الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
ولا حرج» فيما قد يجوّزه العقل، فأما فيما تحيله العقول، ويحكم فيه بالبطلان، ويغلب على الظنون كذبه، فليس من هذا القبيل والله أعلم». (1)
دخول ابن كثير في المناقشات الفقهية
نلاحظ في تفسير ابن كثير انه كان يدخل في المناقشات الفقهية، فيذكر أقوال العلماء، ويسرد أدلتهم، ويوضّح آراءهم عند ما يشرح آية من آيات الاحكام، فمثلا عند تفسيره لقول الله تعالى شَهْرُ رَمَضانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدىً لِلنَّاسِ وَبَيِّناتٍ مِنَ الْهُدى وَالْفُرْقانِ، فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ، وَمَنْ كانَ مَرِيضاً أَوْ عَلى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ، يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ. (2)
نراه يورد أقوال الفقهاء: «وهاهنا مسائل تتعلق بهذه الآية (إحداها) أنه قد ذهب طائفة من السلف إلى أن من كان مقيما في أول الشهر ثم سافر في أثنائه فليس له الافطار بعذر السفر، والحالة هذه لقوله فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ وإنما يباح الافطار لمسافر استهل الشهر وهو مسافر. ثم يبدي ابن كثير رأيه بقوله: وهذا القول غريب نقله أبو محمد بن حزم في كتابه المحلّى عن جماعة من الصحابة والتابعين، وفيما حكاه عنهم نظر والله أعلم، فإنه قد ثبتت السنة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه خرج في شهر رمضان لغزوة الفتح، فسار حتى بلغ الكديد ثم أفطر، وأمر الناس بالفطر، أخرجه صاحبا الصحيح. ويستمر في
(1) تفسير ابن كثير ج 4
(2)
سورة البقرة
؟ رد أقوال الفقهاء
…
(الثانية) ذهب آخرون من الصحابة والتابعين إلى وجوب الإفطار في السفر لقوله فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ والصحيح قول الجمهور أن الأمر في ذلك على التخيير وليس بحتم لأنهم كانوا يخرجون مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في شهر رمضان، قال: فمنا الصائم ومنا المفطر فلم يعب الصائم على المفطر، ولا المفطر على الصائم، فلو كان الافطار هو الواجب لأنكر عليهم الصيام، بل الذي ثبت من فعل رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه كان في مثل هذه الحالة صائما لما ثبت في الصحيحين عن أبي الدرداء قال: خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في شهر رمضان في حرّ شديد حتى إن كان أحدنا ليضع يده على رأسه من شدة، وما فينا صائم إلا رسول الله (صلى) وعبد الله بن رواحة. (الثالثة) قالت طائفة منهم الشافعي: الصيام في السفر أفضل من الافطار لفعل النبي (صلى) كما تقدم، وقالت طائفة: بل الافطار أفضل أخذا بالرخصة ولما ثبت عن رسول الله (صلى) أنه سئل عن الصوم في السفر فقال: «من أفطر فحسن ومن صام فلا جناح عليه» وقال في حديث آخر «عليكم برخصة الله التي رخص لكم» وقالت طائفة هما سواء لحديث عائشة أن حمزة بن عمرو الأسلمي قال: يا رسول الله إني كثير الصيام، أفأصوم في السفر؟
فقال: «إن شئت فصمّ وإن شئت فأفطر» ، وهو في الصحيحين، وقيل إن شق الصيام فالإفطار أفضل لحديث جابر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم رأى رجلا قد ظلل عليه فقال:«ما هذا» ؟ قالوا صائم فقال: «ليس من البرّ الصيام في السفر» أخرجاه، فأما إن رغب عن السنّة ورأى أن الفطر مكروه إليه، فهذا يتعين عليه الافطار، ويحرم عليه
الصيام، والحالة هذه لما جاء في مسند الإمام أحمد وغيره عن ابن عمر وجابر وغيرهما: من لم يقبل رخصة الله كان عليه من الإثم مثل جبال عرفه (الرابعة) القضاء هل يجب متتابعا، أو يجوز فيه التفريق؟
فيه قولان: (أحدهما) أنه يجب التتابع لأن القضاء يحكي الأداء (والثاني) لا يجب
التتابع بل إن شاء فرّق وإن شاء تابع، وهذا قول جمهور السلف والخلف، وعليه ثبتت الدلائل، لأن التتابع إنما وجب في الشهر لضرورة أدائه في الشهر، فأما بعد انقضاء رمضان، فالمراد صيام أيام عدّة ما أفطر، ولهذا قال تعالى فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ ثم قال تعالى:
يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ (1) وبهذا يتضح لنا أن ابن كثير كان يخوض في خلافات الفقهاء، عن دراية وعلم، وحسن اطلاع وتدقيق وضبط، ساردا أدلتهم، شارحا مذاهبهم، كلما تكلم عن آية من آيات الأحكام، ومع ذلك فهو لا يسرف كما أسرف غيره من الفقهاء المفسرين.
وتفسير ابن كثير بعمومه، من خير كتب المأثور، بأسلوب لم يؤلف فيه على نمطه مثله.
(1) تفسير ابن كثير ج 1