الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
ستصبح إسبانيا الإسلامية المركز الأول للإشعاع الحضاري في أوروبة، كما اعترف بذلك المفكرون الأجانب كافة، فقد كانت إسبانيا المسلمة عاملاً من العوامل الأساسية ليقظة أوروبة، يوم كانت أوروبة في ظلام دامس، فكان فضل الإسلام على الحضارة الأوروبية فضلاً عظيماً.
يُلْيَان
1 - شخصيته:
كانت مدينة سَبْتَة وما يجاورها، تُحكم من قبل حاكم مسيحي يدعى: يُلْيَان (جوليان، يوليان، وليان، بليان، إليان، جليان) كانت له عدّة وقوّة، لم ير لها موسى بن نصير مثيلاً من قبل (1)، فقد هاجم موسى سبتة، ولكنه لم يتمكن من فتحها، فعقد الصلح مع يليان حاكم المدينة، وأقرّه في منصبه، مقابل اعتراف الأخير بالفتح الإسلامي (2).
وقد شجع يليان موسى بن نصير وطارق بن زياد على فتح الأندلس، كما عاون المسلمين في الفتح، وكان له نشاط واضح قبل الفتح وفي أيامه، وسيرد ذكر تفاصيل نشاطه في سيرة قادة الفتح.
والاختلاف بين الباحثين في أمرين: الأول في شخصية يليان، والثاني في الأسباب التي حملته على تشجيع موسى وطارق على الفتح، ومعاونة الفاتحين لإنجاز الفتح.
والروايات متناقضة حول شخصية يليان، فيقال: إنه مسيحي من إفريقية (3)، ويقال: إنه مسيحي من بربر غمارة (4)، وقيل: إنه
= الفاضل شكري وتقديري.
(1)
أخبار مجموعة (4).
(2)
ابن خلدون (6؛ 437 - 438) وأخبار مجموعة (4) ونفح الطيب (1؛ 230).
(3)
Chr. 754،p. 150، No.40.
(4)
ابن خلدون (6/ 437 - 438) والسلاوي (1/ 65) و Codera، VII، pp. 45-94
رومي (1)، وقيل: إنه قوطي من أتباع ملك إسبانيا (2).
وجاء المؤرخون الأجانب المحدثون، فحققوا شخصية يُلْيان، فأثبت قسم منهم وجوده فعلاً، بعد أن كان قسم منهم قد ذهبوا إلى أنه شخصية أسطورية خلقها خيال العرب (3). وجاء من بعد مَن أثبت وجوده، مؤرخ أثبت أصله والدور الذي قام به هو وأولاده (4)، وقد ذهب هذا المؤرخ إلى أن يليان فارسي الأصل، وأنه من الأزارقة. وقد استنتج ذلك من أن يليان خلّف ولداً اسمه: بَلْكايِش، أسلم بعد الفتح، وحسن إسلامه، وبلكايش اسم من أسماء الفُرس الأزارقة.
أما المؤرخون العرب المسلمون، فتابعوا المؤرخين الأجانب على الأكثر، ولم يروا رأياً جديداً.
ويليان مسيحي بلا خلاف، وليس من بربر غمارة، وبقاؤه مدة طويلة في سبتة بين البربر، جعل بعض المؤرخين يتوهّم أنه من البربر، وهو ليس منهم، لأن مَن كان مسيطراً على شمال إفريقية في حينه لا يولّي على البربر بربرياً، خوفاً من انحيازه إلى قومه وتحيّزه لهم على الأجنبي، وقائمة حكام الروم على الشمال الإفريقي تثبت أن الحكام جميعاً بدون استثناء، لم يكونوا من البربر. أما الذين زعموا أن يليان قوطي، فلا سند لهم، لأننا نعلم بأن القوط
(1) الإحاطة (برواية ابن القوطية) - (1/ 100) وابن الكردبوس (42) وابن الأثير (4/ 106) والمراكشي (6) والبيان المغرب (1/ 26) والنويري (22/ 14).
(2)
ابن عبد الحكم (205) وأخبار مجموعة (4) وفتح الأندلس (2 - 3) وابن الكردبوس (42 و 44) وابن الشباط (105) والبيان المغرب (1/ 203) و (2/ 6 - 7) والحميري (7) ونفح الطيب (1/ 251).
(3)
Dozy..Recherches-3ed.- 1، pp. 57 sq.
(4)
.Saavedra، pp. 48 وهذه سلسلة سلالة يليان بعد الفتح بحسب ما تذكره الروايات الإسلامية: يليان - بلكايش، عبد الله، الحكم، سليمان، أيوب (توفي سنة 326 هـ)، سليمان (توفى سنة 379 هـ)، أحمد (توفي سنة 388 هـ). وقد اشتهر الثلاثة الأخيرون بصدق الإسلام وسعة العلم، انظر فجر الأندلس (53 - 54) - الهامش.
الغربيين فقدوا معظم ممتلكاتهم في شمال إفريقية منذ أيام الملك ( Theudis)(531-548 م)(1) ولقد كانت سَبْتَة بأيدي البيزنطيين منذ منتصف القرن السابع الميلادي، ولا توجد هناك أية إشارة إلى وقوع ما يخالف ذلك (2). ولهذا يمكن استنتاج أن يليان كان الحاكم البيزنطي العام لولاية موريطانيا الطنجيَّة ( Mauretania Tingtana) وهو إقليم كان في ذلك الحين تابعاً للدولة البيزنطية لا لإسبانيا القوطية، وأن يليان كان يقوم بواجبات الحاكم العام ( Exarcus) لهذه الناحية من قبل الإمبراطور البيزنطي، وأنه بدأ ولايته في سن صغيرة (3)، وأقام في هذه الناحية زماناً طويلاً. ولما كانت موريطانيا الطنجية بعيدة كل البعد عن بيزنطة، ولما كانت أمور الدولة البيزنطية في ذلك الحين مضطربة اضطراباً لا يمكنها من الإشراف على ولاياتها القريبة فضلاًَ عن البعيدة (4)، ولما كانت تلك الدولة قد خسرت ولاياتها كافة في شمالي إفريقية بالفتح الإسلامي، ولم يبق غير ولاية سبتة وحدها، لا عون لها ولا سند، غير الدولة الإسبانية، فقد تحرر يليان من سلطان الدولة البيزنطية، وأصبح كالحاكم المستقل في هذه الناحية. وإذ انقطعت عنه الإمدادات من الدولة البيزنطية، فقد أخذ يوثِّق علاقاته بمن جاوره من قبائل البربر، حتى كسب ثقتها وودّها، وأصبح كالزعيم لها، حتى اختلط الأمر على بعض المؤرخين، فحسبوه من البربر. كما أخذ يوثق علاقاته بالإسبان ليحظى منهم بالإمدادات التي تعينه على الثبات أمام المسلمين الفاتحين. ولما وصل موسى بن نصير إلى إقليم طَنْجَة سنة تسع وثمانين الهجرية (709 م) وحاصر مدينة طَنجة وفتحها (5)، سار على رأس جيشه إلى
(1) CMH، vol،11،p.163. & Shaw، op. cit. p. 222
(2)
Livemore، pp. 191، 245.
(3)
ابن الأثير (4/ 106).
(4)
فجر الأندلس (54).
(5)
نفح الطيب (1؛ 215 و 234).