الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
-
10 - الأحرف السبعة
روي عن الرسول- صلوات الله عليه- من طرق متعددة صحيحة قال: إن القرآن نزل على سبعة أحرف.
وفي الصحيحين أيضا عن عمر بن الخطاب أنه قال: «سمعت هشام بن حكيم بن حزام يقرأ سورة الفرقان على غير ما أقرؤها- وفي رواية: على حروف كثيرة لم يقرئنيها رسول الله، صلى الله عليه وسلم، فكدت أساوره في الصلاة، فتصبرت حتى سلم، فلببته بردائه، فقلت: من أقرأك هذه السورة التي سمعتك تقرأ؟ قال: أقرأنيها رسول الله، صلى الله عليه وسلم، فقلت كذبت، فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم أقرأنيها على غير ما قرأت، فانطلقت به أقوده إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقلت: يا رسول الله: إني سمعت هذا يقرأ سورة الفرقان على غير ما اقرأتنيها. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أرسله، اقرأ» ، فقرأ القراءة التي سمعته يقرأ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:
«هكذا أنزلت» ، ثم قال لي:«أقرأ» فقرأت، فقال:«هكذا أنزلت. إن هذا القرآن أنزل على سبعة أحرف، فاقرءوا ما تيسر منه (1)» .
وفي مقدمة تفسير الطبري روايات بصور مختلفة لهذا الحديث. ومما روي في ذلك عن أبيّ أنه قال: «لقي رسول الله صلى الله عليه وسلم جبريل عند أحجار المراء (2) فقال: «إني بعثت إلى أمة أميّين، فيهم الغلام والخادم، والشيخ العاسي (3) والعجوز، فقال جبريل: فليقرءوا القرآن على سبعة أحرف (4)» .
وفي رواية أخرى عن أبيّ بن كعب أنه قال: «دخلت المسجد فصليت، فقرأت النحل، ثم جاء رجل آخر فقرأها غير قراءتي، ثم جاء رجل آخر فقرأ خلاف قراءتنا، فدخل في نفسي من الشك والتكذيب أشد مما كنت في الجاهلية.
فقلت يا رسول الله: استقرئ هذين. فقرأ أحدهما، فقال: أصبت. ثم استقرأ الآخر فقال: أصبت. فدخل قلبي أشد مما كان في الجاهلية من الشك والتكذيب. فضرب رسول الله صلى الله عليه وسلم صدري وقال: أعاذك الله من الشك، وأخسأ عنك الشيطان فقال: أتاني جبريل فقال: اقرأ القرآن على حرف واحد، فقلت: إن أمتي لا تستطيع. حتى قال سبع مرات. فقال لي أقرأ على سبعة أحرف، ولك بكل ردّة رددتها مسألة. قال: فاحتاج فيها اليّ الخلائق، حتى إبراهيم صلى الله عليه وسلم (5)».
والروايات بعد ذلك كثيرة عن وصف القرآن الكريم بأنه نزل على سبعة أحرف.
ولقد ذهب العلماء مذاهب شتى في بيان المعنى المقصود من الأحرف السبعة التي ذكرتها الأحاديث الصحاح.
(1) الزركشي: البرهان، ج 1 ص 211.
(2)
أحجار المراء موضع بقباء خارج المدينة، وقيل هي قباء. وذكر البكري في «معجم ما استعجم» أنها موضع بمكة.
(3)
عسا الشيخ اذا كبر وأسن وضعف بصره ويبس جلده وصلب.
(4)
الطبري، ج 1، ص 35.
(5)
المصدر السابق، ص 37، 38.
ولقد وقع خلاف كثير في شرح معنى الأحرف السبعة وروى الزركشي عن الحافظ أبي حاتم بن حبّان البستي أن الناس اختلفوا في بيان ذلك على خمسة وثلاثين قولا.
وليس من الميسور أن ننقل هنا كل هذه الأقوال، وإنما سنختار ذكر بعض منها، ونحاول ان نلقي بعض الضوء على هذا الموضوع الذي لم يستطع أحد علمائنا القدامى أن يقول فيه كلمة الفصل.
1 -
فمن الآراء التي ذكرت أن هذا الحديث من المشكل الذي لا يدرى معناه، لأن العرب تسمى الكلمة المنظومة حرفا، وتسمي القصيدة بأسرها كلمة، والحرف يقع على المقطوع من الحروف المعجمة، والحرف ايضا المعنى والجهة (1).
