الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
-
13 - الناسخ والمنسوخ
مادة النسخ وردت في القرآن الكريم دالة على معنيين، أحدهما النقل كما في قوله تعالى:
إِنَّا كُنَّا نَسْتَنْسِخُ ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ وثانيهما هو الإزالة كما في قوله تعالى:
فَيَنْسَخُ اللَّهُ ما يُلْقِي الشَّيْطانُ النسخ بمعنى النقل هو من باب قولنا نسخت الكتاب أي نقلته، أما النسخ بمعنى الإزالة، فهو من باب قولنا:«نسخت الشمس الظل» أي أزالته.
والنسخ الذي يهتم الأصوليون بدراسته هو الذي ورد في القرآن الكريم بمعنى الإزالة، فمعناه الاصطلاحي إبدال حكم شرعي بحكم آخر لحكمة يراها الله في مصلحة عباده، تكون في غالب الأمر للتخفيف عنهم، بعد ابتلائهم بأحكام، تكون في العادة أكثر تكليفا من الأحكام الناسخة.
وقد أشار الكتاب الكريم إلى النسخ الذي يعني الإزالة أو الإبدال بقوله تعالى:
ما نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِها نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْها أَوْ مِثْلِها (البقرة: 106) وكذلك بقوله تعالى:
وَإِذا بَدَّلْنا آيَةً مَكانَ آيَةٍ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِما يُنَزِّلُ قالُوا إِنَّما أَنْتَ مُفْتَرٍ.
(النحل: 101) ولقد تهجم بعض أعداء الإسلام على الكتاب الكريم، مدّعين أن النسخ هو من قبيل «البداء: والبداء فكرة قال بها بعض غلاة الفرق الإسلامية، وتعني أن الله
يقدر أمرا، ثم يبدو له فيعدل عنه». إن القول بالنسخ في الشريعة بعيد كل البعد عن فكرة البداء التي قالت بها الفرق الغالية. فالله قد أنزل الكتاب على رسوله حلال أكثر من عشرين عاما. ولقد تعلم المسلمون أحكام الشريعة خلال هذه الأعوام، ونزل عليهم من الأحكام في مختلف الظروف ما اقتضت الحكمة الإلهية خفيفة أو تعديله، رعاية لصالح المجتمع الإنساني.
يقول الزركشي: «والعلم به عظيم الشأن، وقد ألف فيه جماعة كثيرون منهم قتادة بن دعامة السدوسى (وكان من التابعين توفي عام 188 هـ)، وأبو سيد القاسم بن سلام (توفي عام 223 هـ). وأبو داود السجستاني (توفي عام 215 هـ)، وأبو جعفر النحاس (المتوفي عام 338 هـ)، وهبة الله بن سلام (المتوفي 410 هـ) وابن العربي (صاحب كتاب أحكام القرآن، توفي عام 546 هـ)، وابن الخوزي (المتوفي عام 597 هـ، وابن الأنباري (المتوفي عام 328 هـ) ومكي بن أبي طالب المتوفي عام 313 هـ). (1)
(1) الرمان، ج 2، ص 28.
فهذا العدد الكبير من المؤلفين في مختلف العصور، قد اهتموا بهذا العلم.
وهم ينتمون إلى مذاهب فقهية مختلفة، وكذلك كانت إقامتهم في أقاليم مختلفة من العالم الإسلامي.
وينقل الزركشي أيضا أن الامام علي بن أبي طالب قال لقاصّ: «أتعرف الناسخ والمنسوخ؟» قال: الله أعلم. فقال علي: هلكت وأهلكت (1)».
معرفة الناسخ والمنسوخ إذن علم يجب على الفقيه أن يحيط به قبل التصدي لاستنباط الأحكام من الشريعة الإسلامية. وكما قيل بوجود النسخ في القرآن الكريم قيل أيضا بوجوده في السنة النبوية.
وقسم بعض العلماء النسخ إلى ثلاثة أنواع:
1 -
ما نسخ تلاوته وبقي حكمه، فيعمل به إذا تلقته الأمة بالقبول.
