الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
-
4 - تاريخ البحث في علوم القرآن
لم تكن هناك حاجة لتدوين علوم القرآن في عهد الرسول. فالرسول كان يتلقى الوحي من ربه، كما كان يتلقى بيان هذا الوحي ويعلم أصحابه. قال تعالى:
لا تُحَرِّكْ بِهِ لِسانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ، إِنَّ عَلَيْنا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ، فَإِذا قَرَأْناهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ، ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنا بَيانَهُ (القيامة: 16 - 19) لقد بلغ الرسول ما أنزل إليه، وكان أصحابه يحفظون عنه القرآن، كما أنه أمر بكتابة ما كان يوحى إليه أول بأول، ونهى أصحابه عن أن يكتبوا عنه شيئا سوى القرآن الكريم.
روى مسلم في صحيحه عن أبي سعيد الخدري أن رسول الله قال: لا تكتبوا عني، ومن كتب عني غير القرآن فليمحه، وحدثوا عني فلا حرج، ومن كذب علي متعمدا فليتبوأ مقعده من النار». كان الرسول عليه السلام يخشى أن يلتبس القرآن بغيره، وأن يدخل فيه ما ليس منه، ولهذا نهى أصحابه عن كتابة ما كان يحدثهم به. وقد مضى عصر لم تكتب فيه علوم القرآن ولا سجلت السنة النبوية
الشريفة. كان هذا العصر عصر الخلفاء الراشدين، وكلهم كان من صحابة الرسول المقربين، كما أنّ مجتمع المدينة كان حافلا بالصحابة الذين صحبوا الرسول، وأخذوا عنه القرآن وسمعوا أحاديثه، وتعلموا منه فروض الإسلام وشرائعه.
وبقيت الدراسات القرآنية والسنة النبوية تروى مشافهة في العصر الأموي. لم يجد صحابة الرسول ضرورة لتسجيل هذه الدراسات، وكل ما حرصوا عليه كان جمع القرآن وكتابته في مصحف. بدأ هذا الجمع في عصر أبي بكر، ثم انتهى الأمر إلى جمع المسلمين على مصحف إمام في عصر عثمان بن عفان، كما سيرد في دراستنا لجمع القرآن وتدوينه. لكن الدراسات القرآنية، بقيت كلها- شأنها شأن سائر العلوم- تلقن بطريق المشافهة، وتنتقل بالرواية من جيل إلى جيل. جرى ذلك في أول الأمر على يد
الصحابة، ثم جاء بعدهم جيل التابعين، ومن أشهرهم مجاهد، وعطاء، وعكرمة، وقتادة، والحسن البصري، وسعيد بن جبير، وزيد بن أسلم.
وجاء بعد التابعين جيل آخر يعرف بتابعي التابعين ومن هؤلاء مالك بن أنس، صاحب المذهب المالكي في الفقه.
وحين جاء عصر التدوين ألفت الكتب في مختلف الدراسات القرآنية، فسجلت روايات بعض التابعين في تفسير القرآن الكريم، كما ألفت الكتب في معاني القرآن ومشكله ومجازه، فمنها معاني القرآن للأخفش، ومعاني القرآن للرؤاسي ومعاني القرآن ليونس بن حبيب، ومعاني القرآن للمبرد، ومعاني القرآن لقطرب النحوي ومعاني القرآن للفراء ومعاني القرآن لأبي عبيدة، وغير ذلك كثير.
وممن ألف في غريب القرآن أبو عبيدة وابن قتيبة وأبو عبد الرحمن اليزيدي ومحمد بن سلام الجمحي، وكثير غيرهم. وألفت الكتب أيضا في قراءات القرآن ونقطه وشكله، وفي الوقف والابتداء، وفي المتشابه، والناسخ والمنسوخ، وغير ذلك من الدراسات القرآنية. وكانت كل دراسة تسمى باسمها، فلم يظهر اصطلاح علوم القرآن إلا في وقت متأخر.
ففي القرن السادس الهجري ألف ابن الجوزي المتوفي عام 597 كتابين هما
«فنون الافنان في علوم القرآن» ، والثاني هو «المجتبى في علوم تتعلق بالقرآن» وألف أبو شامة المتوفى عام 665 هـ كتابا أسماه المرشد الوجيز، فيما يتعلق بالقرآن العزيز.
وقبل ذلك ظهرت كتب حول علوم القرآن لم تصل الينا، أو لم تلق شهرة واسعة بين الباحثين.
وقد نشر المستشرق آرثر جفري (1) مقدمتين في علوم القرآن يرجع تأليف إحداهما إلى عام 425 هـ، وأما الثانية فترجع إلى النصف الأول من القرن السادس الهجري، وهي من تأليف ابن عطية الغرناطي المتوفي حوالي عام 543 هـ.
والواقع أنّ مفهوم علوم القرآن، كما ندرسها اليوم قد تبلور في القرن الثامن على يد الزركشي المتوفي عام 794 هـ، صاحب «البرهان في علوم القرآن» ، ثم تبعه في التأليف بشيء من الإيجاز جلال الدين السيوطي صاحب الإتقان في علوم القرآن، وهو من رجال القرن التاسع وقد توفي في مفتتح القرن العاشر عام 916 هـ.
وقد اشتهر كتابه شهرة واسعة بين الدارسين.
ولقد أصبح مفهوم علوم القرآن مجموعة من الدراسات القرآنية تتعلق بتاريخ القرآن، وما يتصل به من دراسات لا بد من الإلمام بها قبل دراسة نصه والإقدام على تفسيره. فمن هذه المسائل نزول القرآن وجمعه وتدوينه، ومصاحف الصحابة ثم مصحف عثمان ورسمه، ومسائل تتعلق بالنص القرآني مثل الناسخ والمنسوخ والمحكم والمتشابه، فهذه الدراسات تعتبر بمثابة مقدمة لدراسة القرآن والإقدام على تفسيره واستنباط الأحكام من ثنايا آياته. فهذا هو المعنى الخاص لمصطلح علوم القرآن في عصرنا هذا. وفيه ألف عدد من المؤلفين المحدثين يجيء في مقدمتهم الشيخ طاهر الجزائري صاحب التبيان في علوم القرآن. كما أن المستشرقين ألفوا كتبا كثيرة في هذه الموضوعات لا تخلو من الدس والميل مع الهوى. لكنّ هذا الاتجاه بدأ يضعف في العصور الحديثة ليحلّ محله ميل إلى الإنصاف والالتزام بعدالة الأحكام.
(1) القاهرة، مكتبة الخانجي، 1954.