الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
(5)
نص ابن خلكّان (ت 681 هـ)
في كتابه
وفيّات الأعيان وأنباء أبناء الزمان
فلما نزل طارق من الجبل بالجيش الذي معه، كتب تُدْمِير إلى لذريق الملك، أنه قد وقع بأرضنا قوم لا ندري من السماء هم أم من الأرض، فلما بلغ ذلك لذريق، رجع عن مقصده في سبعين ألف فارس، ومعه العَجَل يحمل الأموال والمتاع، وهو على سريره بين دابتين عليه قبّة مكلّلة بالدّر والياقوت والزبرجد. فلما بلغ طارقاً دنوُّه، قام من أصحابه، فحمد الله سبحانه وتعالى، وأثنى عليه بما هو أهله، ثمّ حثّ المسلمين على الجهاد، ورغبهم في الشهادة، ثمّ قال:
"أيها الناس، أين المفر، والبحر من ورائكم والعدو أمامكم؟ فليس لكم والله إلاّ الصدق والصبر، واعلموا أنكم في هذه الجزيرة أضيع من الأيتام في مآدب اللِّئام. وقد استقبلكم عدوّكم بجيشه وأسلحته، وأقواته موفورة، وأنتم لا وَزر لكم غير سيوفكم، ولا قوت لكم إلاّ ما تستخلصونه من أيدي أعدائكم. وإن امتدّت بكم الأيام على افتقاركم، ولم تنجزوا لكم أمراً، ذهبت ريحكم، وتعوّضت القلوب برعبها منكم الجراءة عليكم، فادفعوا عن أنفسكم خذلان هذه العاقبة من أمركم بمناجزة هذا الطاغية (1)، فقد ألقت به إليكم مدينته المحصّنة، وإن انتهاز الفرصة فيه لممكن إن سمحتم بأنفسكم للموت، وإني لم أحذركم أمراً أنا عنه بنَجْوة، ولا حملتكم على خطّة أرخص
(1) في طبعة بولاق (2/ 177 - 178): هذه الطاغية، وكذلك في النسخة (ب) من هذا الكتاب.
مُبتاع فيها النفوس إلاّ وأنا أبدأ فيها بنفسي. واعلموا أنكم إن صبرتم على الأشقّ قليلاً، استمتعتم بالأرفه الألذَ طويلا، فلا ترغبوا بأنفسكم عن نفسي، فما حظّكم فيه بأوفر من حظِّي. وقد بلغكم ما أنشأت هذه الجزيرة من الحور الحسان من بنات اليونان، الرافلات في الدّر والمرجان، والحلل المنسوجة بالعقيان، المقصورات في قصور الملوك ذوي التيجان. وقد انتخبكم الوليد بن عبد الملك من الأبطال عرباناً (1)، ورضيكم لملوك هذه الجزيرة أصهاراً وأختاناً، ثقة منه بارتياحكم للطعان، واستماحكم لمجالدة الأبطال والفرسان، ليكون حظّه معكم ثواب الله على إعلاء كلمته، وإظهار دينه بهذه الجزيرة، ويكون مغنمها خالصاً لكم من دونه ومن دون المسلمين سواكم، والله تعالى وليُّ إنجادكم على ما يكون لكم ذكراً في الدارين. واعلموا أني أوّل مجيب إلى ما دعوتكم إليه، وأني عند ملتقى الجمعين حامل بنفسي على طاغية القوم لذريق فقاتله إن شاء الله تعالى، فاحملوا معي، فإن هلكت بعده فقد كفيتكم أمره، ولن يعوزكم بطل عاقل تسندون أمركم إليه، وإن هلكت قبل وصولي إليه فاخلفوني في عزيمتي هذه، واحملوا بأنفسكم عليه، واكتفوا الهَمَّ من فتح هذه الجزيرة بقتله، فإنهم بعده يخذلون" (2).
(1) وردت في بعض النسخ بالزاي المعجمة، عزبان: جمع عزب، وسنعلّق على ذلك في المتن بعد تسجيل نصوص الخطبة.
(2)
وفيات الأعيان (4/ 404 - 405) تحقيق الشيخ محمد محي الدين عبد الحميد - القاهرة - 1367 هـ - ط1.