الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
ومنهم من كان تصوفهم منهجا فكريا قد مزج الإسلام وعقائده ببعض المذاهب الإشراقية كالأفلاطونية المحدثة.
ومن أهم كتب التفسير الصوفي تفسير ابن سهل التستري وتفسير القشيري وتفسير ابن عربي. فأما تفسير القشيري فهو تفسير صوفي لا يبعد كثيرا عن تفسيرات أهل السنة، وإن استخدم المصطلحات الصوفية كالمقامات والأحوال والشهود والحجاب وما إلى ذلك. أما تفسير ابن عربي فيمثل التفسير الصوفي في مرحلة متأخرة من تاريخ التصوف. فمن المعروف أن ابن عربي صاحب فلسفة صوفية تختلف عن مذاهب الصوفية القدماء. وينسب اليه القول بوحدة الوجود وغير ذلك من المذاهب ذات الطابع الفلسفي، التي يقال إن التصوف قد اكتسبها من تأثره بفلسفات قديمة.
وسنمثل هنا بنص مقتبس من تفسير القشيري المعروف بلطائف الإشارات الذي تم تأليفه عام 434 هـ، وذلك لبيان منهج التفسير الصوفي في صورة قديمة. ثم نأتي بعد ذلك بمثال مقتبس من تفسير ابن عربي الذي وضع بعد ذلك بنحو قرنين من الزمن.
تفسير قوله تعالى:
إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَواءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لا يُؤْمِنُونَ القشيري: يقول القشيري في تفسير هذه الآية: «من كان في غطاء وصفه محجوبا عن شهود حقه فالإشارة لنعته أنه سيان عنده قول من دلّه على الحق، وقول من أعانه على استجلاب الحظ، بل هو إلى دواعي الغفلة أميل، وفي الإصغاء إليها أرغب. كيف لا وهو بكيّ الفرقة موسوم، وفي سجن الغيبة محبوس وعن محل القربة ممنوع، لا يحصل منهم إيمان، لأنه ليس من الحق أمان
…
ويقال إن الكافر لا يرعوي عن ضلالته لما سبق من شقاوته، وكذلك المربوط
بأغلال نفسه محجوب عن شهود غيبه وحقه، فهو لا يبصر رشده ولا يسلك قصده. ويقال إن الذي بقي في ظلمات رعونته، سواء عنده نصح المرشدين وتسويلات المبطلين، لأن الله تعالى نزع عن أحواله بركات الإنصاف، فلا يدرك بسمع القبول ولا يصغي إلى داعي الرشاد».
أما ابن عربي فيقدم لنا التأويل بصورة واضحة في تفسيره لقوله تعالى:
أَوْ كَصَيِّبٍ مِنَ السَّماءِ فِيهِ ظُلُماتٌ وَرَعْدٌ وَبَرْقٌ يَجْعَلُونَ أَصابِعَهُمْ فِي آذانِهِمْ مِنَ الصَّواعِقِ حَذَرَ الْمَوْتِ وَاللَّهُ مُحِيطٌ بِالْكافِرِينَ.
(البقرة: 19).
هذان مثالان للتفسير الصوفي أردت أن أقدم فيهما لونا من التفسير القرآني عند هؤلاء المفكرين المسلمين الذين ذهبوا إلى أن آيات القرآن لها معان ظاهرة، وأخرى باطنة تشير الآيات إليها. وقد أعلن هؤلاء إيمانهم بالظاهر والباطن، فهم من هذه الناحية يختلفون عن فرق الباطنية التي تنصرف عن ظاهر النص وتكتفي بتأويل القرآن، مكتفية بما تدعي أنها المعاني الباطنية. وهؤلاء هم الذين حمل عليهم الغزالي في كتابه فضائح الباطنية.
وقد نقل السيوطي عن ابن عطاء الله السكندري رأيه في تفسير الصوفية، وفيه يقول:
«اعلم أن تفسير هذه الطائفة لكلام الله وكلام رسوله بالمعاني الغريبة، ليس إحالة للظاهر عن ظاهره، ولكن ظاهر الآية مفهوم منه ما جاءت الآية له ودلت عليه في عرف اللسان. ولهم إفهام باطنة تفهم عند الآية والحديث لمن فتح الله قلبه. وقد جاء في الحديث:(لكل آية ظهر وبطن).
فلا يصدنك عن تلقي هذه المعاني منهم أن يقول ذو جدل ومعارضة: هذا إحالة لكلام الله وكلام رسوله، فليس ذلك بإحالة، وإنما يكون إحالة لو قالوا:
لا معنى للآية إلا هذا. وهم لم يقولوا ذلك بل يقررون الظواهر على ظواهرها مرادا بها موضوعاتها، ويفهمون عن الله ما ألهمهم».
والواقع أن للصوفية لفتات جيدة في فهم كثير من نصوص القرآن. وما داموا يقرون بالمعاني الظاهرة للآيات، ويؤمنون بها، فلا خوف من تأويلاتهم التي لا تتعارض مع مضمون آيات القرآن.
ويعتبر تفسير الكشاف للزمخشري مثالا لتفسيرات المعتزلة. لقد عني صاحب الكشاف بمسائل البلاغة في تفسيره. كذلك جاء تفسيره سهل العبارة، خاليا من الحشو. لكن الزمخشري يعنى في تفسيره بشرح عقائد المعتزلة، ويحاول تأييدها بشتى الأدلة.