الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
وقول الملائكة أَتَجْعَلُ فِيها مَنْ يُفْسِدُ فِيها وَيَسْفِكُ الدِّماءَ دليل على أن حكمة الله تخفى أسرارها على كافة مخلوقاته، لا يستثنى منهم الملائكة. فهؤلاء قد علموا أن الإنسان وقد فطر من جسد وروح سوف يمتحن بالمادة، وما يرتبط بها من الشهوات، وما قد يقود اليه ذلك من الإفساد وسفك الدماء. وكل ذلك بدا أمام نظرهم عديم الجدوى، حيث هم في عالم الملكوت يسبحون ويقدسون، ولا يرون فائدة لخلق الإنسان.
قالَ إِنِّي أَعْلَمُ ما لا تَعْلَمُونَ فعلم الله وسع ما لا يعلمه أحد من مخلوقاته. مهما علت منزلته، وكل خلقه حكمة وصلاح.
ويتخذ الصوفية من قصة آدم رمزا لتمجيد الإنسان في أكمل صوره، فهو بتحقيق الكمال يكون جديرا بخلافة الله في أرضه. والإنسان الكامل- على هذا- هو أفضل مخلوقات الله. ومن هنا دعوا كل مؤمن إلى العمل على التحقيق بصفات الكمال.
31 - وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْماءَ كُلَّها ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى الْمَلائِكَةِ فَقالَ أَنْبِئُونِي بِأَسْماءِ هؤُلاءِ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ
.
لما سأل الملائكة عن وجه الحكمة في خلق آدم وذريته وإسكانه إياهم في الأرض، وأخبر الله تعالى عن وجه الحكمة في ذلك على سبيل الإجمال بقوله:
إِنِّي أَعْلَمُ ما لا تَعْلَمُونَ أراد تعالى أن يزيدهم بيانا وأن يفصل لهم ذلك المجمل فبين لهم من فضل آدم
ما لم يكن معلوما لهم، وذلك بأن علم آدم الأسماء كلها ثم عرضهم عليهم ليظهر بذلك كمال فضله، وقصورهم عنه في العلم، وهكذا يتأكد ذلك الجواب الإجمالي بهذا الجواب التفصيلي.
وقد أثار تفسير هذه الآية بعض المشكلات الفكرية. من ذلك مثلا أن بعض المتكلمين وهم الأشعري والجبائي والكعبي ذهبوا- على أساس هذه الآية- إلى أن اللغات توقيفية، وأن الألفاظ كانت موجودة قبل خلق آدم، وأن الله هو الذي علم الإنسان اللغات. وهذا تأويل بعيد، لا يمكن أن يستقر على قاعدة متينة من الواقع.
وخير من ذلك أن يقال إن معنى تعليم الله إياه أن يخلق فيه إذ ذاك بموجب استعداده علما ضروريا تفصيليا بأسماء جميع المسميات وأحوالها وخواصها اللائقة بكل منها، فيتلقاها آدم بمقتضى استعداده وقدرته العقلية، وقابليته الفكرية.
وهناك تفسير صوفي يذهب إلى أن تعليم الأسماء تضمن علم ما كان وما يكون إلى يوم القيامة.
كذلك هناك تفسير فلسفي يفسر تعليم آدم الأسماء بأن الله خلقه من أجزاء مختلفة وقوى متباينة مستعدا لإدراك أنواع المدركات من المعقولات والمحسوسات والمتخيلات والموهومات وألهمه معرفة ذوات الأشياء وأسمائها وخواصها وأصول العلم وقوانين الصناعات وتفاصيل آلاتها، وكيفيات استعمالها.
ومهما يكن فإن الله قد حبا آدم بعلم لم يكن للملائكة عهد به، وجعله في موقف القدرة على مواجهة حياته التي يسرها له الخالق. ومن أهم ما يمتاز به الإنسان قدرته على الرمز للأشياء بأسماء يصطلح عليها، وهذه القدرة أساس من أسس العلم الإنساني. أما نوع العلم الذي تلقاه آدم، وهل كان ألفاظا لغوية أم إلهاما فكريا، وما نوع اللغة التي خاطب الله بها الملائكة، فهذا مما لم يفصله القرآن، فكل تفسير يذكر في هذا الصدد إنما هو من قبل التخمين والرجم بالغيب.
وحسبنا أن نقول إن الله خلق في آدم قدرة على معرفة الأشياء وتمييزها، والرمز إليها بأسماء، وكانت هذه القدرة هي الأساس الأول للمعرفة الإنسانية.
ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى الْمَلائِكَةِ الضمير في (عرضهم) للمسميات التي دلت عليها الأسماء.
فَقالَ أَنْبِئُونِي بِأَسْماءِ هؤُلاءِ في هذا القول نوع من اللوم للملائكة على اعتراضهم، وإظهار لعجزهم.
وهنا نتساءل: ما الذي عرضه الخالق على الملائكة؟ إنه عرض أصحاب الأسماء، أي أنه عرض المسميات على الملائكة وفيهم من يعقل وفيهم من لا يعقل فقال: عرضهم، غلب العقلاء فأجرى على الجميع كناية من يعقل كقوله:
«والله خلق كل دابة من ماء فمنهم من يمشي على بطنه ومنهم من يمشي على رجلين ومنهم من يمشي على أربع» . أجرى عليهم كناية من يعقل. وفي قراءة أبيّ ثمّ عرضها وفي قراءة ابن مسعود ثمّ عرضهن وعلى هاتين القراءتين يصح أن يكون الضمير عائدا إلى الأسماء.
ويتصدى المفسرون للحديث عن كيفية العرض، وهم- بطبعية الحال- يختلفون في ذلك، فما أقوالهم في مثل هذا الأمر إلا من قبيل التخمين. قيل إنما عرضها على الملائكة بأن خلق الأسماء التي علمها آدم حتى شاهدتها الملائكة، وقيل صور في قلوبهم هذه الأشياء فصارت كأنهم شاهدوها، وقيل: عرض عليهم من كل جنس واحدا وأراد بذلك تعجيزهم.