الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
المكتوبة الواحدة من خمسة أسطر ولكن الجملة المنطوقة الفصيحة لا يمكن في الأحوال الكلامية العادية أن تبلغ نصف هذا الطول. ليست الجمل المكتوبة طويلة لمجرد أن وحداتها كثيرة متوازية، ولكنها طويلة لأن بها وحدات كثيرة متكاملة في نظام محكم يضمها جميعا في إطار جملة واحدة مركبة، ولم تكن الجملة السامية الأولى تعرف مثل هذا التركيب، فأقدم النصوص السامية تسودها الجمل الصغيرة المتراصة. ما أشبه هذه الجمل الصغيرة المتوازية بالاستخدام اللغوي عند الطفل، فالطفل يستخدم أيضا في حديثه العادي جملا صغيرة كثيرة. وكلما ارتقى فكره تعقدت جمله شيئا فشيئا.
4-
الألفاظ الأساسية:
وهناك ألفاظ أساسية تشترك فيها اللغات السامية، وليس المقصود بذلك أن هذه الألفاظ موجودة بنفس دلالتها في كل اللغات السامية، فكثيرا ما تتغير الدلالات، ولكن المقصود أن هذه الألفاظ ترجع إلى أصل اشتقاقي واحد في اللغة السامية الأولى1. فكلمة "هلك" في اللغة العربية يقابلها في اللغة العبرية الفعل "هالخ"، ومعنى هذا أن كلا الفعلين يرجع إلى المادة السامية المشتركة "هـ ل ك" ولكن ثمة خلافا بين معنى "هلك" في العربية و"هالخ" في العبرية. إذ تدل "هلك" في العربية على الذهاب إلى العالم الآخر ولكن الفعل العبري "هالخ" يدل على مطلق الذهاب ومنه الذهاب إلى المدرسة والذهاب إلى العمل......إلخ فالمقارنات الاشتقاقية بين الألفاظ في اللغات السامية لا تعني بالضرورة أن معنى الكلمتين أو الكلمات موضع المقارنة هو نفس المعنى بل تعني أن الكلمتين أو الكلمات المقصودة من أصل اشتقاقي واحد. فكلمة "لحم" تدل في العربية على معنى يخالف كلمة "لحم" في العبرية، لأن الكلمة العبرية تدل على الخبز. وتعد الكلمتان من أصل واحد باعتبار الاشتقاق رغم اختلاف المعنى وإذا ما اختلف معنى الكلمتين المشتقتين من أصل واحد كان السؤال عن
1 انظر قائمة الألفاظ الأساسية المشتركة في اللغات السامية، وقد أعد هذه القائمة برجشتر أسر:
G. Bergsirasser، Einfuhrung in die semitischen Sprachen، s. 182-192.Munchen 1963.
الدلالة الأقدم موضوع بحث، وهذا البحث ممكن بربط هذه الدلالات المتفرعة. فيمكن أن تكون كلمة "لحم" قد أدت في اللغة السامية الأولى معنى الطعام اليابس، أي غير السائل فيكون معنى هذه الكلمة في العبرية ضربا من تخصيص الدلالة، ويكون المعنى الموجود للكلمة العربية المقابلة ضربا آخر من تخصيص الدلالة. وهكذا ينطلق علم اللغة المقارن في مجال المفردات من الأصول الاشتقاقية ثم ينظر بعد ذلك في الدلالة ومدى اتفاقها وتغيرها.
