الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
-
17 - التفسير والمفسرون
تفسير القرآن هو الكلام في شرح نصوصه بما يبين عن معانيه. لكن هذا التعريف الموجز يحتاج إلى كثير من الشرح والتحليل.
إن شرح أيّ نص أدبي يكون له مستوى معقول من الإبداع أمر يكتنفه كثير من الصعوبات. فهناك الفهم اللغوي للنص، وهناك بعد ذلك ما يعنيه النص، وما يوحي به أو يرمز إليه. ومن أجل هذا نجد شرح النصوص الأدبية، كثيرا ما ينبثق عن ألوان مختلفة من الفهم لتلك النصوص. وأمامنا شراح دواوين كبار الشعراء، ومنهم من كان لديوانه أكثر من شراح، ففي الشروح نرى كيف اختلفت نظرة الشراح إلى النص الواحد، وبخاصة إذا أشارت ألفاظه إلى ألوان مختلفة من المعاني.
إن التعبيرات الأدبية لا تكون واضحة المعنى بمجرد النظرة الأولى إليها. فالأدباء لا يعبرون عن موضوعات الحياة بذات اللغة التي يعبّر بها العلماء. إن اهتمام العلماء يكون بنقل المضمون إلى السامع بأبسط ألوان التعبير اللغوي. فالحقائق وحدها هي الهدف المقصود في التعبير العلمي، أما التعبير الأدبي فجمال العبارة، وروعة الصور البيانية مقصودة بجانب ما ينطوي عليه النص الأدبي من مضمون.
ولسنا هنا نفرق بين اللفظ والمعنى، أو بين العبارة ومضمونها، لكنا ننبه إلى ضروب
التعبير في كل من العلم والأدب، وما يشيع في كل منهما من خصائص، تجعل تناولنا لنص أدبي مختلفا كل الاختلاف عن تناولنا لنص علمي.
وإذا جئنا إلى تفسير القرآن الكريم فالأمر هنا أخطر وأشق من تفسير نصوص الأدب.
هنا نقف أمام كتاب منزل ينطوي على ألوان مختلفة من المعارف التي أراد الله لعباده أن يتلقوها على يد رسوله.
1 -
في القرآن أحكام شرعية. وكثير من هذه الأحكام وردت مجملة في نص الكتاب الكريم. ولا سبيل إلى استيضاح معناها إلا بالرجوع إلى السنة النبوية، فهنا نجد أن أحكام الشريعة لا بد من الرجوع إلى قول الرسول فيها، حتى يتم استيضاح معانيها والإحاطة بكافة تفصيلاتها، على الوجه الأكمل. فيمكننا هنا أن نقول إن تفسير أحكام الشريعة لا بد لنا فيه من الأخذ عن الرسول، وتحري النقل الصحيح عنه وعن صحابته.
2 -
وفي القرآن آيات تنبئ عن مغيبات. من هذه مثلا قيام الساعة، وكيف يتم ذلك، وبعض تفصيلات عن هذا الموقف، وطبيعة الحساب ومواقفه، وغير ذلك، من الأمور
الغيبية التي يتحدث عنها القرآن الكريم، ولم يكن حديثه عن الكثير منها سوى مجرد ذكر لها، أو إشارة مجملة إليها لا تنطوي على تفصيلات وشروح لمن أراد لذلك تفصيلا وشرحا. هذه الأمور لا يستطيع أحد أن يقول فيها برأي. والرسول ذاته قد توقف عن تفسيرها. فموقف المفسر بالنسبة لها يجب أن يكون موقف المصدق لما أخبر به القرآن من غيبيات لا سبيل إلى استيضاحها بتفصيل الإجابة عما عساه ينشأ حولها من تساؤلات.
3 -
وفي القرآن آيات متشابهات، تعبر عن موضوعات يمكن الحديث فيها بنوع من التأويل. فهناك الآيات الكثيرة التي ورد بها ذكر يد الله أو وجهه أو استواؤه أو مجيئه. هذه الآيات- كما سبق أن ذكرنا في حديثنا عن المحكم والمتشابه- قد قوبلت بموقفين متعارضين من المسلمين. فبعض الأتقياء من السلف
الصالح قد رفضوا تفسيرها أو القول فيها برأي من الآراء. أما أتباع النظر العقلي من المعتزلة ومن تبعهم فقد أولوها، وكان موقفهم منها أن القرآن الكريم خاطب العرب بلغتهم، وأن على الإنسان أن يجتهد رأيه في تفسير مثل هذه الآيات، محاولا العلم بمعناها والإحاطة بمضمونها.
4 -
وفي القرآن الكريم آيات يفهمها العربي العالم بأصول اللغة العربية وقواعدها، المحيط بأساليبها البيانية، الذي أوتي إلى جانب العلم باللغة والبلاغة ذوقا أدبيا رفيعا، وكان على معرفة بأقوال السلف في تفسير القرآن، وهذه الآيات تكون واضحة الدلالة إلى حد بعيد عند من اتصف بمثل هذه الصفات، وتحلى بهذا اللون من المعارف.
