الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
وفي قصة البقرة حكم أشار اليها المفسرون. منها أنه يستحب تقديم القربان للتقرب إلى الله، ومنها أن القربان يجب أن يكون جيدا منتخبا، ومنها أن الناس يتكلفون ثمن شراء القربان وفي ذلك نوع من التضحية، ومنها أن بعث القتيل وقع بناء على أفعال أمرهم الله بها، فنفذوها بأيديهم، وكلها مما لا يحيي الموتى، فضرب قتيل بقتيل لا يولد حياة، لكن الله بقدرته جعل هذا الضرب مؤثرا فقام القتيل من الموت وأخبر بقاتليه. وكان ذلك كله آية أجراها الله تحت أعين هؤلاء الناس، ليبين لهم كيف يحيي الموتى، حتى يؤمنوا بالبعث، ويصدقوا بأن من أحيى قتيلا على هذه الصورة قادر على إحياء الموتى، كما وعد في كتبه.
74 - ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُمْ مِنْ بَعْدِ ذلِكَ فَهِيَ كَالْحِجارَةِ أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً
…
الآية
من شأن القلب أن يتأثر ويعتبر بالدلائل والآيات، وفي هذا ما يمهد سبيل الطاعة، ويصرف عن الإحساس بالتمرد والعتو والتكبّر، فإذا عرض للقلب عارض أخرجه عن هذه الصفة صار في عدم التأثر شبيها بالحجر، وهنا يوصف لقلب بأنه قاس غليظ، أو بأنه قلب متحجّر لا ينفذ إليه إحساس.
مِنْ بَعْدِ ذلِكَ يحتمل أن يكون المقصود: من بعد ما اظهره الله من آياته بإحياء القتيل عند ضربه ببعض جسم البقرة، أو أن المقصود: من بعد كل ما أظهره الله لكم من آياته وبيناته فتكون الإشارة إلى جميع الآيات والمعجزات التي تقدم ذكرها.
أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً إن الحجارة لو كانت عاقلة ولقيتها هذه الآيات لقبلتها، كما قال:«لو أنزلنا هذا القرآن على جبل لرأيته خاشعا متصدعا من خشية الله» .
(إن الأحجار ينتفع بها من بعض الوجوه، ويظهر منها الماء في بعض الأحوال، أما قلوب هؤلاء فلا نفع فيها البتة، ولا تلين لطاعة الله بوجه من الوجوه).
وَإِنَّ مِنَ الْحِجارَةِ لَما يَتَفَجَّرُ مِنْهُ الْأَنْهارُ وَإِنَّ مِنْها لَما يَشَّقَّقُ فَيَخْرُجُ مِنْهُ الْماءُ أي أن من الحجارة ما يندى بالماء الكثير فتفيض منه الأنهار، ومنها ما يندى بالماء القليل فتتفجر منه العيون، وهؤلاء قلوبهم في صلابتها لا تندى بشيء من الخير لهم ولا لسواهم.
وَإِنَّ مِنْها لَما يَهْبِطُ مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ هو من قبيل قوله تعالى:
لَوْ أَنْزَلْنا هذَا الْقُرْآنَ عَلى جَبَلٍ لَرَأَيْتَهُ خاشِعاً مُتَصَدِّعاً مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ (الحشر: 21) فلو جعل الله في الجبل العقل والفهم لصار كذلك. كما أن الحجر لا يستعصي على التشكل بما يراد له، في حين أن هذه القلوب قد استعصت على كل آية وموعظة أرادت صرفها عن عنادها وكفرها. لو أن الله أراد لجبل أن يدكّ لخر خاشعا، فما بال هؤلاء تتجلى أمام عيونهم آيات الله، ويدعوهم الأنبياء للإيمان، فيصمون عن دعوتهم الآذان، ويغلقون دونها القلوب.
وَمَا اللَّهُ بِغافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ المعنى أن الله تعالى محيط بما يعمله هؤلاء القساة، محص لأعمالهم، فهو يجازيهم بها في الدنيا والآخرة، وهو كقوله تعالى:
وَما كانَ رَبُّكَ نَسِيًّا وفي هذا وعيد لهم، ينبههم إلى إحاطة الله بكل عمل يعملونه، ولو كان من مكنونات القلوب.