الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
وقد فسرت وَيَمُدُّهُمْ بأنه يعني ويمهلهم، لكن يعترض على ذلك بأنه لو كان يعني الإمهال لقال «ونمدّ لهم» .
16 - أُولئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلالَةَ بِالْهُدى فَما رَبِحَتْ تِجارَتُهُمْ وَما كانُوا مُهْتَدِينَ
.
الضلالة هي الخروج عن القصد وفقد الاهتداء، واستعير للذهاب عن الصواب في الدين. واشتراء الضلالة بالهدى اختيارها عليه، واستبدالها به. فإن قيل:
كيف اشتروا الضلالة بالهدى وما كانوا على هدى؟ والجواب أنهم جعلوا لتمكنهم من الهدى كأنه في أيديهم، فإذا تركوه ومالوا إلى الضلالة فقد استبدلوها به.
إن الهدى كان ميسرا لهم، فقد جاءتهم دعوة الحق فأعرضوا عنها. أما قوله:
فَما رَبِحَتْ تِجارَتُهُمْ فهو مما يقوي أمر المجاز ويحسنه، فلا ربح هنا ولا تجارة، وإنما تستكمل الصورة البيانية بهذه العبارة. لقد حسبوا الضلالة كسبا، فخسروا في هذا الحساب، ولم يقف الأمر عند حرمانهم من الربح، بل إنهم خسروا رأس مالهم وهي عقولهم، فلم تعد هذه العقول قادرة على الاهتداء إلى العقائد الصحيحة، بل أصابها ما
جعلها عاجزة عن كسب تلك العقائد.
17 - مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ ناراً فَلَمَّا أَضاءَتْ ما حَوْلَهُ ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ وَتَرَكَهُمْ فِي ظُلُماتٍ لا يُبْصِرُونَ
.
يتحدث الرازي عن الأمثال في القرآن فيقول: «المقصود من ضرب الأمثال
أنها تؤثر في القلوب ما لا يؤثره وصف الشيء في نفسه، وذلك لأن الغرض من المثل تشبيه الخفي بالجلي، والغائب بالشاهد، فيتأكد الوقوف على ماهيته، ويصير الحس مطابقا للعقل، وذلك هو النهاية في الإيضاح
…
... ولهذا أكثر الله تعالى في كتابه المبين، وفي سائر كتبه أمثاله. قال تعالى:
وَتِلْكَ الْأَمْثالُ نَضْرِبُها لِلنَّاسِ.
مثل هؤلاء المنافقين كمثل رجل تائه في ظلمات البيداء استوقد نارا يهتدي بها، فلما أضاءت ما حوله أطفأها الله. لقد كان هؤلاء المنافقون حيارى يتخبطون، فتظاهروا بالإيمان ليسلموا من القتال ويحققوا المغانم، فكان فعلهم هذا كفعل التائه الذي استوقد نارا، وما كادوا يركنون إلى هذا الوضع الزائف حتى فضحهم الله وكشف أمرهم، وذهب بنورهم الذي استوقدوه- بإظهار الإيمان- وتركهم كما كانوا حيارى في ظلمات جهلهم وضلالهم يتخبطون.
أما تشبيه الجماعة بالواحد في هذا المثل فيمكن أن يؤول على وجوه متعددة:
(أولها) أن يكون المراد جنس المستوقدين، أو أريد الجمع أو الفوج الذي استوقد نارا. (وثانيها) أن المنافقين وذواتهم لم يشبهوا بذات المستوقد حتى يلزم منه تشبيه الجماعة بالواحد، وإنما شبهت قصتهم بقصة المستوقد ومثله قوله تعالى:
مَثَلُ الَّذِينَ حُمِّلُوا التَّوْراةَ ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوها كَمَثَلِ الْحِمارِ
…
الإضاءة فرط الإنارة، كما يظهر من قوله تعالى:
هُوَ الَّذِي جَعَلَ الشَّمْسَ ضِياءً وَالْقَمَرَ نُوراً أما النور فهو ضوء كل نيّر، واشتقاقه من النار.