الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
متسعة، ولا رحلة إلى غيرها من البلاد التي اتسعت فيها الروايات (1)».
وللزركشي في دراسته للقراءات قول واضح، يبين أنها اجتهادات من أئمة القراء، وأن من الواجب أخذها على هذا الوجه وحده.
يقول: «واعلم أن القرآن والقراءات حقيقتان متغايرتان، فالقرآن هو الوحي المنزل على محمد صلى الله عليه وسلم للبيان والإعجاز، والقراءات هي اختلاف ألفاظ الوحي المذكورة في كتابة الحروف أو كيفيتها، من تخفيف وتثقيل وغيرهما
…
والتحقيق أنها متواترة عن الائمة السبعة، أما تواترها عن النبي ففيه نظر (2)».
وجوه اختلاف القراءات:
لابن قتيبة كلام مشهور عن وجوه اختلاف القراءات، نقله عنه الزركشي وغيره. وتتلخص هذه الوجوه فيما يلي:
الأول: الاختلاف في إعراب الكلمة أو في حركات بنائها بما لا يزيلها عن صورتها في الكتاب، ولا يغير معناها. نحو «البخل» و «البخل» (3).
كذلك قوله تعالى:
وَهَلْ نُجازِي إِلَّا الْكَفُورَ قرئ وهل يجازى إلّا الكفور (سبأ: 17) فبعض القراء قرأ بالقراءة الأولى، والبعض الآخر بالقراءة الثانية.
(1) المصدر السابق، ص 323.
(2)
المصدر السابق: 319.
(3)
انظر سورة النساء: 37 (ويأمرون الناس بالبخل)، «قرأ حمزة والكسائي وخلف بفتح الباء والخاء.
وقرأ الباقون بالضم والسكون».
الثاني: الاختلاف في إعراب الكلمة في حركات بما يغير معناها ولا يزيلها عن صورتها في الخط نحو:
رَبَّنا باعِدْ بَيْنَ أَسْفارِنا وقد قرئت رَبَّنا باعِدْ بَيْنَ أَسْفارِنا (سبأ: 19) الثالث: الاختلاف في تبديل حروف الكلمة دون إعرابها، بما يغير معناها ولا غير صورة الخط في رأي العين. نحو كَيْفَ نُنْشِزُها وقد قرئت ننشرها (سورة البقرة: 259) ومن الأمثلة على ذلك أيضا يَقُصُّ الْحَقَّ، ويقضي الحقّ (الانعام: 57) الرابع: الاختلاف في الكلمة بما يغير صورتها في الكتابة ولا يغير معناها.
كَالْعِهْنِ الْمَنْفُوشِ (القارعة: 5) وهي القراءة الثابتة. وقد قرئت كالصّوف المنفوش وهذه قراءة مرفوضة لمخالفتها خط المصحف.
الخامس: الاختلاف في الكلمة بما يزيل صورتها في الخط ويزيل معناها.
وهذا لا يقرأ به لمخالفته الخط الذي كتب به مصحف عثمان.
السادس: الاختلاف بالتقديم والتأخير، فالآية الكريمة وَجاءَتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِالْحَقِّ (سورة ق: 19) قيل إن أبا بكر قرأها ساعة موته «وجاءت سكرة الحق بالموت» ولعل هذا من اضطراب عراه ساعة مفارقة الحياة. وهذا لا يقرأ به لمخالفته المصحف.
السابع: الاختلاف بالزيادة والنقص في الحروف والكلم. مثل (تجري تحتها) وتَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا* (التوبة: 100) وهذا يقرأ منه ما اتفقت عليه المصاحف في إثباته وحذفه.
وهناك قراءات شاذة نبّه عليها أبو عبيدة في كتاب «فضائل القرآن» وبيّن أنها كانت تضيف الكلمة أو الكلمات لتفسير النص. فمن قبيل التفسير قراءة تنسب إلى عائشة وحفصة هي:
حافظوا على الصّلوات والصّلاة الوسطى صلاة العصر (سورة البقرة: 238) فمن الواضح أن عبارة «صلاة العصر» كانت تفسيرا لمعنى الصلاة الوسطى فأخذت على أنها قراءة. وهي مخالفة للمصحف الإمام، ولما أجمع عليه الحفاظ.
ومهما يكن الأمر، فالموضوع الآن بالنسبة للقراءات أصبح من الدراسات
اللغوية التاريخية. ونحن الآن في عصر التسجيل نستطيع الأخذ بالقراءة التي تتفق كل الاتفاق مع خط المصحف، مع السماح بما جاز من القراءات لهذا الخط في أضيق الحدود. ومصحفنا المطبوع بين أيدينا اليوم يغنينا عن كل وجوه الخلاف التي حتمتها البيئات القديمة بما انطوت عليه من صعوبات في الضبط والتحقيق.
كما أنني لا أحب أن أختم هذا البحث دون أن أنبهكم إلى حقيقتين:
أولاهما: أن بحث ابن قتيبة في وجوه اختلاف القراءات لا يعني أن كل أنواع القراءات التي تضمنتها هذه الوجوه جائزة مقبولة بل إن من هذه القراءات ما هو صحيح مقبول ومنها ما هو شاذ. وابن قتيبة لم يكن يعني تحقيق الصحيح من الشاذ بقدر ما كان يعني في هذا البحث بالذات بيان أوجه الخلاف.
ثانيهما: أن الخلاف في القراءات وقع في قدر يسير من القرآن الكريم. أما الاتفاق فهو الأغلب. وكل قراءة لقيت من التحقيق ما جعل قبولها خاضعا لقواعد دقيقة من الضبط العلمي، ونزه كتاب الله عن خطأ المجتهدين في هذا الباب.