الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
إن حرص الرسول الكريم على تسجيل القرآن وحفظه كان عظيما. وقد تجلى هذا الحرص في اتخاذه كتابا للوحي، وإملائه عليهم كل ما كان ينزل عليه، وأمره الصريح للمسلمين ألا يكتبوا عنه شيئا غير القرآن.
ولقد سجّل القرآن الكريم على ما كان ميسورا من أدوات الكتابة كالعسب (جريد النخل)، واللخاف (الحجارة الرقاق)، والأديم والأكتاف (عظام الأكتاف)، والأقتاب (ما يوضع على ظهور الإبل). هذه السجلات المتنوعة كانت أول صورة لجمع الكتاب الكريم. وليس هناك خلاف على أن القرآن كله كان يسجل عقب نزوله، لكن هذا التسجيل لم يجعل في صورة تيسر وضع القرآن بين اللوحين أي في صورة كتاب مجموع بين الدفتين. ولعل تتابع نزول آيات الكتاب، واكتمال سوره على مراحل، وما كان يطرأ على بعض آياته من النسخ هي الأسباب التي أخّرت اتخاذ هذه الخطوة في حياة الرسول صلوات الله عليه.
جمع أبي بكر القرآن في المصاحف بعد رسول الله:
لقد جرت الحوادث في عصر أبي بكر، خليفة رسول الله، بما عجل بمهمة جمع القرآن الكريم.
روي عن زيد بن ثابت أنه قال: «بعث إلى أبو بكر الصديق مقتل أهل اليمامة فإذا عمر بن الخطاب عنده، فقال: إن عمر بن الخطاب أتاني فقال:
إن القتل قد استحرّ بقراء القرآن يوم اليمامة، وإني أخشى أن يستحرّ القتل بالقراء في المواطن كلها فيذهب قرآن كثير، وإني أرى أن تأمر بجمع القرآن. فقال أبو بكر لعمر: كيف أفعل شيئا لم يفعله رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال:
هو والله خير. فلم يزل يراجعني في ذلك حتى شرح صدري بما شرح له صدر عمر، ورأيت الذي رأى. قال زيد بن ثابت: قال أبو بكر: إنك شاب عاقل لا نتهمك. قد كنت تكتب لرسول الله صلى الله عليه وسلم الوحي، فتتبع القرآن، فو الله لو كلفوني نقل جبل من الجبال ما كان أثقل علي من ذلك. قلت: فكيف
تفعلون شيئا لم يفعله رسول الله صلى الله عليه وسلم. قال أبو بكر: هو والله خير فلم يزل يراجعني في ذلك أبو بكر وعمر حتى شرح الله صدري للذي شرح له صدرهما (صدر أبي بكر وعمر). فتتبعت القرآن أجمعه من الرقاع والعسب واللخاف (يعني الحجارة)، وصدور الرجال. فوجدت آخر سورة التوبة (براءة) مع خزيمة بن ثابت:
لَقَدْ جاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ ما عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤُفٌ رَحِيمٌ. فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُلْ حَسْبِيَ اللَّهُ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَهُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ (1)(التوبة: 128، 129) وفي رواية أخرى أن زيد بن ثابت، وهو يجمع القرآن، فقد آية كان يسمعها من رسول الله فلم يجدها عند أحد، ثم وجدها عند رجل من الأنصار وهي قوله تعالى:
مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجالٌ صَدَقُوا ما عاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ (الاحزاب: 23) فوضعها في سورتها (2).
ولقد حفظت الصحف التي جمعت عند أبي بكر حتى مات ثم عند عمر حتى مات، ثم عند حفصة بنت عمر. وقد وصفت الصحف التي جمعت عند أبي بكر بأنها «قراطيس (3)» ، كما وصف عمل أبي بكر هذا بأنه أول جمع للقرآن
(1) السجستاني: كتاب المصاحف، ص 7.
(2)
المصدر السابق، ص 8.
(3)
المصدر السابق، ص 9.
بين اللوحين، أي أنه اول جمع للقرآن في صورة كتاب. ولقد رويت عن عدد من الصحابة أحاديث تثني على أبي بكر لعمله هذا، منها قول عليّ:«رحمة الله على أبي بكر، كان أول من جمع بين اللوحين» ، وقوله:«أعظم الناس أجرا في المصاحف أبو بكر فإنه أول من جمع بين اللوحين (1)» .
هذه المحاولة التي قام بها أبو بكر- حين استحرّ القتل بالقراء في حرب اليمامة- ربما سبقت بمحاولات قام بها بعض الصحابة من تلقاء أنفسهم. ومن ذلك ما روى من أن علي بن أبي طالب «أقسم ألا يرتدي برداء إلا لجمعة حتى يجمع القرآن في مصحف، ففعل، فأرسل إليه أبو بكر بعد أيام: أكرهت إمارتي يا أبا الحسن، قال لا والله، إلا أني أقسمت ألا أرتدي برداء إلا لجمعة، فبايعه ثم رجع (2)» . ويشكك بعض المحققين في ورود كلمة «مصحف» بهذه الرواية، وهذا حق، لأن هذه الكلمة لم تكن قد استعملت بعد. كما فسر البعض جمع القرآن هنا بأنه حفظه (3).
ولقد روي أن صحابة آخرين جمعوا القرآن في مصاحف. من هؤلاء أبيّ بن كعب، وسالم مولى حذيفة، وعبد الله بن مسعود، وأبو موسى الأشعري، وعبد الله بن الزبير، وأبو زيد، ومعاذ بن جبل وغيرهم. لكن عمل هؤلاء لم يتح له من التواتر والاستقصاء ما أتيح لمصحف أبي بكر.
هذا العمل الجليل الذي قام به أبو بكر وعمر وزيد بن ثابت قام على ما كان محفوظا في صدور الرجال، كما أن هذا المحفوظ عورض على ما كان مدونا في السجلات التي دونت بين يدي الرسول. وكان على كل من يأتي بشيء مدون من القرآن الكريم أن يجيء بشاهدين على أن ما معه دون بين يدي رسول الله.
يقول السيوطي: «على أن زيدا كان لا يكتفي بمجرد وجدانه مكتوبا حتى يشهد
(1) المصدر السابق، ص 5.
(2)
المصدر السابق، ص 10.
(3)
المصدر السابق.