الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
مثل «خصوص السبب» عند من يرى ذلك، ويعني هذا الاصطلاح تخصيص الحكم بناء على خصوص السبب. ومنها أن اللفظ قد يكون عاما ويقوم الدليل على تخصيصه، وإذ ذاك يلزم التخصيص.
وقد ذهب الواحدي- وهو على حق في ذلك- إلى أنه لا يمكن معرفة تفسير الآية بدون الوقوف على قصتها وبيان نزولها. كما قال ابن دقيق العيد:
«بيان سبب النزول طريق قوي في فهم معاني القرآن» . وقال ابن تيمية:
«معرفة سبب النزول يعين على فهم الآية، فإن العلم بالسبب يورث العلم بالمسبب (1)» . وقال أبو الفتح القشيري: «بيان سبب النزول طريق قوي في فهم معاني الكتاب العزيز (2)» .
فقد علمت إذن أن سبب النزول يعين على فهم الآيات التي نزلت في مناسبات مختلفة لأسباب معينة جرت إبان حياة الرسول الكريم. والأقوال التي نقلناها هنا عن علمائنا القدامى لا تحتاج إلى بيان.
أمثلة توضح أهمية العلم بأسباب النزول:
1) حكي عن عثمان بن مظعون وعمرو بن معديكرب أنهما كانا يقولان:
الخمر مباحة، ويحتجان بقوله تعالى:
لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ جُناحٌ فِيما طَعِمُوا إِذا مَا اتَّقَوْا وَآمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ (المائدة: 93) والواقع أنهما لو عرفا سبب نزول هذه الآية لما قالا ذلك. فسبب نزولها أن
(1) السيوطي: الاتقان، ج 1، ص 28.
(2)
الزركشي: البرهان، ج 1، ص 22.
أناسا قالوا لما حرّمت الخمر: كيف بمن قتلوا في سبيل الله وماتوا وكانوا يشربون الخمر وهي رجس. فنزلت هذه الآية. (أخرجه أحمد والنسائي).
2) قال تعالى:
وَلِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ فَأَيْنَما تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ، إِنَّ اللَّهَ واسِعٌ عَلِيمٌ (البقرة: 115) هذه الآية الكريمة يفهم منها أن للانسان أن يصلي موجها وجهه نحو أي جهة يشاء، وأنه لا يجب عليه أن يولي وجهه شطر المسجد الحرام، يستوى في ذلك من كان مسافرا ومن كان مقيما. لكن الروايات التي وردت عن سبب نزول هذه الآية توضح أنها لا تعفى من وجوب التوجه في الصلاة إلى المسجد الحرام. وقد روي أنها نزلت في نافلة السفر خاصة، أو فيمن تحرّى القبلة وصلى، ثم تبين او خطأه. فحكم هذه الآية يقتصر على من يكون مسافرا ويؤدي نافلة الصلاة، أو المجتهد في تحري القبلة. إذا تبين له خطأه بعد أداء الصلاة. وروي عن ابن عمر أنها نزلت في صلاة المسافر على الراحلة أينما توجهت. فسبب النزول هنا بوضح لنا أن حكم الآية يقتصر على أحوال معينة، وليس حكما عاما يعفي من التوجه إلى القبلة في الصلاة.
3) قال تعالى:
إِنَّ الصَّفا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعائِرِ اللَّهِ فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلا جُناحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِما (البقرة: 158)
من المعروف أن السعي بين الصفا والمروة جزء من شعائر الحج واجب الأداء، سنّه الرسول صلوات الله عليه. وعبارة: لا جناح في الآية الكريمة لا تفيد الفرضية. وقد أشكل الأمر على عروة بن الزبير في ذلك نظرا لصريح لفظ الآية الذي لا يفيد الفرضية.
وقد سأل خالته السيدة عائشة أم المؤمنين، فأفهمته أن نفي الجناح هنا ليس نفيا للفرضية، إنما هو نفي لما وقر في أذهان المسلمين- وهم في مطلع عصر الإيمان- من أن السعي بين الصفا والمروة كان من عمل الجاهلية، فلقد كان على الصفا صنم يقال له إساف وكان على المروة صنم يقال له نائلة. وكان المشركون في الجاهلية يسعون بين الصفا والمروة، ويتمسحون بالصنمين. ولقد حطم الصنما بعد أن ارتفعت كلمة الاسلام، لكنّ المسلمين تحرجوا في الطواف بينهما، فنزلت الآية.
وقد روي سبب نزول هذه الآية في صحيح البخاري بتفصيلات أكثر لا تخرج عن جوهر ما ذكرناه.
فمن هنا يتبين لنا أن سبب النزول أوضح لنا الأمر، وأنه رد على تحرج المسلمين في الطواف، وليس إلغاء لفرضية هذا الطواف.
4) قال تعالى:
قُلْ لا أَجِدُ فِي ما أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّماً عَلى طاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلَّا أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَماً مَسْفُوحاً أَوْ لَحْمَ خِنزِيرٍ، فَإِنَّهُ رِجْسٌ، أَوْ فِسْقاً أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ (الأنعام: 145) هذه الآية الكريمة لا تحصر جميع ما حرّم أكله. فهناك على سبيل المثال