الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
-
6 - لماذا نزل القرآن منجّما
ننتقل الآن إلى مبحث مهم من المباحث القرآنية، نحاول فيه أن ندرك السر الكامن وراء نزول القرآن منجما على الرسول الكريم. والواقع أن اليهود والمشركين كانوا ينعون على الرسول أن القرآن لم ينزل عليه جملة واحدة. وهناك آيات كريمة تحكي أقوالهم وترد عليها بالحجة الدامغة. ومن هذه الآيات نستطيع أن نستخلص بعض الأسرار الكامنة وراء نزول القرآن منجما. كما أن هناك أمورا تدرك بالعقل والاجتهاد. ومن الملحوظ أن هذا الأمر كان مجالا لاجتهاد مختلف الباحثين الذين ساقوا الحجج المختلفة في بيان حكمة التنجيم، وأضافوها الى ما يمكن أن يستفاد من النصوص القرآنية. وربما أسرف بعضهم في التكلّف، ولهذا يجب الحذر عند بحث هذا الموضوع والابتعاد عن الإسراف في افتعال الحجج، فالأمر واضح الى حد بعيد.
قال تعالى:
وَقُرْآناً فَرَقْناهُ لِتَقْرَأَهُ عَلَى النَّاسِ عَلى مُكْثٍ وَنَزَّلْناهُ تَنْزِيلًا وقال الله تعالى:
وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلا نُزِّلَ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ جُمْلَةً واحِدَةً، كَذلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤادَكَ، وَرَتَّلْناهُ تَرْتِيلًا في هاتين الآيتين الكريمتين إشارات إلى اعتراض الكفار على نزول القرآن مفرقا، ورد عليهم يبين ألوانا من الحكمة الكامنة وراء هذا الأمر.
ففي الآية الأولى إشارة إلى أن الله كان رفيقا برسوله وبالمؤمنين، فأنزل القرآن مفرقا ليسهل على الرسول حفظه، وليقرأه على الناس على مكث، قراءة المتأني، حتى يستطيعوا حفظه واستيعابه. إن آيات القرآن الكريم قد حوت من الحكم العالية والأسرار والتشريع ما لا يسهل استيعابه لو نزل القرآن دفعة واحدة. ومن هنا جعل التنجيم مجال الحفظ والتدبر واسعا أمام الرسول الكريم، وصحبه الذين كانوا يكتبون ما يوحى إليه ويحفظونه. ولقد كان الكتاب في المجتمع العربي الناشئ قلة نادرة، كما أن أدوات الكتابة كانت قليلة. فكيف كان مثل هذا المجتمع يستطيع تسجيل القرآن وحفظه لو نزل عليهم دفعة واحدة.
أما الآية الثانية فتبين أن نزول القرآن مفرقا إنما كان لتثبيت قلب الرسول، فكم كان يلقى من عنت المشركين في مكة إبان سنوات الدعوة. ولقد ظل ثلاثة عشر عاما يدعو قومه إلى الإيمان، فلم يؤمن به إلا القلة، مما اضطره إلى الهجرة إلى المدينة. وفي المدينة قضى أعواما كلها كفاح ضدّ الكفر والشرك، وحفلت بغزوات كان الكثير منها مجهدا، اقتضى من الرسول عملا دائبا، وسعيا لا يلين من أجل إحقاق الحق ورفع كلمة الله.
