الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
-
3 - علوم القرآن: مفهومها وموضوعاتها
يمكن أن يفهم من عبارة علوم القرآن معنى واسع هو كل ما يتصل بالقرآن الكريم من دراسات، فيدخل في ذلك علم التفسير، وعلم القراءات، وعلم الرسم العثماني، وعلم إعجاز القرآن، وعلم أسباب النزول وعلم الناسخ والمنسوخ وعلم إعراب القرآن وعلم غريب القرآن، وعلوم الدين واللغة إلى غير ذلك.
وهذه الدراسات المتعددة التي تدور حول القرآن الكريم وتتناوله من مختلف جوانبه قد بدأت في الظهور منذ وقت مبكر من تاريخ الفكر الإسلامي.
وإذا رجعنا إلى كتاب الفهرست لابن النديم، وهو الذي يذكر المؤلفين والكتب التي ألفوها حتى القرن الرابع الهجري نجد أنه يذكر لنا أنواعا مختلفة من الدراسات القرآنية، وعددا كبيرا من الكتب التي ألفت فيها.
فمن الأنواع التي ذكرها: كتب التفسير، والكتب المؤلفة في معاني القرآن ومشكله ومجازه، والكتب المؤلفة في غريب القرآن، والكتب المؤلفة في لغات القرآن والكتب المؤلفة في القراءات، والكتب المؤلفة في النقط والشكل للقرآن، والكتب المؤلفة في لامات القرآن، والكتب المؤلفة في الوقف والابتداء ضمن القرآن والكتب المؤلفة في اختلاف المصاحف، والكتب المؤلفة في وقف التمام، والكتب
المؤلفة في متشابه القرآن، والكتب المؤلفة في هجاء المصاحف، والكتب المؤلفة في مقطوع القرآن وموصوله، والكتب المؤلفة في أجزاء القرآن، والكتب المؤلفة في فضائل القرآن، والكتب المؤلفة في عدد آي القرآن، والكتب المؤلفة في ناسخ القرآن ومنسوخه، والكتب المؤلفة في نزول القرآن، والكتب المؤلفة في أحكام القرآن، والكتب المؤلفة في معان شتى من القرآن.
كل هذه الأبحاث كانت موضوعا لكثير من المؤلفات في فترة لم تتجاوز عام 377 هـ، وهو عام الانتهاء من كتاب الفهرست لابن النديم. وقد زادت القرون التالية على ما ذكره صاحب الفهرست ألوفا من المؤلفات التي تتناول بالدراسة كتاب الله العزيز.
وقد فهم بعض الباحثين من عبارة «علوم القرآن» مفهوما ينطوي على كثير من التجوز والتأويل. ذلك لأنّهم يرون أن علوم القرآن تعني كل ما يمكن أن يشير إليه من مختلف المعارف وما يدل عليه من المعلومات. وقد ظهر ذلك في اتجاه بعض المحدثين إلى محاولة ربط القرآن بما تطور في زماننا هذا من علوم تجريبية وما ظهر من مخترعات آلية. وليس هذا الاتجاه مما يخدم الدراسات القرآنية، ولا يجوز أن يقحم على كتاب الله المعجز. فماذا يكون لو ربطنا بالتأويل البعيد بين نظرية علمية اشتهرت وبين نص قرآني، ثم ظهر بطلان هذه النظرية، كما يحدث في كثير من الأحيان.
وقد كتب في هذا الموضوع أستاذ فاضل من أساتذة الأزهر هو الشيخ محمد الزرقاني كلاما أحبّ أن أنقله لكم لأطلعكم على رأي رجل متنور من رجال الدين حول هذا الموضوع.
يقول: «إن القرآن كتاب هداية وإعجاز، من أجل هذين المطمحين نزل، وفيهما تحدث، وعليهما دل، فكل علم يتصل بالقرآن من ناحية قرآنيته، أو يتصل به من ناحية هدايته وإعجازه فذلك من علوم القرآن. وهذا ظاهر في العلوم الدينية والعربية.
أما العلوم الكونية، وأما المعارف والصنائع، وما جدّ أو يجدّ في العالم من فنون ومعارف كعلم الهندسة والحساب، وعلم الهيئة والفلك، وعلم الاقتصاد والاجتماع، وعلم الطبيعة والكيمياء، وعلم الحيوان والنبات، فإن شيئا من ذلك لا يجمل عده من علوم القرآن. لأن القرآن لم ينزل ليدلل على نظرية من نظريات الهندسة مثلا، ولا ليقرر قانونا من قوانينها، وكذلك علم الهندسة لم يوضع ليخدم القرآن في شرح آياته أو بيان أسراره. وهكذا القول في سائر العلوم الكونية والصنائع العالمية، وإن القرآن قد دعا المسلمين إلى تعلمها وحذقها والتمهر فيها خصوصا عند الحاجة إليها، وإنما قلنا: إنه لا يجمل اعتبار علوم الكون وصنائعه من علوم القرآن مع أن القرآن يدعو إلى تعلمها، لأن هناك فرقا كبيرا بين الشيء يحث القرآن على تعلمه في عموماته أو خصوصاته، وبين العلم يدل القرآن على مساءلة ويرشد إلى أحكامه
…
»
فالخلاصة أنّ القرآن الكريم يحث الإنسان على طلب العلم ويدعوه إلى النظر والتأمل في حقائق الكون، لكنه لا يقصد الى تعليم المؤمنين تفصيلات المعارف الكونية. ومن هنا كان الزج بهذه المعارف في تفسير القرآن من باب التأويل الذي قد يسيء إلى نصوص الكتاب الكريم، وإن حسنت نية الساعي إلى هذا التأويل.
وقد كان المرحوم الأستاذ أمين الخولي يؤكد هذا المعنى دائما في محاضراته عن القرآن الكريم بجامعة القاهرة.
وقد استقل بذاته كثير من علوم القرآن، أي الدراسات التي ارتبطت به، لوفرة ما كتب فيها من مؤلفات ولغزارة المادة التي عالجتها، فأصبحت عبارة علوم القرآن في مفهومها الخاص تقتصر على جانب معين من هذه الدراسات. لقد أصبح مجالها مقتصرا على أبحاث تتعلق بالقرآن الكريم من ناحية نزوله وترتيبه وجمعه وكتابته وقراءته وتفسيره وإعجازه وناسخه ومنسوخه، ومحكمه ومتشابهه، ونحو ذلك.
وهذا المعنى الخاص هو الذي سيكون موضوع محاضراتنا هذا العام، إلى جانب ما ندرسه من آيات القرآن الكريم.