الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
أراد الكسائي أن يعلم برسالته في "لحن العامة" الاستخدام اللغوي الصحيح، وهذا ما أراده ثعلب أيضًا بكتابه "الفصيح"1. ويعد ثعلب أهم نحوي ولغوي عرفته مدرسة الكوفة في القرن الثالث للهجرة، وقد ألف عدة كتب منها كتاب "الفصيح" الذي يسمى كثيرًا باسم "فصيح ثعلب"، ذكر ثعلب فيه الألفاظ الفصيحة التي يود تقديمها لمن أراد تعلم اللغة الفصحى في صورتها المأثورة القديمة البدوية. أما ابن قتيبة وهو مؤلف آخر من القرن الثالث الهجري فله كتاب بعنوان "أدب الكاتب"، خصص المؤلف فيه فصلا عن اللغة وذكر فيه بعض إرشادات تعليمية تعين على استخدام اللغة الفصحى في صورتها المأثورة2.
وظهور هذه المؤلفات يعكس أمرًا جديدًا، فلم تعد اللغة تتعلم سماعًا، وإنما أصبحت تؤخذ عن طريق الكتب، وفي هذا تحول جديد بدأ مع أواخر القرن الثاني، واستمر في القرون التالية. وهكذا تغيرت الصورة، فأصبحت اللغة العربية مادة تعليمية تؤلف فيها الكتب.
1 ذكر ثعلب في خاتمة كتاب الفصيح الهدف من كتابه: "ليعرف به فصيح الكلام، ولم نكثر بالتوسعة في اللغات وغريب الكلام، ولكن ألفناه على نحو ما ألف الناس ونسبوه إلى ما تلحن فيه العوام". "ص104، خفاجي".
2 هذا القسم بعنوان: "كتاب تقويم اللسان" 238–332 "ط القاهرة 1963".
5-
العربية في القرن الرابع:
وفي القرن الرابع الهجري كانت العربية تؤخذ تعلما من الكتب لا بمخالطة الأعراب، ولذا فقد ظهرت مجموعة من الكتب منها كتاب قدامة بن جعفر:"جواهر الألفاظ"، وكتاب "الألفاظ" لابن السكيت، وكتاب عبد الرحمن الهمذاني:"الألفاظ الكتابية"، وكلها كتب تعليمية من القرن الرابع الهجري. ولنقف قليلا عند مقدمة الكتاب الأخير لنجد المؤلف يقول: "..... ووجدت من المتأخرين في الآلة قومًا أخطأهم الاتساع في الكلام، فهم
متعلقون في مخاطباتهم وكتبهم باللفظة الغريبة والحرف الشاذ، ليتميزوا بذلك من العامة ويرتفعوا عن الأغبياء عن طبقة الحشو.... فجمعت في كتابي هذا لجميع الطبقات أجناسًا من ألفاظ كتاب الرسائل والدواوين والبعيدة من الاشتباه والالتباس، السليمة من التقعير، المحمولة على الاستعارة والتلويح على مذاهب الكتاب وأهل الخطابة، دون مذاهب المتشدقين والمتفاصحين،.... ولا غنى بالكاتب البليغ ولا الشاعر المفلق ولا الخطيب المصقع عن الاقتداء بالأولين والاقتباس من المتقدمين1....
ويبدو من مضمون هذا الكتاب أنه تعليمي انتقائي وأن المؤلف يعتبر اللغة العربية مما ينبغي أخذه تعلمًا، واللغة العربية هنا هي لغة الكتابة التي تبعد عن التشادق والغريب وترتفع عن الكلام العامي. فلم تعد محاكاة البدو في تشادقهم أمرًا محمودًا، ولم يعد الاختلاط بهم وسيلة تعلم اللغة. فالهمذاني يرى أن قراءة كتب تعليم اللغة هي الطريق إلى استخدام العربية في الكتابة، وها هو يقدم مجموعة من التعبيرات المختلفة في كل موضوع، فهو يذكر في معنى "صلح الشيء" ما يأتي:"وإذا صلح الفاسد قلت استقام المائل، وانشعب الصدع، وانجبر الوهي، وانحسم الداء، ارتفق الفتق، واعتدل الميل، واندمل الكلم". وعلى هذا النحو ذكر الهمذاني في كل باب التعبيرات المختلفة، وقد اعتمد الهمذاني في انتقائه مادته من البدو وإنما هي "متخيرة من بطون الدفاتر، ومصنفات العلماء"2. وهذا تعبير عن موقف جديد، فاللغة العربية أصبحت لغة كتابة، وأصبحت تطويرها مرتبطًا باستخدامها على المستوى الإداري والثقافي، ولم تعد لغة بعض القبائل هي الفيصل، لم يذكر الهمذاني الأعراب الفصحاء كما كان لغويو القرن الثاني يذكرونهم في فخر واعتزاز.
1 انظر مقدمة الألفاظ الكتابية للهمذاني.
2 انظر مقدمة الألفاظ الكتابية ص VIII.