إن الرسول وأصحابه في سنوات الدعوة التي انقضت قبل الهجرة كانوا في أشد الحاجة إلى ما يثبت قلوبهم أمام ما كانوا يلقون من عنت واضطهاد. ونرى كثيرا من الآيات الكريمة يتحدث عن تثبيت قلوب المؤمنين. ومن الطبيعي أنهم كانوا بحاجة إلى ما يقويهم أكثر من صاحب الرسالة، معلمهم وهاديهم. قال تعالى:
قُلْ نَزَّلَهُ رُوحُ الْقُدُسِ مِنْ رَبِّكَ بِالْحَقِّ لِيُثَبِّتَ الَّذِينَ آمَنُوا (النحل: 102) وقال:
وَلِيَرْبِطَ عَلى قُلُوبِكُمْ وَيُثَبِّتَ بِهِ الْأَقْدامَ (الأنفال: 11) وتشير آية كريمة إلى مؤازرة الوحي للرسول في محنته مع الكفار هي قوله تعالى:
وَلَوْلا أَنْ ثَبَّتْناكَ لَقَدْ كِدْتَ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ شَيْئاً قَلِيلًا (الاسراء: 74) ومن قبيل التثبيت أيضا ما حفلت به آيات الكتاب الكريم من تعزية للرسول، تدعيم له في مواقفه، فكان بعضها يدعوه إلى الصبر الجميل، كمثل قوله تعالى:
وَاصْبِرْ عَلى ما يَقُولُونَ وَاهْجُرْهُمْ هَجْراً جَمِيلًا (المزمل: 10) وقوله:
فَاصْبِرْ كَما صَبَرَ أُولُوا الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ (الأحقاف: 35)
وبعضها كان يسري عن نفسه ما ينالها من الحزن، مثل قوله تعالى:
فَلا يَحْزُنْكَ قَوْلُهُمْ إِنَّا نَعْلَمُ ما يُسِرُّونَ وَما يُعْلِنُونَ (يس: 75) وقوله تعالى:
وَلا يَحْزُنْكَ قَوْلُهُمْ إِنَّ الْعِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعاً (يونس: 65) إن نزول الوحي منجما في سنوات الكفاح من أجل نشر الإسلام كان بحق معينا للرسول على النهوض بأعباء رسالته العظيمة، مقويا له، آخذا بيده. كما كان المؤمنون الأولون يستمدون من تكرار نزول الوحي العزم والقوة كلما أظلمت الأيام وقست عليهم الحوادث.
من حكم التنجيم في النزول أيضا أن القرآن كتاب هداية، نزل على الرسول ليخرج به الناس من الظلمات إلى النور. لقد كان يهدف إلى تعليم الناس. ومجتمع الجاهلية بما شاع فيه من المفاسد والتخلف ما كان ليستطيع أن يتلقى حكمة الكتاب الكريم دفعة واحدة، فعقول الناس ما كانت لتستطيع أن تستوعب هذا الفيض الغامر من الحكمة الإلهية. فنزول الآيات منجمة، وتلاوتها على الناس كان من قبيل التعليم التدريجي لهذا المجتمع الجاهل المتخلف. قال تعالى:
كَما أَرْسَلْنا فِيكُمْ رَسُولًا مِنْكُمْ يَتْلُوا عَلَيْكُمْ آياتِنا وَيُزَكِّيكُمْ وَيُعَلِّمُكُمُ الْكِتابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُعَلِّمُكُمْ ما لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَ (البقرة: 151)
وقال سبحانه:
لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ يَتْلُوا عَلَيْهِمْ آياتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ (آل عمران: 164) فالتدرج في تعليم المجتمع كان من النتائج التي تحققت بنزول القرآن منجما.
أما الجانب الاجتماعى للرسالة المحمدية فقد تمثل على أوضح صورة في نزول آيات الأحكام، تلك التي وضعت الأسس لتنظيم العلاقات بين الأفراد وإرساء قواعد المجتمع الصالح. وقد قضت الإرادة الإلهية أن يتم هذا الإصلاح الاجتماعي بصورة تدريجية.
لقد تطورت الشريعة بهذا المجتمع فسنّت له الأحكام المختلفة. وكان كل حكم ينظم جانبا من حياة المجتمع، أو يحرّم بعض الرذائل التي كانت شائعة فيه.
لم يكن من الممكن أن ينقلب مجتمع فاسد بين عشية وضحاها إلى مجتمع صالح.
وقد تجلى هذا التدرج في تتابع نزول الأحكام من ناحية، وفي نسخ بعض الأحكام التي كانت قد نزلت مجاراة لصالح المجتمع الإسلامي. وهناك من الرذائل الاجتماعية ما قضى الإسلام بتحريمه بغير تدرج في هذا التحريم مثل تحريم الزنا. وهناك أمور حرّمت بالتدريج مثل الخمر. ومهما يكن الأمر، فإن شريعة الإسلام أخذت بيد المجتمع تنقله من مرحلة الى مرحلة حتى أرست له قانونا سماويا لا يضل من اتبعه.