الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
الروايات المتعددة عن أول ما نزل وآخر ما نزل من القرآن الكريم:
اختلف في تعيين أول ما نزل من القرآن
.
ولقد جاءت في ذلك أقوال أربعة.
القول الأول: أنه صدر سورة:
اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ إلى قوله تعالى:
عَلَّمَ الْإِنْسانَ ما لَمْ يَعْلَمْ وهذا أصح الأقوال ويستند على حديث صحيح عن عائشة رواه البخاري ومسلم.
القول الثاني: أن أول ما نزل من القرآن:
يا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ ويستند هذا القول على حديث روى عن جابر بن عبد الله. والمعروف أن هذه الآية نزلت بعد فترة الوحي وكانت أول ما نزل على الرسول بعدها. فلعل جابرا سمع من الرسول حديثه عن أول ما نزل عليه من القرآن بعد فترة الوحي، فاعتبر ذلك أول قرآن نزل على الإطلاق. وفي صراحة نص الحديث الأول ما يجعله مقدما على ما أخبر به جابر.
القول الثالث: أن أول ما نزل هو الفاتحة. والاستناد في هذا إلى حديث مرسل سقط من سنده الصحابي، فليست له قوة الحديث المروى عن عائشة عن النبي.
ولم يقل بهذا الرأي إلا قلة من العلماء منهم الزمخشري صاحب الكشاف. (1)
(1) انظر: السيوطي: الاتقان، ج 1، ص 24.
القول الرابع: أن أول ما نزل هو:
بسم الله الرّحمن الرّحيم واستند في ذلك على حديث أخرجه الواحدي عن عكرمة والحسن. قالا: «أول ما نزل من القرآن بسم الله الرحمن الرحيم، وأول سورة سورة اقرأ» . (1)
وهذا الحديث مرسل فليست له قوة الحديث المرفوع المروىّ عن عائشة.
يضاف إلى ذلك أن البسملة تجيء في أول كل سورة إلا ما استثنى (وهي سورة براءة)، فمعنى ذلك أنها نزلت صدرا لسورة «اقرأ» كما نزلت صدرا لغيرها من السور.
أما آخر ما نزل من القرآن فقد اختلف فيه على عشرة أقوال.
القول الأول: يروى أن آخر ما نزل قوله تعالى في سورة البقرة:
وَاتَّقُوا يَوْماً تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ ما كَسَبَتْ وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ القول الثاني: أن آخر ما نزل هو قوله تعالى في سورة البقرة:
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا ما بَقِيَ مِنَ الرِّبا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ القول الثالث: أن آخر ما نزل هو آية الدين وهي قوله تعالى:
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا تَدايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إِلى أَجَلٍ مُسَمًّى فَاكْتُبُوهُ
(1) انظر الأقوال الأربعة في: الاتقان، ج 1، ص 23 - 25.
إلى قوله تعالى:
وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ وهي أيضا من سورة البقرة.
القول الرابع: أن آخر ما نزل قوله تعالى في سورة آل عمران:
فَاسْتَجابَ لَهُمْ رَبُّهُمْ أَنِّي لا أُضِيعُ عَمَلَ عامِلٍ مِنْكُمْ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثى القول الخامس: أنه قوله تعالى:
وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِناً مُتَعَمِّداً فَجَزاؤُهُ جَهَنَّمُ خالِداً فِيها، وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذاباً عَظِيماً (النساء: 93) القول السادس: أنه قوله تعالى:
يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلالَةِ وهي خاتمة سورة النساء.
القول السابع: أن آخر ما نزل سورة المائدة.
القول الثامن: أن آخر ما نزل خاتمة سورة براءة، وهي قوله تعالى:
لَقَدْ جاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ إلى آخر السورة.
القول التاسع: أن آخر ما نزل هو خاتمة سورة الكهف، وفيها يقول سبحانه:
فَمَنْ كانَ يَرْجُوا لِقاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صالِحاً وَلا يُشْرِكْ بِعِبادَةِ رَبِّهِ أَحَداً القول العاشر: أن آخر ما نزل هو سورة إِذا جاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ (1) وليس في هذه الأقوال قول مرفوع إلى النبي عليه السلام، وهي جميعا مستندة إلى اجتهادات الصحابة. قال القاضي أبو بكر في كتابه «الانتصار»: «وهذه الأقوال ليس في شيء منها ما رفع إلى النبي صلى الله عليه وسلم. ويجوز أن يكون قال قائله بضرب من الاجتهاد، وتغليب الظن. وليس العلم بذلك من فرائض الدين حتى يلزم ما طعن به الطاعنون من عدم الضبط.
ويحتمل أن كلا منهم أخبر عن آخر ما سمعه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في اليوم الذي مات فيه، أو قبل مرضه بقليل، وغيره سمع منه بعد ذلك، وإن لم يسمعه هو لمفارقته له، ونزول الوحي عليه بقرآن بعده.
ويحتمل أيضا أن تنزل الآية، التي هي آخر آية تلاها الرسول مع آيات نزلت معها، فيؤمر برسم ما نزل معها وتلاوتها عليهم بعد رسم ما نزل آخرا وتلاوته، فيظن سامع ذلك أنه آخر ما نزل في الترتيب». (انظر: البرهان في علوم القرآن للزركشي: ج 1، ص 210).
وقد استغرق نزول القرآن فترة البعثة النبوية، فقد بدأ الوحي ينزل على الرسول منذ مبعثه، وتتابع النزول إلى قرب انتهاء حياة الرسول. ويختلف تقدير هذه المدة
(1) المصدر السابق، ص 26 - 28. الزركشي: البرهان، ج 1 ص 209 - 210.
ما بين عشرين وخمسة وعشرين عاما، فقد اختلف في تقدير فترة إقامة الرسول بمكة، فقيل إنها كانت عشرة أعوام وقيل ثلاثة عشر وقيل خمسة عشر. وأرجح الأقوال أنها كانت اثنتا عشرة سنة وخمسة أشهر وثلاثة عشر يوما، بدأت من 17 رمضان من العام الواحد والأربعين من مولد الرسول، صلى الله عليه وسلم، وانتهت يوم أول ربيع عام 54 من مولده.
أما إقامة الرسول بالمدينة فقد امتدت تسع سنوات وتسعة أشهر وتسعة أيام.
أي حتى العام الثالث والستين من حياته، وهو ذاته عام وفاته ويوافق العام العاشر من الهجرة. فمعنى ذلك أن نزول الوحي دام ما يقرب من ثلاثة وعشرين عاما، تستثنى منها المدة التي فتر فيها نزول الوحي وتقدر بثلاث سنوات.