5 -
وفي القرآن آيات تتحدث عن الأمم الغابرة ومن بعث إليها من الرسل، وتروي قصص هؤلاء الناس، وكيف كان منهم المكذبون، كما أن القرآن تضمن آيات عن خلق الكون وقصة آدم، وكثير من القصص لم يفصل الأحداث، فكان أن سأل العرب أهل الكتاب عما يعرفونه عن هذه القصص، وأمدهم هؤلاء بتفصيلات وقصص كان بعضها مستقى من العهد القديم أو من التلمود أو غيره من كتبهم، وأخذها بعض المفسرين وجعلوها قسما من تفسيرهم للقرآن. وقد عرفت هذه المادة المستقاة من أهل الكتاب بالإسرائيليات. ومثل هذه الإسرائيليات غريبة على النص القرآني ولا يجوز أن يقبل منها إلا ما كان متفقا تمام الاتفاق مع آيات القرآن الكريم. أما ما زاد على ما في هذه الآيات فلا يجوز قبوله، واعتباره جزءا من تفسير القرآن.
6 -
بعد الحديث عن تنوع آيات القرآن من حيث مضمونها، نأتي بعد ذلك إلى الأسلوب القرآني. ففي القرآن آيات تعبر عن المعاني بأسلوب صريح قاطع، ولا تحتمل في تفسيرها أكثر من معنى، ومنه آيات تحتمل الكثير من المعاني، وتقبل تأويلات متعددة.
كما أن من المفسرين من كان لا يقبل من التفسير إلا التفسير المروي عن الرسول أو الصحابة.
وكان منهم من رأى الاجتهاد في فهم نصوص القرآن بعد التسلح بأدوات الاجتهاد، وكان منهم من رأى أن للقرآن ظاهرا وباطنا، وجاء لكل آية بتفسير لا يرتبط بلفظ الآية إلا عن طريق التأويل، وسنفصل القول في هذه الأمور على أساس ما وصلنا من آراء علماء التفسير القدامى والمحدثين.
يقسم الطبري آيات القرآن من حيث قابليتها للتأويل إلى ثلاثة أنواع:
1 -
ما لا يوصل إلى علم تأويله إلا ببيان الرسول، وذلك تأويل جميع ما فيه من وجوه أمره- واجبه وندبه وإرشاده- وصنوف نهيه ووظائف حقوقه وحدوده، ومبالغ فرائضه، ومقادير اللازم بعض خلقه لبعض (أي ما يكون من علاقات تجب مراعاتها بين الناس)، وما أشبه ذلك من أحكام آياته التي لم يدرك علمها إلا ببيان الرسول لأمته. وهذا وجه لا يجوز لأحد القول فيه إلا ببيان الرسول لتأويله، بنص منه عليه أو بدلالة قد نصبها، دالة أمته على تأويله.
2 -
ما لا يعلم تأويله إلا الله، وذلك ما فيه من الخبر عن آجال حادثة، وأوقات آتية، كوقت قيام الساعة، والنفخ في الصور، ونزول عيسى بن مريم، وما أشبه ذلك، فإن تلك أوقات لا يعلم أحد حدودها، ولا يعرف أحد من تأويلها إلا الخبر بأشراطها لاستئثار الله بعلم ذلك على خلقه. من ذلك قوله تعالى:
يَسْئَلُونَكَ عَنِ السَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْساها، قُلْ إِنَّما عِلْمُها عِنْدَ رَبِّي لا يُجَلِّيها لِوَقْتِها إِلَّا هُوَ، ثَقُلَتْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ، لا تَأْتِيكُمْ إِلَّا بَغْتَةً.
(الأعراف: 187) وكان النبي إذا ذكر شيئا من ذلك، لم يدل عليه إلا باشراطه دون تحديده بوقته.
3 -
ما يعلم تأويله كل ذي علم باللسان الذي نزل به القرآن، وذلك إقامة إعرابه، ومعرفة المسميات بأسمائها اللازمة غير المشترك فيها، والموصوفات بصفاتها الخاصة دون سواها، فإن ذلك لا يجهله أحد منهم، وذلك كسامع منهم لو سمع تاليا يتلو:
وَإِذا قِيلَ لَهُمْ لا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ قالُوا إِنَّما نَحْنُ مُصْلِحُونَ. أَلا إِنَّهُمْ هُمُ الْمُفْسِدُونَ وَلكِنْ لا يَشْعُرُونَ (البقرة: 11، 12).
لم يجهل أن معنى الإفساد ما ينبغي تركه مما هو مضرة، وأن الإصلاح ما ينبغي فعله مما هو فعله منفعة، وإن جهل المعاني التي جعلها الله إفسادا، والمعاني التي جعلها الله إصلاحا. فالذي يعلمه ذو اللسان- الذي بلسانه نزل القرآن- من تأويل القرآن هو ما وصفت: من معرفة أعيان المسميات بأسمائها اللازمة، غير المشترك فيها، والموصوفات بصفاتها الخاصة. (1)
يلاحظ أن الطبري هنا يستخدم كلمة «التأويل» بمعنى التفسير.
وشبيه بما قاله الطبري هذا ما روي عن ابن عباس من قوله:
فالتفسير الذي لا يعذر أحد بجهالته هو معرفة الأحكام من واجبات ومحرمات.
وأما التفسير الذي يعلمه العلماء فهو تفسير الآيات المتشابهات، في حين أن التفسير الذي لا يعلمه إلا الله فهو ما كان مرتبطا بأمور مضمرة في الغيب، لا سبيل إلى معرفتها.
(1) الطبرى، تفسير، ج 1، ص 74، 75.
(2)
المصدر السابق.