العلوم والمعارف الحديثة.
لم يعد علم اللغة مجرد وسيلة لفهم النصوص الدينية أو أداة لفهم النقوش القديمة فحسب، بل له أيضا أهدافه العلمية العامة بجانب الأهداف التطبيقية الكثيرة. فعلم اللغة علم أساسي بمعنى أنه يحاول- مثل باقي العلوم الأساسية الأخرى- كشف جوانب موضوعه بأدق المناهح العلمية. أما الأهداف التطبيقية مثل الإفادة من نتائج علم اللغة في تعليم اللغات والتخطيط اللغوي فتأتي ثمرة طبيعية للدراسات الأساسية، ولكن علم اللغة لا يهدف بطريقة مباشرة نحو هذه القضايا التطبيقية، وهذا أيضا شأن كل فروع المعرفة العلمية.
لقد أصبح علم اللغة علمًا مستقلا هدفه الأساسي بحث كل جوانب اللغة والحياة اللغوية في العالم. ويقدم علم اللغة هذه النتائج، فتكون متاحة لعدة تخصصات وعلوم تستفيد من علم اللغة ومن غيره. وما أكثر العلوم التي تتعامل.
1 انظر: Dewey Decimal Classification
بنتائج علم اللغة. منها: علم الأصوات العلاجي. علوم التربية. علم النفس. العلوم الاجتماعية. هندسة أجهزة الاتصال Comunication Engineering إلخ
…
وإذا كان ابن خلدون وغيره قد اعتبروا الحساب أداة للعلوم الدينية1 فلم يعد أحد يعتبر الرياضيات مجرد وسيلة لتنظيم المعاملات الفقهية. وإذا كانت الرياضيات قد أصبحت علمًا مستقلا. وأصبح للطب الذي كان فرض كفاية2 فروع كثيرة مستقلة ومتكاملة، فإن علم اللغة قد أصبح علما مستقلا ببحث اللغة ويستفيد من كل فروع المعرفة التي تنير له جوانب مختلفة في بحث اللغة، فإلى جانب الإفادة من أجهزة القياس الصوتي والوسائل الإحصائية ونتائج علم التشريح وعلم وظائف الأعضاء وعلم فيزياء الصوت فإن علم اللغة يرتبط بأوثق الوشائج مع العلوم الإنسانية الأخرى. مثل علم النفس وعلم الاجتماع ولذا يصفه البعض بأنه أكثر العلوم الدقيقة إنسانية وأكثر العلوم الإنسانية دقة.
1 مقدمة ابن خلدون ص 1238.
2 كشاف اصطلاحات الفنون للتهانوي 1/ 73.