الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
وقد روي عن الصحابة تعلم التفسير منذ عهد الرسول. فهناك أقوال تنسب إلى عدد منهم. نذكر منها ما يروى عن ابن مسعود أنه قال: «كان الرجل منا إذا تعلم عشر آيات لم يجاوزهن حتى يعرف معانيهن والعمل بهن» . (1)
كما روي عن ابن مسعود أيضا أنه قال: «والله الذي لا إله غيره ما نزلت آية في كتاب الله إلا وأنا وأعلم فيم نزلت، وأين نزلت، ولو أعلم مكان أحد أعلم بكتاب الله متى تناله المطايا لأتيته» . (2).
ولقد روي الكثير من تفسير القرآن عن عدد من الصحابة منهم عبد الله بن عباس الذي برع في تفسير القرآن، كذلك روي التفسير عن علي بن أبي طالب وعبد الله بن مسعود وأبيّ بن كعب وغير هؤلاء.
كذلك روي التفسير عن عدد كبير من التابعين، وقد قسم هؤلاء بحسب الموطن إلى طبقات منهم طبقة أهل مكة وطبقة أهل المدينة وطبقة أهل العراق.
فمن أهل مكة مجاهد، وعطاء بن أبي رباح، وعكرمة مولى ابن عباس، وسعيد بن جبير. وكان أهل مكة أعلم الناس بالتفسير لتعلمهم من ابن عباس.
التفسير المأثور:
لقد نشأ التفسير على أساس ما كان يروى من مأثورات عن الصحابة والتابعين.
كان التفسير يروى كما تروى الأحاديث النبوية. وكان يشغل في كتب الحديث أبوابا، ويخضع لما تخضع له نصوص الأحاديث من تمحيص الرواية وتحقيق السند.
ولقد بقي كذلك زمنا طويلا، وتجمعت رواياته في تفسير الطبري أوسع التفسيرات رواية للمأثورات. ويحدثنا ابن خلدون عن نشأة التفسير وتطوره من تفسير أثري إلى تفسير بالدراية فيقول:
«فاعلم أن القرآن نزل بلغة العرب، وعلى أساليب بلاغتهم، فكانوا يفهمونه،
(1) المصدر السابق، ص 80.
(2)
المصدر السابق.
ويعلمون معانيه في مفرداته وتراكيبه، وكان ينزل جملا جملا وآيات آيات لبيان التوحيد والفروض الدينية بحسب الوقائع. ومنها ما هو في العقائد الإيمانية، ومنها ما هو في أحكام الجوارح، ومنها ما يتقدم ومنها ما يتأخر ويكون ناسخا له. وكان الرسول يبين المجمل، ويميز الناسخ من المنسوخ ويعرفه أصحابه، فعرفوه وعرفوا سبب نزول الآيات، ومقتضى الحال منها
…
ونقل ذلك عن الصحابة وتداول ذلك التابعون من بعدهم ونقل ذلك عنهم، ولم يزل متناقلا بين الصدر الأول والسلف حتى صارت المعارف علوما ودونت الكتب، فكتب الكثير من ذلك، ونقلت الآثار الواردة فيه عن الصحابة والتابعين، وانتهى ذلك إلى الطبري والواقدي، والثعالبي، وأمثال هؤلاء من المفسرين
…
ثم صارت علوم اللسان صناعية: من الكلام في موضوعات اللغة وأحكام الإعراب، والبلاغة في التراكيب، فوضعت الدواوين في ذلك بعد أن كانت ملكات للعرب لا يرجع فيها إلى نقل ولا كتاب، فتنوسي ذلك، وصارت تتلقى من كتب أهل اللسان، فاحتيج إلى ذلك في تفسير القرآن، لأنه بلسان العرب وعلى منهاج بلاغتهم
…
(1)»
فالتفسير في الأصل تفسير أثري يستند إلى الرواية عن الصحابة والتابعين.
لكن التفسير تطور فيما بعد- حين دونت علوم اللغة والبلاغة- ووجد إلى جانب التفسير الأثري تفسير قام على الدراية. ومع ذلك، فمثل هذا التفسير لم يخلص من أثر التفسير الأثري، بل بقيت للروايات الصحيحة آثارها في توجيه الفهم، وإيضاح النص.
لكن التفسير الأثري حوى كثيرا من الروايات التي يتطرق إليها الشك، وجمع عن أهل الكتاب روايات لا ترتبط بنص القرآن الكريم، وتعرف هذه بالإسرائيليات. يقول ابن خلدون عن كتب التفسير الأثري إنها «تشتمل على الغث والثمين، والمقبول والمردود، والسبب في ذلك أن العرب لم يكونوا أهل كتاب
(1) مقدمة ابن خلدون، ص 366، طبعة بولاق.