فيروى أن سورة النور كانت بها آية هي:
الشّيخ والشّيخة إذا زنيا فارجموهما البتّة نكالا من الله.
وأن تلاوة هذه الآية قد نسخت وبقي حكمها. وكثير من العلماء يرى أن هذا القول كان من أحاديث الرسول، ولم يثبت بالتواتر أنه من القرآن الكريم، فلا معنى لأن يكون في القرآن الكريم ما تنسخ تلاوته ويبقى حكمه.
2 -
ما نسخ تلاوته وحكمه، فلا يجوز قراءته ولا العمل به. وهذا أيضا مما لم تثبت نسبته إلى القرآن الكريم، فكل ما يروى في ذلك أخبار آحاد لم يجتمع على نقلها وروايتها جمع من المسلمين كما هو الحال في مصحف عثمان.
3 -
ما نسخ حكمه وبقي تلاوته. وهذا هو النسخ الذي يسلم به كثير من
(1) المصدر السابق، ص 29.
العلماء، وقالوا عنه إنه غالبا يكون للتخفيف، فأبقيت التلاوة تذكيرا بالنعمة ورفع المشقة (1).
ويعرف الناسخ من نصين ينقض أحدهما الآخر، ويعلم أن أحدهما متأخر، وذلك بنص منقول عن الرسول، أو بإجماع الأمة.
يقول الشيخ محمد الخضري: «إذا ورد في الشريعة نصان متناقضان فلا بد أن يكون أحدهما منسوخا، إذ لا تناقض في الشريعة، والمنسوخ إنما هو المتقدم، ولا يعرف تقدم أحدهما وتأخر الثاني إلا بالنقل، وذلك إما أن يدل عليه لفظ الرسول نحو: «كنت نهيتكم عن زيارة القبور، ألا فزوروها» ، أو بإجماع الأمة على أن أحدهما متأخر ناسخ لأن الأمة معصومة من الخطأ، أو بأن يصرح الراوي بتاريخ الناسخ، كأن يقول:«سمعت عام الخندق كذا، وكان النص الآخر معلوما قبل ذلك (2)» .
وهناك أحوال يجب التحري قبل قبولها. فإذا قال صحابي: «كان الحكم كذا ثم نسخ» فلا يعتبر قوله هذا حجة إن لم ينص على سماع وتاريخ. ذلك لأن الصحابي قد يقول ذلك عن اجتهاد.
كذلك يجب أن ننتبه إلى أن ترتيب السور والآيات في المصحف ليس مطابقا لتاريخ النزول. فقد يوجد النص الناسخ في المصحف سابقا على النص المنسوخ.
ولما كانت الآيات غير مرتبة ترتيبا تاريخيا فتقدم الناسخ على المنسوخ في المصحف لا يدل على تقدم تاريخي. فالعبرة في تعيين الناسخ والمنسوخ ليس في تقدم نص المنسوخ على الناسخ في المصحف، بل في تقدمه عليه في تاريخ النزول.
وقد اختلف حول جواز نسخ السنة للقرآن، أو القرآن للسنة، فذهب الإمام الشافعي إلى أن القرآن لا ينسخ إلا بقرآن والسنة لا تنسخ إلا بسنة. ومن الفقهاء من رأى جواز نسخ السنة للقرآن، لأن القرآن والسنة متكاملان في النص على أحكام الشريعة.
(1) المصدر السابق، ص 39.
(2)
أصول الفقه، الطبعة الرابعة، ص 298.
والواقع أننا لو تأملنا هذا الامر لم نجد تناقضا بين أحكام القرآن وأحكام السنة النبوية. فالواقع أن السنة النبوية تشتمل على كثير من التفصيلات لأحكام مجملة وردت في القرآن الكريم. فالصلاة مثلا وهي ركن من أركان الدين ورد النص على وجوب أدائها في القرآن الكريم، أما كيفية أدائها فذلك مما لا يعرف إلا من السنة النبوية.
يقول الشيخ محمد أبو زهرة في هذا الشأن: «إن السنة هي المصدر الثاني للفقه الإسلامي. وهي مع هذا الاعتبار تالية للكتاب وتابعة له. فهي تبينه وتزيد أحكاما متصلة به ولذلك نقول إن الأحكام التي أتت بها السنة لها اتجاهات أربعة:
أولها: أن تكون بيانا للقرآن الكريم.