فخلاصة هذا القول هي الامتناع عن إبداء الرأي في معنى الحديث، واعتباره من المشكل الذي لا سبيل إلى معرفة المقصود منه، فهو شبيه بمتشابه القرآن.
2 -
الرأي الثاني- وهو عند العلماء من أضعف الآراء- أن المراد بالأحرف السبعة سبع قراءات. وقد بين الطبري- في مقدمة تفسيره- وغيره أن اختلاف القراء، إنما هو كله حرف واحد من الأحرف السبعة التي نزل بها القرآن، وهو الحرف الذي كتب عثمان عليه المصحف (2).
3 -
الرأي الثالث أن الأحرف السبعة سبعة أنواع من التعبير، فبعضها أمر ونهي، ووعد ووعيد، وقصص، وحلال وحرام، ومحكم ومتشابه، وأمثال، وغيره (3).
4 -
أن المراد بالأحرف السبعة سبعة أوجه من المعاني المتفقة، بالألفاظ المختلفة، نحو أقبل، وهلمّ، وتعال، وعجل، وأسرع، وأنظر، وأخّر،
(1) الزركشي: البرهان، ج 1، ص 213.
(2)
المصدر السابق، ص 214، وكذلك الطبري، ج 1، ص 57.
(3)
الزركشي: البرهان، 1/ 216.
وأمهل (1)
…
الخ. أي أن الأحرف السبعة هي التعبير عن المعنى الواحد بألفاظ مختلفة.
5 -
أن المراد بالأحرف السبعة بعض الموضوعات القرآنية. يقول أصحاب هذا الرأي: «علم القرآن يشتمل على سبعة أشياء: علم الإثبات والإيجاد، وعلم التوحيد، وعلم التنزيه، وعلم صفات الذات، وعلم صفات الفعل، وعلم العفو والعذاب، وعلم الحشر والحساب، وعلم النبوات، وعلم الإمامات (2).
والظاهر أن القائلين بهذا الرأي يعدون علم التنزيه والتوحيد علما واحدا، وكذلك العفو والعذاب والحشر والحساب تدخل تحت علم واحد،. وبهذا يكون عدد العلوم سبعة.
6 -
من الآراء ما يعطى الحديث تفسيرا فقهيا، فيرى أن الأحرف السبعة هي المطلق والمقيد، والعام والخاص، والنص والمؤول، والناسخ، والمنسوخ، والمجمل والمفسر، والاستثناء وأقسامه.
7 -
من الآراء ما يعطي الحديث تفسيرا أسلوبيا، فيقول بأن المراد:
«الحذف والصلة، والتقديم والتأخير، والقلب والاستعارة، والتكرار، والكناية، والحقيقة والمجاز، والمجمل والمفسر، والظاهر والغريب (3).
8 -
وهناك تفسير نحوي للحديث يرى أن الأحرف السبعة هي: التذكير والتأنيث، والشرط والجزاء، والتصريف والإعراب، والأقسام وجوابها، والجمع والتفريق،
والتصغير والتعظيم، واختلاف الأدوات مما يختلف فيها بمعنى، وما لا يختلف في الأداء واللفظ جميعا (4).
9 -
وهناك تفسير صوتي للحديث يرى أن الأحرف السبعة هي طرق
(1) المصدر السابق ص 220.
(2)
المصدر السابق 224، 225.
(3)
المصدر السابق، ص 225.
(4)
المصدر السابق، ص 225، 226.
من الاداء الصوتي كالإظهار والإدغام والتفخيم، والترقيق، والإمالة والإشباع، والمدّ والقصر والتخفيف، والتليين، والتشديد.
10 -
وهناك تفسير صوفي للحديث يربط الأحرف السبعة، ببعض أفعال الصوفية، وأحوالهم ومقاماتهم (1).
وهكذا نرى في هذه الأقوال المتعددة التي ذكرناها اتجاهات مختلفة من الدارسين، ربطت معنى الحديث بموضوع دراساتها.
وأرجح الآراء- فيما نعتقد- والله أعلم، أن المراد بالأحرف السبعة سبع لغات، من لغات القبائل العربية.
فالحديث كما ورد في عدد من رواياته يشير إلى خلافات لغوية في قراءة القرآن الكريم، أدت إلى نقاش بين بعض الصحابة، ثم احتكم المختلفون إلى الرسول، فأقر المتنازعين على قراءاتهم، وذكر لهم أن القرآن أنزل على سبعة أحرف. فالمرجح إذن أن هذه الأحرف السبعة هي سبع لهجات لبعض القبائل العربية.
