الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
الفصل العاشر: التوزيع الجغرافي والتاريخي للغات السامية
1-
الفرع الأكادي
يضم الفرع الأكادي من اللغات السامية1 كل اللغات واللهجات التي نشأت عن اللغة السامية الأولى التي دخلت أرض العراق مع الوافدين إليها حوالى سنة 2500ق. م. وقد سميت هذه اللغات واللهجات باسم شامل لها يميزها عن سواها، وتنسب الأكادية إلى "أكد" وهي أول مدينة سكنها الساميون الوافدون في شمال بابل، وقد أطلق هؤلاء اسم الأكادية على لغتهم تمييزا لها عن اللغة السائدة في جنوب أرض الرافدين آنذاك، وهي اللغة السومرية2 لقد وجد الساميون المهاجرون إلى أرض العراق شعبا ذا حضارة زراعية سبقهم إلى الإقامة في هذه المنطقة، وهو الشعب السومري،
1انظر المراجع المذكورة في هامش 1 من هذا الباب
انظر:
Von Soden، Grundriss der akkadischen
Grammatik، Analecta Orientalia 33/ 47، Roma 1969، s.2.
وقد أظهرت الكشوف الحديثة عددا كبيرا من النقوش السومرية واتضحت ملامح اللغة السومرية1 وملامح الحضارة التي سجلها السومريون بلغتهم ولكن انتماء اللغة السومرية لا يزال مشكلة لم تحل، السومرية من أقدم اللغات التي دونت، وربما تكون أقدم لغة دونت في العالم، ولم تكن الكتابة في التاريخ القديم أمرا شائعا، بل ولا تزال آلاف اللغات في عالمنا المعاصر منطوقة لا يكتبها أهلها، ولذا لا يستطيع البحث المقارن التعرف على القرابة اللغوية للسومرية، وربما كانت السومرية منتمية إلى أسرة لغوية بادت كل لغاتها ولم يكتبها أهلها. لقد التقى الساميون المهاجرون إلى أرض العراق بالسومريين، كان السومريون أكثر حضارة، وكان الأكاديون فيما يبدو لا يقلون عن السومريين عددا. ولذا لم تستطع الأكادية أول الأمر أن تقضي على السومرية ولم تستطع السومرية أن تقضي على الأكادية فساد ازدواج لغوي مستمر أكثر من ستة قرون "2500-1900ق. م". وفي هذه الفترة اختلط الساميون البسطاء بالسومريين الأكثر حضارة واندمج السومريون شيئا فشيئا مع الساميين الأكاديين لم يحدث هذا عند دخول الساميين أرض العراق وإنما حدث بعد ذلك وزاد بمضي الوقت وأدى في النهاية إلى سيادة اللغة الأكادية في كل مناطق العراق وانتهاء استخدام اللغة السومرية. فهناك عدد كبير من النقوش السومرية والنقوش الأكادية وصلت إلينا من هذه الفترة التي ساد فيها الازدواج اللغوي، ويطلق على اللغة الأكادية في هذه الفترة اسم الأكادية القديمة تمييزا لها عن المراحل اللغوية التي جاءت بعد ذلك، وهي البابلية القديمة والوسيطة الجديدة والحديثة والمتأخرة، والآشورية القديمة والوسيطة والجديدة2.
1 حول السومريين وحضارتهم انظر:
H. schmokel، somer et la civilisation sumeriene، paris 1964، p. 192. biblio theque historique.
s.n. kramer، the sumerians، chicago 1970
2 انظر:
von soden، grundriss، s.2-4.
كانت فترة الازدواج اللغوي بين السومرية والأكادية القديمة فترة مهمة تركت آثارها في حياة الأكاديين. لقد تعلم الأكاديون الكتابة عن السومريين. ولم يكن الأكادييون يعرفون قبل ذلك أن لغتهم المنطوقة يمكن أن تدون وتتحول إلى ظاهرة مرئية، لقد كتب السومريون لغتهم بالخط المسماري، ويطلق على هذا الخط اسم الخط المسماري لأنه يشبه المسامير، أي أن وصفه بهذه الكلمة لا يدل على طبيعته، بل يشير إلى شكله الخارجي فقط، وقد كتبت شعوب كثيرة بعد السومريين والأكاديين بالخط المسماري، ومن أشهر اللغات القديمة التي كتبت بالخط المسماري اللغة الحيثية وهي لغة هندية - أوربية. فالخط المسماري إذن وسيلة من وسائل التدوين ابتكرها السومريون وقلدهم غيرهم، فكتبوا بها لغاتهم المتباينة المختلفة، فالسومرية لا تربطها علاقة قرابة بالأكادية
ولا علاقة بين هذه أو تلك باللغة الحيثية، فهذه لغات مختلفة الانتماء تكتب بخط واحد.
