الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
-
2 - كلام الله، ومعناه عند المتكلمين
حينما تأثرت الحضارة الإسلامية بفلسفة اليونان، وبدأ ظهور علم الكلام مستخدما المنطق والفلسفة في تفسير بعض مسائل العقيدة، ظهرت مشكلة كان لها أثرها العميق في حياة المجتمع الإسلامي، وتلك هي مشكلة خلق القرآن.
إنّ المعتزلة، كما تعلمون، وضعوا مفهوما للوحدانية، قائما على أنّ الله أزلي بذاته، وليس هناك من أزليّ سواه. فصفات الله من علم وقدرة هي عين الذات.
فالله عليم بعلم هو ذاته قدير بقدرة هي ذاته وهكذا. وكان مذهبهم يقضي بأنّ وجود صفات أزلية منفصلة عن الذات يعني أنّ هناك ما هو أزلي إلى جانب الخالق.
ومن هنا جاء قولهم بنظرية خلق القرآن. فالكلام- عندهم- لا يمكن أن يكون صفة أزلية من صفات الله وإلا كان أزليا مع الله. ثم إن القرآن يقرأ بالحناجر، ويكتب على الورق وليس من المستطاع أن يتعلق أزليّ بفان. وتعلمون أن هذه النظرية قد راقت الخليفة المأمون الذي كان يميل إلى الاعتزال فحاول فرضها على الناس بالقوة. وممن رفض القول بها أحمد بن حنبل، ولقي من جراء ذلك محنته المشهورة. وكان نفي الصفات هذا على النقيض مما كان يعتقده أهل السنة.
فالشهرستاني قد ذكر أنّ كثيرا من السلف قد أثبت لله تعالى صفات أزلية من العلم والقدرة والإرادة والسمع والبصر وغيرها.
ولما كان المعتزلة ينفون هذه الصفات فقد سموا معطّلة. ولم يلبث المعتزلة أن شربوا من الكأس التي شرب منها خصومهم، حينما ولي المتوكل الخلافة، وكان يدين بمعتقدات أهل السنة. وهنا ساد القول بأن القرآن غير مخلوق، وبالغ بعض القائلين بهذا الرأي فأصروا على أنّ فكرة أنه غير مخلوق تشمل النسخ المكتوبة من القرآن بالحروف المرسومة فوق الورق، وأن القرآن المقروء للصلاة والمتلو الخارج من حناجر المؤمنين لا يختلف عن كلام الله الأزلي غير المخلوق.
ووقف الأشاعرة والماتريدية من هذه القضية موقفا وسطا، فكلام الله الأزلي هو الكلام النفسي أي الصفة الأزلية لله التي ليس لها بدء ولا يكون لها انقطاع. يقول الماتريدي: «إذا تساءلنا ما هو المكتوب في نسخ القرآن؟ نقول هو كلام الله. والذي يتلونه في المساجد والذي يتلفظونه من الحناجر هو أيضا كلام الله. لكن الحروف المكتوبة والأصوات والترتيل، كل ذلك مخلوق. «أما الأشعري فيقول بأنّ هذا الذي يظهر مكتوبا في نسخة القرآن ليس كلام الله الأزلي ولكنه تبليغ عن كلام الله الأزلي. يرى الأشعري أنّ كلام الله يطلق إطلاقين كما هو الشأن في الإنسان، فالإنسان يسمى متكلما باعتبارين: أحدهما بالصوت، والآخر بكلام النفس الذي ليس بصوت ولا حرف وهو المعنى القائم بالنفس، الذي يعبر عنه بالألفاظ.
فإذا انتقلنا من الإنسان إلى الله، رأينا أن كلامه تعالى يطلق بهذين الإطلاقين:
المعنى النفس وهو القائم بذاته، وهو الأزلي القديم، وهو لا يتغير بتغير العبارات، ولا يختلف باختلاف الدلالات، وهذا الذي نريده إذا وصفنا كلام الله بالقدم
…
أما القرآن- بمعنى المقروء المكتوب- فهو بلا شك كما يقول المعتزلة حادث مخلوق فإن كل كلمة تقرأ تنقضي بالنطق بما بعدها، فكل كلمة حادثة، فهكذا المجموع المركب منها» (1).
وهكذا جرّت البراهين العقلية الجافة التي أريد لها أن تفسر العقيدة إلى جدل عقيم. إنّ العقيدة الإسلامية في وضوحها وبساطتها لم تكن بحاجة إلى مثل هذه
(1) أحمد أمين: ضحى الاسلام، ص 3، ص 40، 41.
المجادلات المنطقية، التي بلبلت أفكار المجتمع الإسلامي، وأشاعت الفرقة بين أبنائه في حقب مختلفة.
ونحن اليوم في عصر العلم لا نشعر بالحاجة إلى مثل هذه البراهين لكي نؤمن بأن القرآن كلام الله المنزل على رسوله. فالإيمان بالوحي جزء من الإيمان بالغيب، وهذا من مقتضيات الإيمان الصحيح. إنّ الإنسان لم يمنح العلم بجميع الأسرار، وقدرته على المعرفة لم تمتد إلا إلى قدر ضئيل من العالم المادي، فكيف يمكنه ادعاء الإحاطة بما وراء هذا العالم من أمور لا يتناولها الحس، ولا يحيط بكنهها العقل.