فقدت لغة البدو في القرن الرابع الهجري قيمتها كمثل أعلى للاستخدام اللغوي، وقد خصص اللغوي ابن جني فصلا في كتابه الخصائص بعنوان "أغلاط الأعراب"1. وعقد فصل بهذا العنوان في كتاب من كتب اللغة معناه أن نظرة القرن الرابع تختلف عن موقف اللغويين الأوائل في القرن الثاني. فعندما اختلف الكسائي وسيبويه في صحة العبارة "فإذا هو هي" أو "فإذا هو إياها". أي: هل يعتبر الضمير الثاني في حالة الرفع أم في حالة النصب؟ كان البدو هم الحكم في القضية. ورغم اختلاف الروايات في هذه القصة إلا أنها تجمع على أن البدو كان الحكم في هذه القضية، وشتان هذا الموقف وموقف ابن جني الذي يجعل نفسه حكمًا يفصل في مدى الصحة اللغوية للغة البدو، ويقضي بأن بعض ما عندهم ليس صحيحًا.
وهذا الموقف الجديد يرجع إلى مجموعة من العوامل، أهمها أن العربية في القرن الرابع الهجري كانت قد استقرت كلغة للثقافة. واستدعى هذا بالضرورة معجمًا متنوعًا جديدًا، فلم تعد لغة البدو بمعجمها البدوي وأفقها الصحراوي كافية للتعبير عن الثقافة العربية الإسلامية الراقية. لم يعد من الممكن أن تكتفي لغة الثقافة بالمعجم البدوي، فماذا يفعل الفيلسوف أو المنطقي أو عالم الرياضيات بمائة اسم للجمل أو مائتي اسم للأسد. إن اللغة العربية في القرن الرابع الهجري كانت قد استقرت لغة للثقافة، وأصبحت لغة كتابة تنمو على المستوى الثقافي، فظهرت المصطلحات والتعبيرات المختلفة، ولم يعد مثقفو القرن الرابع الهجري يلوذون بالبادية بحثا عن الغريب، بل كانوا يشتقون المصطلحات والتعبيرات المعبرة عن فكرهم وتخصصهم.
ولكن الشعر ظل داخل الضوابط اللغوية القديمة أو على الأقل حاول الشعراء أن يلزموا الخصائص اللغوية للشعر القديم، كما قننها النحاة المبكرون.
1 الخصائص 3/ 283–232. وانظر أيضًا جـ2 ص5 وما بعدها.
اعتبر اللغويون أي خروج على الضوابط القديمة غير جائز في لغة الشعر، وحاول الشعراء دراسة النحو، ومنهم من تعمق هذه الدراسة وأظهر ذلك عن عمد في شعره. آمن شعراء العربية الفصحة بأن اللغة القديمة أي اللغة التي سجلها النحاة هي المثل الأعلى، فكل الصيغ التي جاءت من عصور الاحتجاج صحيحة وجديرة بالاحتذاء، ومنها صيغ نادرة جاءت في أبيات مفردة فقدت قصائدها وسجلها النحاة. وهناك عدد من الصيغ اعترف الكوفيون وحدهم بصحتها، ولم يعرفها أو يعترف بصحتها البصريون. وهنا ظهرت أهمية الثقافة اللغوية والإعداد النحوي للشاعر، والمتنبي من أوضح الأمثلة على هذا.
فقد حاول أن يظهر في شعره براعته اللغوية، وكأنه كان يستعرض معرفته بالمعجم القديم وهو يتفاصح بالنادر والغريب، ويثير ثائرة النحاة ليثبت بعد ذلك صحة ما قال من الناحية اللغوية. استخدم المتنبي صيغة الجمع "آخاء" جمعًا لكلمة "أخ" لأنه عرف أن هذه الكلمة استخدمت في بيت من الشعر القديم1.
وقد أثار المتنبي غضب أنصار المذهب البصري ليثبت لهم بعد هذا أنه على صواب، أي: سداس، متحديًّا بذلك ضوابط النحاة إذ إنهم أجازوا وزن فعال من العدد واحد إلى العدد أربعة، ورفضوا قياس هذا الوزن من الأعداد الأخرى2. وكان المتنبي يعلم أن بعض اللهجات القديمة استخدمت كلمة "التوراب" بدلا من كلمة التراب، ولذا استخدم هذه الكلمة النادرة3. ولهذا كله فقد اهتم به اللغويون، ولا نعلم شاعرًا عربيًّا في عصر المتنبي أو بعد عصره أثار انتباه اللغويين مثله. فقد كثرت الشروح اللغوية على ديوان المتنبي. ومن هذه الشروح: شرح العكبري، وشروح ابن جني، وشرح المعربي، وشرح التبريزي، وهكذا اهتم المتنبي بالصيغ القديمة النادرة، فأثار اللغويون واهتموا به.
1 انظر حول الاستخدام اللغوي عند المتنبي: فك: العربية ص168–181.
2 الجرجاني: الوساطة بين المتنبي وخصومه "ط القاهرة 1966" 91، 99، 457.
3 الوساطة 86.