الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
بحيث يكون صاحبها خاضعا لسلطانها في كل حال، إلا ما لا يخلو عنه الانسان من غلبة جهالة أو نسيان. وليس الربا من المعاصي التي تنسى، أو تغلب النفس عليها خفة الجهالة والطيش، كالحدة وثورة الشهوة، أو يقع صاحبها منها في غمرة النسيان كالغيبة والفطرة، فهذا هو الايمان الذي يعصم صاحبه بإذن الله من الخلود في سخط الله، ولكنه لا يجتمع مع الاقدام على كبائر الاثم والفواحش عمدا، إيثارا لحب المال واللذة، عن دين الله وما فيه من الحكم والمصالح. وأما الايمان الاول: فهو صوري فقط، فلا قيمة له عند الله تعالى، لأنه تعالى لا ينظر الى الصور والاقوال، ولكنه ينظر الى القلوب والأفعال، كما ورد في الحديث، والشواهد على هذا الذي قرّرناه في كتاب الله تعالى كثيرة جدا، فهو مذهب السلف الصالح، وإن جهله كثير ممن يدعون اتباع السنة، حتى جرأوا الناس على هدم الدين، بناء على أن مدار السعادة على الاعتراف بالدين، وإن لم يعمل به، حتى صار الناس يتبجحون بارتكاب الموبقات، مع الاعتراف بأنها من كبائر ما حرّم، كما بلغنا عن بعض كبرائنا أنه قال: إنني لا أنكر إنني آكل الربا ولكنني مسلم أعترف بأنه حرام، وقد فاته أنّه يلزمه بهذا القول الاعتراف بأنه من أهل هذا الوعيد، وبأنه يرضى أن يكون محاربا لله ولرسوله، وظالما لنفسه وللناس». (1)
رأيه في بعض المسائل الفقهية:
نرى في تفسير المنار، أن الشيخ رشيد يعطي نفسه حريّة واسعة في استنباط الأحكام الشرعية من القرآن الكريم، مخالفا بذلك جمهور الفقهاء، معترضا على ما ذهبوا إليه، حاملا عليهم حملة شديدة.
ففي تفسيره لقول الله تعالى:
(1) تفسير المنار ج 3 ص 98 - 99
وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضى أَوْ عَلى سَفَرٍ أَوْ جاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغائِطِ أَوْ لامَسْتُمُ النِّساءَ فَلَمْ تَجِدُوا ماءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيداً طَيِّباً (1) تراه يقرر: أن المسافر يجوز له التيمم ولو كان الماء بين يديه، ولا علّة تمنعه من استعماله إلا كونه مسافرا، مع أن جماعة الفقهاء ذهبوا إلى أنّ المسافر لا يجوز له التيمم مع وجود الماء، يقول صاحب المنار: «سيقول أدعياء العلم من المقلدين: نعم
…
إن الآية واضحة المعنى، كاملة البلاغة على الوجه الذي قررتم، ولكنها تقتضي عليه أن التيمم في السفر جائز ولو مع وجود الماء. وهذا مخالف للمذاهب المعروفة عندنا، فكيف يعقل أن يخفى معناها هذا على أولئك الفقهاء المحققين؟ ويعقل أن يخالفوها من غير معارض لظاهرها أرجعوها اليه؟ ..
ولنا أن نقول لمثل هؤلاء- وإن كان المقلد لا يحاجّ لأنه لا علم له- وكيف يعقل أن يكون أبلغ الكلام وأسلمه من التكلف والضعف معضلا مشكلا؟ وأي الأمرين أولى بالترجيح؛ الطعن ببلاغة القرآن وبيانه، لحمله على كلام الفقهاء؟ أو تجويز الخطأ على الفقهاء، لأنهم لم يأخذوا بما دل عليه ظاهر الآية من غير تكلف، وهو الموافق الملتئم مع غيره من رخص السفر، التي فيها قصر الصلاة وجمعها، وإباحة الفطر في رمضان؟ فهل يستنكر مع هذا أن يرخص للمسافر في ترك الغسل والوضوء، وهما دون الصلاة والصيام في نظر الدين؟
…
إلى أن قال: «ألا إن من أعجب العجب غفلة جماهير الفقهاء عن هذه الرخصة الصريحة في عبارة القرآن، التي هي أظهر وأولى من قصر الصلاة وترك الصيام، وأظهر في رفع الحرج والعسر الثابت بالنص وعليه مدار الأحكام
…
وإذا ثبت أن التيمم رخصة للمسافر بلا شرط ولا قيد، بطلت كل تلك التشديدات التي توسعوا في بنائها على اشتراط فقد الماء، ومنها ما قالوا من وجوب طلبه في السفر (2)
(1) سورة النساء 43
(2)
تفسير المنار ج 5 ص 118 - 122