وقد يذهب البعض إلى حد تعيين لغات القبائل التي تعنيها الأحرف السبعة، مع العلم بأنهم لا يقصدون من وراء ذلك أن كل كلمة من القرآن الكريم كانت تحتمل سبعة أوجه، وإنما كانوا يرون أن القرآن نزل على سبع لغات متفرقة فيه «فبعضه نزل بلغة قريش، وبعضه بلغة هذيل، وبعضه بلغة تميم وبعضه بلغة أزد وربيعة، وبعضه بلغة هوازن وسعد بن بكر، وكذلك سائر اللغات (2)» .
كما يذهبون أحيانا إلى البحث عن التعبيرات القرآنية التي تجلت فيها لغات تلك القبائل (3). ومهما قيل في مثل هذه المحاولات لتعيين القبائل التي نزل القرآن
(1) انظر المصدر السابق، ص 226.
(2)
الزركشي: البرهان، 1/ 217.
(3)
انظر المصدر السابق: النوع السادس عشر. (معرفة ما وقع فيه من غير لغة أهل الحجاز من قبائل العرب (ص 283 - 286).
متضمنا عبارات من لغاتها، فنحن نرى أنها لا تتجاوز افتراضات لا تقوم على أساس من الدراسة الواضحة. وحسبنا أن نقول إن القرآن الكريم لم يخل من لغات قبائل أخرى إلى جانب لغة قريش.
ويمكن أن يستفاد من معنى الحديث- في كثير من رواياته- أن الرسول كان قد رخص لأبناء القبائل المختلفة الذين اعتنقوا الإسلام أن يقرءوا القرآن بلهجاتهم. فقد آمن بالقرآن كثير من غير قريش. وكان من هؤلاء، الشيخ والفتى والطفل، وكان من العسير على جميع المؤمنين أن يقرءوا القرآن بلغة قريش، فكانت الرخصة التي أتاحت لهم أن يقرءوه بلغاتهم.
وقد اختلف في مدى احتفاظ مصحف عثمان بالأحرف السبعة التي كان يقرأ بها على عهد الرسول.
فابن قتيبة يذهب إلى أن مصحف عثمان ضم هذه الأحرف السبعة، وقصده من ذلك أن القرآن يضم سبعا من لغات العرب. وهذه اللغات السبع لا يقصد بها أن كل كلمة تقرأ عن سبعة أوجه، بل المقصود أنها مفرقة في القرآن. ويسند رأيه هذا بذكر سبعة أسباب لاختلاف القراءات، ثم يعلل السماح بالأحرف السبعة بقوله:«ولو أن كل فريق من هؤلاء أمر أن يزول عن لغته، وما جرى عليه اعتياده طفلا وناشئا وكهلا، لاشتد ذلك عليه، وعظمت المحنة فيه، ولم يمكنه الا بعد رياضة للنفس طويلة، وتذليل للسان، وقطع للعادة» .
أما ابن جرير الطبري فيرى أن الأحرف السبعة لغات سبع سمح للقبائل أن تقرأ بها القرآن في حياة الرسول، نظرا لدخول قبائل عربية غير قريش في شريعة الإسلام. وكانت القراءة بالأحرف السبعة رخصة سمح بها إبان نشر الدعوة، لكن الأمة عدلت عن القراءة بستة من هذه الأحرف، واقتصرت على حرف واحد، حين ارتضت مصحف عثمان إماما، واجتمعت حوله. أما القراءات المتعددة التي نعرفها، فهي في رأي الطبري قراءات مختلفة لحرف واحد، هو الذي اجتمعت عليه الأمة.
ورأى الطبري هذا ينطوي على كثير من الصواب. فليس من شك أن هناك قدرا كبيرا من القراءة بلهجات القبائل قد عدل عنه في مصحف عثمان.
لكن هذا المصحف لا يخلو من قدر من لغات هذه القبائل غير القرشية.
والخلاصة التي يمكن أن نخرج بها من هذا البحث، هي أن الأحرف السبعة كانت- في أرجح الآراء- قراءات للقرآن بلهجات عدد من القبائل، وأن هذه القراءات لم تكن تتجاوز في الخلاف بينها نواحي لفظية طفيفة، لا تحل حراما، ولا تحرم حلالا، ولا تدعو إلى ترك أمر أو تنهي عن مباح. ومع أن كتابة المصحف قد غلبت فيها لغة قريش،
وهجر غيرها من اللغات، فإن قدرا من لغات القبائل الأخرى. قد بقي في مصحف عثمان.