ثانيها: أنها تأتي بأحكام تثبت في القرآن بالنص، وزاد النبي صلى الله عليه وسلم في مواضعها أحكاما بوحي من الله تترتب عليها أو متصلة بها.
ثالثها: أن تأتي السنة بحكم ليس في القرآن نص عليه، وليس هو زيادة على نص قرآني.
رابعها: وهو ما ذكره الشافعي وهو الاستدلال بالسنة على الناسخ والمنسوخ من الأحكام القرآنية» (1).
ولقد بالغ بعض من تصدوا لدراسة الناسخ والمنسوخ فعدّوا أية زيادة للبيان أو التقييد تجيء في إحدى الآيات ناسخة للآية التي ورد فيها الحكم بلفظ الإطلاق أو العموم. ورفض الأصوليون الأخذ بهذا وعدوا بيان العموم أو تقييد المطلق من قبيل التفصيلات التي توضح الحكم وليست من قبيل النسخ. وتروى أمثلة كثيرة عن مغالاة بعض العلماء في الأخذ بفكرة النسخ. يقول الزركشي: «ومن ظريف ما حكي في كتاب هبة الله أنه قال في قوله تعالى:
وَيُطْعِمُونَ الطَّعامَ عَلى حُبِّهِ مِسْكِيناً وَيَتِيماً وَأَسِيراً (سورة الانسان: 8)
(1) محاضرات في مصادر الفقه الاسلامي، ص 143.
منسوخ من هذه الجملة «وأسيرا» ، والمراد بذلك أسير المشركين، فقرئ الكتاب عليه وابنته تسمع، فلما انتهى إلى هذا الموضع قالت:«أخطأت يا أبت في هذا الكتاب! فقال لها: وكيف يا بنية؟ قالت: أجمع المسلمون على أن الأسير يطعم ولا يقتل جوعا (1)» .
وينقل ابن العربي عن بعض الفقهاء أنّهم قالوا في قوله تعالى في سورة البقرة وَمِمَّا رَزَقْناهُمْ يُنْفِقُونَ*.
أنه منسوخ، فنظر إلى أنه لما كان بهذا الوجه فرضا سوى الزكاة، وجاءت الزكاة المفروضة فنسخت كل صدقة جاءت في القرآن، كما نسخ صوم رمضان كل صوم، ونسخت الصلاة كل صلاة (2)».
وهذا كما ترون ينطوي على نظرة خاطئة، فكلام الله يعني أن الإنفاق من الرزق الحلال مستحب، سواء أكان هذا الإنفاق للتصدق، أو إنفاقا على الأهل، ولا شأن لذلك بفريضة الزكاة المنصوص عليها. فهناك ألوان من المغالاة في افتعال هذا النوع من الدراسة عند بعض الباحثين.
ومن جهة أخرى يرفض بعض المحققين فكرة النسخ في القرآن الكريم، ومن هؤلاء أبو مسلم الأصفهاني. ويرون أن المقصود بالآية في قوله تعالى:
ما نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِها نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْها.
أن المقصود بالآية هنا هو المعجزة، ويرى هؤلاء أن ما يدّعى نسخه لا يتعذر التوفيق بينه، فلا ناسخ ولا منسوخ بل الأحكام جميعها متكاملة ثابتة (3) ومما هو جدير بالذكر أن الآيات التي تحتاج إلى التوفيق بينها تكاد لا تزيد عن عشرين آية، أمّا ما ورد سوى ذلك فهو من قبيل التفصيل لحكم عام أو التقييد لحكم مطلق، وليس مما ينطبق عليه معنى النسخ، أي الإزالة.
(1) البرهان، ج 2، ص 29.
(2)
أحكام القرآن، ج 1، ص 11.
(3)
ممن يميل إلى ذلك من فقهاء العصر الحاضر الشيخ محمد أبو زهرة.
انظر مصادر الفقه الاسلامي، ص 143، 144.