الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
وَاتَّقُوا يَوْماً
…
فالآية تذكر بسالف النعم، والآية التالية تحذر من عاقبة العصيان، أما قوله تعالى وَأَنِّي فَضَّلْتُكُمْ عَلَى الْعالَمِينَ فالمقصود به أن الله فضلهم على أهل زمانهم، فقد حباهم بدين قائم على التوحيد، وكان إيمانهم به مما رفع قدرهم على أهل زمانهم الذين لم يهتدوا للإيمان.
48 - وَاتَّقُوا يَوْماً لا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئاً وَلا يُقْبَلُ مِنْها شَفاعَةٌ وَلا يُؤْخَذُ مِنْها عَدْلٌ وَلا هُمْ يُنْصَرُونَ
اتقاء اليوم هو اتقاء لما يحصل في ذلك اليوم من العقاب، فاليوم نفسه لا يتقى، ولا بد أن يأتي هذا اليوم لأهل الجنة وأهل النار جميعا، فلا سبيل إلى الإفلات منه.
لا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئاً لا تحمل نفس عن نفس شيئا في يوم القيامة، ولا تذود عنها شيئا يصيبها، بل يفر المرء فيه من أخيه وأمه وأبيه. فطاعة المطيع لا تقضي عن العاصي ما كان واجبا عليه. فالأمر بالنسبة للطاعات ليس شبيها بالعلاقات المادية في الدنيا، حيث يستطيع الرجل أن ينوب عن أخيه في حمل الأعباء، فيقضي عنه دينه، أو يحمل عنه بعض أعبائه. فالطاعات واجبة على كل انسان، وأداؤها مفروض عليه، ومن هنا لا تجزي نفس عن نفس شيئا يوم الحساب.
وَلا يُقْبَلُ مِنْها شَفاعَةٌ الشفاعة أن يستوهب أحد لأحد شيئا ويطلب له حاجة، وأصلها من الشفع
كان صاحب الحاجة كان فردا، فصار الشفيع له شفعا أي أنه صار قرينا مؤيدا له. والضمير في قوله وَلا يُقْبَلُ مِنْها راجع الى النفس الثانية، وهي العاصية التي تحتاج إلى الشفاعة، ومع ذلك، فلو جاءت بشفاعة شفيع لا يقبل منها. ويجوز أن يرجع الضمير إلى النفس الأولى على أنها لو شفعت لغيرها لم تقبل شفاعتها، كما أنها لا تجزي عنها شيئا.
وَلا يُؤْخَذُ مِنْها عَدْلٌ أي فدية. وأصل الكلمة من معادلة الشيء تقول: ما أعدل بفلان أحدا، أي لا أرى له نظيرا. قال تعالى:
ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ تحذر هذه الآية من تعودوا في الدنيا على أن يحلّوا بالمال كل مشكلاتهم، فتبين أن من كفر لا يكون يوم القيامة قادرا على افتداء نفسه مهما كان الثمن الذي يقدمه. قال تعالى:
إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَماتُوا وَهُمْ كُفَّارٌ فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْ أَحَدِهِمْ مِلْءُ الْأَرْضِ ذَهَباً وَلَوِ افْتَدى بِهِ (آل عمران: 91) وقدم الشفاعة على المال هنا، وفي ذلك إشارة إلى حرص اليهود على المال، حيث يؤثرون الخلاص عن طريق الشفاعة، فإن عز ذلك عليهم فعن طريق المال.
وَلا هُمْ يُنْصَرُونَ التناصر يكون في الدنيا على أساس القرابة أو الصداقة. فالنصر هو دفع الشدائد، ولا أحد يستطيع أن يدفع عذاب الله عن عمن استحق هذا العذاب.