الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
مثال من تفسير الكشاف:
سأختار هنا مثالا من سورة البقرة، قوله تعالى:
خَتَمَ اللَّهُ عَلى قُلُوبِهِمْ وَعَلى سَمْعِهِمْ يقول الزمخشري في تفسير الآية: «إن قلت: لم أسند الختم إلى الله تعالى، وإسناده إليه يدل على المنع من قبول الحق والتوصل إليه بطرقه، وهو قبيح، والله يتعالى عن فعل القبيح علوا كبيرا
…
وقد نص على تنزيه ذاته بقوله:
وَما أَنَا بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ، وَما ظَلَمْناهُمْ وَلكِنْ كانُوا هُمُ الظَّالِمِينَ، إِنَّ اللَّهَ لا يَأْمُرُ بِالْفَحْشاءِ ونظائر ذلك مما نطق به التنزيل؟ قلت: القصد إلى صفة القلوب بأنها كالمختوم عليها، وأما إسناد الختم إلى الله عز وجل فلينبه على أن هذه الصفة في فرط تمكنها وثبات قدمها كالشيء الخلقي غير العرضي. ألا ترى إلى قولهم:
فلان مجبول على كذا ومفطور عليه، يريدون أنه بليغ في الثبات عليه. وكيف يتخيل ما خيل إليك وقد وردت الآية ناعية على الكفار شناعة صفتهم، وسماجة حالهم، ونيط بذلك الوعيد بعذاب عظيم. ويجوز أن تضرب الجملة كما هي، وهي ختم الله على قلوبهم مثلا كقولهم: سال به الوادي، إذا هلك. وطارت به العنقاء، إذا أطال الغيبة، وليس للوادي ولا للعنقاء عمل في هلاكه، ولا في طول غيبته، وإنما هو تمثيل، مثّلت حاله في هلاكه بحال من سال به الوادي، وفي غيبته بحال من طارت به العنقاء.
فكذلك مثّلت حال قلوبهم فيما كانت عليه من التجافي عن الحق بحال قلوب ختم الله عليها».
فالزمخشري هنا يفسر الآية بطريقة تجعل الكفار مسئولين عن ضلالهم، وأن الكفر كان من فعلهم لا من فعل الله. وهذا الرأي ينافي رأي أهل السنة، الذين
ذهبوا في تفسير الآية إلى أن الله ختم على قلوبهم، لأن الله خالق كل شيء، وهؤلاء الكفار قد كتب عليهم الهلاك منذ الأزل.
وحين جاء العصر الحديث وظهرت مخترعات العلم، وتحقق للإنسانية هذا التقدم التقني الذي كان وليد المخترعات الحديثة، ظهرت نزعة عند بعض المفسرين المحدثين لتضمين التفسير القرآني كل ما جاء به العلم الحديث من حقائق، وما حققه من تقدم تقني. وأشهر من سلك هذا المنهج هو الشيخ طنطاوي جوهري في تفسيره المفصّل القرآن الكريم. ونحن نلحظ كيف أنه يزج بنظريات العلوم زجا في تفسير القرآن بصورة لا نجد لها كبير جدوى. فإذا فسر آية مثل قوله تعالى:
ثُمَّ اسْتَوى إِلَى السَّماءِ فَسَوَّاهُنَّ سَبْعَ سَماواتٍ نجد أنه يسرف في الحديث عن السماء والأثير ويعدد كواكب السماء وأبعادها عن الأرض وهكذا. فماذا يحدث لو بطلت هذه المعلومات التي ذكرها. إن الطبري ذكر ما كان سائدا في عصور التفسير الأولي عن البرق والرعد، والنتيجة كانت كما رأينا.
وكثير من المعلومات التي ذكرها الجوهري كانت سائدة في زمن هذا المؤلف وهو الربع الأول من هذا القرن، لكنها لم تعد الآن سائدة بعد ما حققه العلم في السنوات الأخيرة، إذ نجح الإنسان في ارتياد الفضاء الخارجي والوصول إلى كوكب القمر، وعرف من الحقائق ما لم يكن معروفا في زمن الشيخ الجوهري. من هنا نقول إن الزج بالقضايا العلمية والتقنية أمر لا يستلزمه فهم الكتاب الكريم، كما أنه لا يقدم لنا عونا حقيقيا في النفاذ إلى أسراره.
وهناك تفسيرات حديثة أخرى لم تسلك هذا السبيل إلا بقدر محدود، منها تفسير المنار للشيخ رشيد رضا، وتفسير المراغي وغيرهما.
وقد دعا المرحوم الأستاذ أمين الخولي إلى تفسير القرآن بالقرآن، أي أن يوضع
تفسير يقوم على أن القرآن يفسر بعضه بعضا. فكل لفظة من ألفاظ القرآن يجب أن تفهم على ضوء استعمالاتها في مختلف المواضع التي وردت فيها، وبهذا نستطيع وضع معجم قرآني يكون أساسا للتفسير الصحيح. ولم يترك الخولي عملا كاملا في التفسير، لكنه وضع منهجا، لخصه في مادة «تفسير» التي كتبها للنسخة المعربة لدائرة المعارف الاسلامية.
وتسير السيدة عائشة عبد الرحمن (ابنة الشاطئ) على نهج الأستاذ الخولي فيما تنشره من أبحاث في تفسير القرآن بعنوان «التفسير البياني» .
والخلاصة التي نصل إليها من هذا البحث أن القرآن الكريم قد فسر منذ أوائل عصور الإسلام، وأن التفسير قد تطور بتطور المجتمع الإسلامي، والثقافة الإسلامية. وكان كثير من المفسرين يتأثر في منهجه التفسيري بثقافته اللغوية أو البلاغية أو المذهبية أو الفلسفية. وكل كتب التفسير تعتبر مجموعة متكاملة في بيان معاني القرآن الكريم. ولا يزال مجال العمل منفسحا أمام تفسير جديد يجمع إلى مزايا التفسيرات القديمة مزية الوضوح والشمول، والدقة، مع الإفادة من أحدث ما ابتكر من أساليب في شرح النصوص وتحليلها.