الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
(بقوّة) أي بجدّ وعزيمة، (واذكروا ما فيه) واحفظوا ما في الكتاب وادرسوه ولا تنسوه ولا تغفلوا عنه، لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ لكي تتقوا المعاصي، أو لعلّكم أن تنتظموا في سلك المتقين، أو لعلكم تطلبون التقوى.
64 - ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ مِنْ بَعْدِ ذلِكَ فَلَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لَكُنْتُمْ مِنَ الْخاسِرِينَ
ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ ثم أعرضتهم عن الميثاق والوفاء به.
فلولا ما تفضل الله به عليكم من الإمهال وتأخير العذاب عنكم لكنتم من الخاسرين، أي من الهالكين.
وربما كان المقصود بفضل الله عليهم هنا توفيقهم للتوبة.
65 - وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ الَّذِينَ اعْتَدَوْا مِنْكُمْ فِي السَّبْتِ فَقُلْنا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً خاسِئِينَ
سبتت اليهود إذا عظمت يوم السبت. وقد اعتدى أناس من اليهود في يوم السبت أي جاوزوا ما حدّ لهم فيه من التجرد للعبادة وتعظيمه، واشتغلوا بالصيد.
وكان ذلك نتيجة لاختبار إلهي، فقد كانت الحيتان تظهر في البحر يوم السبت، فإذا مضى السبت تفرقت ولم تظهر. وقد ذكر القرآن ذلك في موضع آخر. قال تعالى:
إِذْ تَأْتِيهِمْ حِيتانُهُمْ يَوْمَ سَبْتِهِمْ شُرَّعاً وَيَوْمَ لا يَسْبِتُونَ لا تَأْتِيهِمْ، كَذلِكَ نَبْلُوهُمْ بِما كانُوا يَفْسُقُونَ (الأعراف: 163).
وروي عن ابن عباس تفسير الآية على الوجه التالي: «إن هؤلاء القوم كانوا في زمان داود عليه السلام بأيلة على ساحل البحر بين المدينة والشام، وهو مكان من البحر يجتمع إليه الحيتان من كل أرض في شهر من السنة، حتى لا يرى الماء لكثرتها، وفي غير ذلك الشهر في كل سبت خاصة، وهي القرية المذكورة في قوله:
وَسْئَلْهُمْ عَنِ الْقَرْيَةِ الَّتِي كانَتْ حاضِرَةَ الْبَحْرِ إِذْ يَعْدُونَ فِي السَّبْتِ ....
(الأعراف: 163).
فحفروا حياضا عند البحر وشرعوا إليها الجداول، فكانت الحيتان تدخلها فيصطادونها يوم الأحد، فذلك الحبس في الحياض هو اعتداؤهم في السبت، ثم إنهم أخذوا السمك واستغنوا بذلك، وهم خائفون من العقوبة، فلما طال العهد استسن الأبناء بسنة الآباء، واتخذوا الأموال، فمشى إليهم طوائف من أهل المدينة الذين كرهوا الصيد يوم السبت ونهروهم فلم ينتهوا وقالوا: نحن في هذا العمل منذ زمان، فما زادنا الله به إلا خيرا، فقيل لهم: لا تغتروا فربما نزل بكم العذاب والهلاك، فأصبح القوم وهم قردة خاسئون، فمكثوا كذلك ثلاثة أيام ثم هلكوا».
ويرى الفخر الرازي أن في ذكر هذه القصة إظهارا لمعجزة محمد فإن قوله: ولقد علمتم كان خطابا لليهود الذين كانوا في زمن محمد عليه السلام، فلما أخبرهم محمد عن هذه الواقعة، مع أنه كان أميا لم يقرأ ولم يكتب ولم يخالط القوم دل ذلك على أنه عليه السلام إنما عرفه من الوحي.
وقد رأى مجاهد أن المسخ لم يقع على صور الآدميين بل إن الله مسخ قلوبهم ولم يمسخ صورهم، وهو مثل قوله تعالى:
كَمَثَلِ الْحِمارِ يَحْمِلُ أَسْفاراً ونظيره أن يقول الأستاذ للمتعلم البليد الذي لا ينجح: كن حمارا. واحتج على امتناع المسخ الجسدي بأمرين:
الأول: أن الانسان هو هذا الهيكل المشاهد والبنية المحسوسة، فإذا أبطلها وخلق في تلك الأجسام تركيب القرد وشكله، كان ذلك إعداما للإنسان وإيجادا للقرد، فيرجع حاصل المسخ على هذا القول إلى أنه تعالى أعدم الأعراض التي باعتبارها كانت تلك الأجسام إنسانا، وخلق فيها الأعراض التي باعتبارها كانت قردا، فهذا يكون إعداما وإيجادا، ولا يكون مسخا.
الثاني: لو جوزنا ذلك لما أمنا في كل ما نراه قردا أو كلبا أنه كان إنسانا عاقلا، وذلك يفضي إلى الشك في المشاهدات.
وقد رد على هذين بأن هيكل الإنسان قابل للتغيير من النحف إلى الضخامة، فالهيكل ليس جوهر الإنسان، ومن ثم فلا استحالة لتغييره بالقدرة الخالقة التي تقول للشيء كن فيكون.
ومن الطريف أن البحث لم يقف عند هذا بل تطرق إلى موضوعات مختلفة، منها أثر المسخ على الفهم والإدراك وهل وقع المسخ على الجسم فقط أم على الفهم والإدراك. وقال البعض إن المسخ لو وقع على الجسم وكذلك على الفهم والإدراك لم يكن هناك عذاب، لأن القردة الحقيقية لا تتعذب من طبيعتها، وهنا تصدى البعض فقال إن المسخ قد وقع على الجسد وبقي الإدراك سليما حتى يخجل هؤلاء الناس مما اقترفوه، ويدركوا ما نالهم من العقاب.
وحرص المفسرون أيضا على بيان أن هذه القردة لم تتناسل، بل هلكت بعد ثلاثة أيام، حتى لا يقال بأن من القردة ما ولد لآدميين.