الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
الاستفتاح بحروف التهجي
يحتاج هذا النوع من الاستفتاح لأن نقف عنده وقفة خاصة محاولين أن نرى بعض ما نقل عن الأقدمين في إيضاح أسراره.
لقد افتتحت بعض سور القرآن الكريم بحروف التهجي، نحو الم، المص، الر، كهيعص، طه، طس، حم، حمعسق، ق، ن، وقد وقع هذا في تسع وعشرين سورة.
وقد تراوح عدد الأحرف التي افتتحت بها هذه السور بين ثلاثة وخمسة.
ومنها ما افتتح بحرف واحد.
وقد أسرف المفسرون في استقصاء أنواع الحروف، ومحاولة النفاذ الى ما يكمن وراءها من أسرار. وحاول بعضهم دراسة قيمتها العددية أو الحديث عن خصائصها الصوتية.
وقد اختلف البصريون والكوفيون حول اعتبار هذه الحروف آيات أو عدم اعتبارها. فأما البصريون فلم يعدوا شيئا منها آية وأما الكوفيون، فقد عدوا بعضها آيات، أما البعض الآخر فلم يعدوه من الآيات. وعندهم أن ما قالوه علم توقيفي لا مجال للقياس فيه.
أما بالنسبة لتفسير معانيها فقد سلك العلماء إزاءها مسلكين:
أحدهما: أنها علم مستور وسر محجوب استأثر الله به. وينسب أصحاب هذا الرأي إلى الصديق أنه قال: «في كل كتاب سر، وسرّه في القرآن أوائل السور» . كما يروى عن الشعبي أنه قال: «إنها من المتشابه، نؤمن بظاهرها ونكل العلم فيها إلى الله عز وجل (1)» .
وثانيها: وهو اتجاه المتكلمين الذين ذهبوا إلى أنه لا يجوز أن يرد في كتاب
(1) الزركشي، ج 1 ص 173.
الله ما لا يفهمه الخلق، لأن الله تعالى أمر بتدبره، والاستنباط منه، وذلك لا يمكن إلا مع الإحاطة بمعناه (1).
فإذا انتقلنا إلى وجوه التفسير التي رويت عن هؤلاء وجدنا الكثير. ويذكر الزركشي وحده عشرين وجها. ومن قبله أفاض الطبري في تعداد الوجوه المنقولة عن أئمة التفسير من الصحابة والتابعين. وجاء بعض المستشرقين في الوقت الحاضر وحاولوا تقديم تفسيرات لهذه الحروف، وكذلك فعل بعض المحدثين من الدارسين المسلمين.
1 -
ومن أوجه الآراء التي قرأتها بين هذه النقول أن هذه الأحرف أسماء للسور. فهذه الأحرف وضعت لتمييز السور بعضها عن بعض. وقد نقل الزمخشري ذلك عن كثير من العلماء، كما أن سيبويه نص على ذلك الرأي في كتابه.
ووصفه فخر الدين الرازي بأنه قول أكثر المتكلمين.
ومما يعترض به على ذلك أن بعض هذه الحروف قد ورد في افتتاح أكثر من سورة واحدة. فهناك مثلا الم. ذلِكَ الْكِتابُ (البقرة) الم. اللَّهُ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ (آل عمران) وردّ على ذلك بأن ما جاء بعد «الم» يميز السورتين إحداها عن الأخرى، كما يميز الاسم الواحد لشخصين بما لكل منهما من صفات، فيقال زيد النحوي وزيد الفقيه.
(1) المصدر السابق.
2 -
ومن الآراء المعقولة أيضا أن هذه الحروف ذكرت لتدل على أن القرآن مؤلف من حروف الهجاء، فجاء بعضها مقطعا، وجاء تمامها مؤلفا ليدل القوم الذين أتى القرآن بلغتهم على أن هذا القرآن المعجز مركب من الحروف التي يعقلونها ويبنون كلامهم منها.
3 -
ومن الآراء المعقولة أيضا أن هذه الحروف قصد بها جذب انتباه العرب لاستماع القرآن. يقول الزركشي: «إن العرب كانوا إذا سمعوا القرآن لغوا فيه.
وقال بعضهم:
لا تَسْمَعُوا لِهذَا الْقُرْآنِ وَالْغَوْا فِيهِ (فصلت: 26) فأنزل الله هذا النظم البديع ليعجبوا منه ويكون تعجبهم سببا لاستماع ما بعده فترق القلوب، وتلين الأفئدة.
هذه تأويلات بدت لي معقولة بين ركام ضخم من التأويلات، لم أر داعيا لتكرارها هنا، فليرجع إليها من يشاء في كتاب الزركشي أو في تفسير الطبري.
ومن الطريف أن بعض المستشرقين وكذلك بعض الكتاب المحدثين أدلوا بدلوهم في تفسير هذه الحروف. لكني لم أجد فيما قالوا به ما يستند الى أساس معقول، اللهم إلا إن كان راجعا لواحد من هذه الآراء التي أسلفت ذكرها.