تقوم الكتابة المسمارية -عموما- على أساس صوتي، فالكلمة تقسم إلى مقاطع ولكل مقطع رمز يكتب به1 وبذلك يختلف أساس الخط المسماري عن الأساس الذي يقوم عليه الخط الهيروغليفي الذي كتبت به في نفس الفترة الزمنية اللغة المصرية القديمة، فالخط الهيروغليفي لا يقوم -في أساسه- على تدوين الصوت المنطوق بل على أساس الكتابة بالصور. ومن هذا الجانب يوضح الخط المسماري كما دونت به اللغة الأكادية جوانب كثيرة من طبيعة اللغة الأكادية. وهو من هذا الجانب أكثر تعبيرا عن واقع اللغة من خطوط كثيرة لم تكن تدون الحركات بأية صورة مثل الخط العربي الجنوبي القديم ويمكن إيضاح هذا الأمر ببيان قضية النهايات الإعرابية وقضية أصوات الحلق2 في ضوء النقوش الأكادية التي تدون المقاطع بالرموز المسمارية.
إعراب الاسم في الأكادية
كلمة: "كلب"
1 حول نظام الكتابة الأكادية: von sodem das akkadische syllabar. roma 1948.
2 انظر الفصول الخاصة بإعراب الاسم والأصوات في كتاب فون زودن. هامش 22.
فالاسم الأكادي يظهر في النقوش المختلفة على ثلاثة أشكال، تتحدد بوظيفة الاسم في الجملة، ويطابق أحد هذه الأشكال حالة الرفع في العربية ويطابق الشكل الثاني حالة النصب في العربية، والشكل الثالث حالة الجر، فقد عرفت الأكادية إعراب الاسم على نحو ما عرفته العربية، أي بالرفع والنصب والجر، أما الميم التي تنتهي بها الصيغ المذكورة في الأكادية القديمة "انظر الجدول" فتقابل نون التنوين في العربية، أي أن التيميم في الأكادية يقابل التنوين في العربية.
وإذا كان وجود أصوات الحلق يعد من السمات المميزة للغات السامية عموما فأغلب الظن أن اللغة السامية الأولى عرفت مجموعة أصوات الحلق بالتنوع الموجود في العربية. أما اللغة السامية فقد عرفت صوتين حلقيين، هما الهمزة والخاء، ولذا لم تكن هناك مشكلة تجاه هذين الصوتين. فقد كان السومريون الأكاديون ينطقون الصوتين، ولكن الأكاديين قلدوا السومريين في عدم نطقهم لصوتي العين والحاء، ولا يمكننا تصور هذا التأثير إلا إذا لاحظنا الازدواج اللغوي الذي ساد عدة قرون، فكان كثير من السومريين يعرفون الأكادية وينطقونها، وربما كان بعض الأكاديين يعرفون السومرية، ومعنى هذا أن نطق اللغة الأكادية تأثر بكيفية نطق السومريين لها، وبذلك اختفت العين والحاء من الأكادية، بينما ظلت الهمزة والخاء موجودتين.
اختفاء العين والحاء والهاء في الأكادية
ومثل هذا التغير الصوتي يفسر في إطار الأساس اللغوي، والمقصود تأثير اللغة الأقدم في اللغة الوافدة1 وقد كان للغة السومرية تأثيرات كثيرة في اللغة الأكادية. لقد انتقلت عدة كلمات من السومرية إلى الأكادية. وانتقل بعضها من الأكادية إلى العبرية والعربية بعد ذلك، وأشهر هذه الكلمات كلمة "هيكل" وأصل هذه الكلمة في السومرية ekallum دون هاء يعني البيت الكبير ثم دخلت منها الأكادية بمعنى البيت الكبير أو القصر أو المعبد ثم انتقلت بالمعنى الأخير إلى العبرية مع إضافة الهاء إلى الآرامية والعربية أي أن الصيغة العربية لهذه الكلمة تبدأ بالهاء التي أضيفت إليها في اللغة العبرية.
وامتد التأثير السومري أيضا إلى بناء الجملة الأكادية فقد كان الفعل السومري يتخذ مكانه في آخر الجملة، بينما يكون الفعل في الجملة السامية في أول الجملة لتكوين الجملة الفعلية أو في وسط الجملة في بعض أنواع الجملة الاسمية، ولكن النصوص النثرية الأكادية تأثرت باللغة السومرية فتحرك الفعل إلى آخر الجملة الأكادية، وكان العشر الأكادي محافظا فاحتفظ بالنمط السامي لبناء الجملة، وبذلك ظل الفعل في مكانه في أول أو وسط الجملة الأكادية.
واللغة الأكادية من أهم اللغات السامية لغويا وحضاريا فالأكادية أقدم لغة سامية دونت، ولذا يعد وجود أية ظاهرة لغوية في الأكادية والعربية دليلا على كون الظاهرة موروثة عن اللغة السامية الأولى، وبذلك نستطيع التأريخ لأقدم الظواهر في العربية عن طريق المقارنة بالأكادية.
عاشت الأكادية أكثر من خمسة وعشرين قرنا، وبعد انهيار الاستقلال السياسي للمنطقة اللغوية الأكادية ودخول العراق في الإمبراطورية الفارسية ظلت
1 يطلق على هذا النوع من التأثير Substrat sub- ،معناها تحت -strata ومعناها طبقة والمقصود بهذا تأثير اللغة الأقدم مثل السومرية في اللغة التي جاءت بعدها في نفس المنطقة وهي الأكادية، وهذا مثل تأثير الآرامية في اللهجات العربية في الشام والعراق وتأثير القبطية في عربية مصر وتأثير الكلتية في اللاتينية الشعبية في فرنسا
…
إلخ.