وقد صنف كثير من الباحثين الألفاظ المشتركة في كل اللغات السامية. وتضم هذه الألفاظ المشتركة عدة كلمات تدخل في مجالات: الأسرة، وجسم الإنسان وتسمية الحيوان والنبات، والأعداد، وتضم أيضا بعض الأفعال. تضم كل اللغات السامية عدة كلمات متشابهة في كل هذه اللغات، منها الألفاظ الدالة على العلاقات الأساسية القديمة في الأسرة. وهذه الألفاظ مثل: أب، أم، أخ، أخت، حم. وتوجد هذه الكلمات في اللغات السامية القديمة مما يدل على كونها موروثة من اللغة السامية الأولى، ويلاحظ مثلا في هذ المجموعة المشتركة أن العم والخال لم يتخذا مكانهما ضمن الألفاظ المشتركة في اللغات السامية الخاصة بالأسرة. غير أن كلمة "عم" توجد في أكثر اللغات السامية بدلالات أخرى، فكلمة "عم" في العبرية تعني الشعب، وقد وُصِفَ الإله الكبير في اليمن القديم بأنه "عم" وكأن هذه الكلمة دلت في اللغة السامية على الأب الكبير، وتغيرت دلالاتها بعد ذلك في اللغات السامية. وهناك كلمات مشتركة في كل اللغات السامية تدل على أجزاء من جسم الإنسان، وليس من المتوقع أن نجد ألفاظا تعبر عن تفصيلات تشريحية كثيرة في جسم الإنسان، بل هي ألفاظ عامة، فالكلمات: عين، رجل، يد، شعر، أذن، رأس، مشتركة في كل اللغات السامية. أما أسماء الحيوانات في اللغات السامية فتشترك في كلمات معدودة منها مثلا: ليث وكلب، وعجل، وقد لوحظ أن كثيرًا من اللغات السامية تتخذ للحيوان الذكر اسما وللحيوان الأنثى اسما آخر لا يمت للأول بصلة، ومثال ذلك في العربية: حمار وأتان، أسد ولبؤة. وهناك عدة أسماء
للنباتات تشترك فيها اللغات السامية منها: كمون، سنبلة، قمح، ثوم، وتشترك اللغات السامية أيضا في الأعداد الأساسية. وتتفق اللغات السامية كلها اتفاقا شبه كامل في الأعداد من 2 إلى10 ولكن الكلمة الخاصة بالعدد واحد تختلف في الأكادية والمهرية عن باقي اللغات السامية1. ويبدو أن اللغة السامية الأولى عرفت هذه الأعداد إلى العشرة، ثم عرفت كلمتين أخريين للمائة والألف.
إن المنهج المقارن يفترض أن الظواهر المشتركة في كل اللغات السامية، أو في أكثر اللغات السامية ظواهر موروثة عن اللغة السامية الأولى، يصدق هذا على الأصوات وعلى الأبنية الصرفية وعلى أبنية الجمل وعلى المفردات أيضا؛ فتلك الظواهر المشتركة ميراث سام قديم، أضافت إليه كل لغة من اللغات السامية على مر الزمن. وليس من المفيد أن يكثر الجدل حول مهد هذه اللغة السامية الأولى التي سبقت اللغات السامية المختلفة في الوجود2. وأغلب الظن أن أبناء اللغة السامية الأولى كانوا في بيئة تعرف قدرا من الزراعة وقدرا من الرعي، فهناك قدر كبير من الألفاظ الزراعية والرعوية المشتركة في اللغات السامية، وإذا صح لنا أن نفترض أن الجماعة اللغوية السامية الأولى قد عاشت في شمال الجزيرة العربية وبادية الشام والعراق فإن الهجرات التي خرجت من مهد الساميين قد اتجهت في موجات تاريخية متتالية إلى منطقة الرافدين وإلى أرض الشام وإلى اليمن والحبشة، وفي هذه المناطق تكونت اللغات السامية المختلفة.
1 انظر حول هذا في الأكادية:
ungned-=matous، grammatik des akkadischen، munchen 1964، s.59
أما في المهرية فكلمة واحد يعبر عنها بكلمة "طاد" للمذكر "وطيط" للمؤنث
2 انظر حول مهد الساميين والآراء الكثيرة التي قيلت في ذلك
C. Brockelmann، grundriss، 1/ 2.
H.Fleische، introduction، pp. 22-32.
وتتلخص هذه الآراء في افتراض أن الساميين عاشوا في اليمن أو في شمال جزيرة العرب أو في العراق أو في الحبشة.