الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
عبد الملك (1)، فمات الوليد سنة ست وتسعين الهجرية (2)(714 م) عن اثنتين وأربعين سنة (3)، فمعنى ذلك أن الوليد قد ولد سنة أربع وخمسين الهجرية (673 م)، ومغيث بعمر الوليد، أكبر منه قليلاً أو أصغر منه قليلاً، لأن عبد الملك بدأ في تأديبهما في سنة واحدة، أي أن مولد مغيث كان سنه أربع وخمسين الهجرية (673 م)، ووفاته كانت سنة ثماني عشرة ومائة الهجرية (736 م)، أي أن عمره كان أربعاً وستين سنة قمرية، وثلاثة وستين شمسيّة.
وقد أنْسَلَ مغيث في قُرطبة بني مغيث (4)، ولا علم لنا بعددهم ولا بأخبارهم، عدا ما ذكر عن أن عبد الرحمن بن مغيث تولّى منصب الحجابة لعبد الرحمن الداخل (5) لا أكثر ولا أقل، وأخبار مغيث على العموم إنساناً قليلة للغاية، وبالرغم من قِلّة أخباره، فإنه يبدو أنه كان إنساناً عظيماً.
القائد
تدرّب مغيث على الركوب، وأخذ نفسه بالإقدام في مضايق الحروب، حتى تخرّج في ذلك تخرُّجاً أهّله للتقدم على الجيش الذي فتح قرطبة، وكان مشهوراً بحسن الرأي والكيد (6)، وقد وجهه الوليد بن عبد الملك إلى الأندلس غازياً، ففتح قرطبة (7)، وكان على خيل طارق بن زياد (8) في الأندلس.
تلك عناصر شخصية مغيث القيادية: تدريب لا يقتصر على الفروسية
(1) ابن الأثير (5/ 9).
(2)
ابن الأثير (5/ 8).
(3)
ابن الأثير (5/ 9) مع روايات مختلفة أخرى.
(4)
نفح الطيب (3/ 12).
(5)
نفح الطيب (3/ 12) و (3/ 45).
(6)
نفح الطيب (3/ 12 - 13).
(7)
نفح الطيب (3/ 14).
(8)
فتوح مصر والمغرب (279).
واستعمال السلاح والقضايا التعبويّة، بل يشمل التدريب العنيف فى تحمل المشاق والصبر على المكاره واجتياز العقبات، ومواجهة المعضلات بحسن الرأي لا بحدّة العاطفة حتى يجد لكل معضلة حلاً مناسباً، وقدرة على إعداد الخطط المرنة السليمة القابلة للتنفيذ المؤدية للنصر.
هذه المزايا القيادية، تجتمع في مجاهد، لا يتخلف عن الجهاد، ويعتبره على المسلم فرضاً، رشّحته لقيادة الفرسان، لأنه سريع الحركة، ألمعي الذكاء، فلما نجح في مهمّته قائداً للفرسان، تسنّم قيادة مستقلة، فى جبهة حيوية من جبهات القتال، فأثمرت كفاياته ومزاياه وجهاده فتحاً مبيناً، فكان فتح قرطبة إحدى تلك الثمرات.
وظل مجاهداً في ساحات الجهاد الإفريقية والمغربية والأندلسية، حتى آخر لحظة من لحظات حياته، فسقط مضرجاً بدمائه دون أن يسقط السيف من يده.
فإذا تجاوزنا مجمل عناصر سماته القيادية، إلى تعداد تفاصيل تلك السمات بإيجاز شديد، وجدنا أنه صاحب قرار صحيح سريع، لأنه ألمعي في عسكريته، ذكي في فطرته، حريص على جمع المعلومات عن عدوه وعن الأرض التي ستكون ميداناً لجهاده.
وكان يتحلى بالشجاعة الشخصية النادرة، فهو الذي تربّص بصاحب قرطبة، وهو الذي طارده وحده دون الاستعانة برجاله، وهو الذي أسره وقاده إلى معسكر المسلمين، الواقع أن الأثر الشخصي لشجاعة مغيث النادرة، واضح كل الوضوح، ليس في سير الأحداث لفتح قرطبة فسحب، بل في سائر أعماله في القتال، حتى وهب روحه رخيصة دفاعاً عن تماسك المسلمين ووحدتهم. وصيانة لحاضر الفتوح ومستقبلها.
وكان ذا إرادة قوية لا تلين، فإذا أيقن بأنه على صواب، لم يتهاون في وضع الأمور في نصابها، مستسهلاً الصعب، مستهيناً بالخطر.
وكان يتحمل المسئولية ويحبها، ولا يتهرب منها أو يتخلى عنها، محاولاً
إلقاءها على عواتق الآخرين.
وكان له نفسية متماسكة رصينة، لا تتبدّل في حالتي اليسر والعسر، والنصر الاندحار.
وكان يسبق النظر، ويضع نفسه موضع العدو، ويفكِّر بما عساه أن يفعل لو كان مكانه، ثم يُعِدّ لكل ما يتوقعه من نشاطات معادية وخطط، ما يكون مستعداً به سَلَفاً لمعالجة التحديات، فلا يؤخذ على حين غرة، ويكون مستعداً باستمرار لمعالجة ما يتوقعه من أحداث، في المكان والزمان الجازمين.
وكان على معرفة دقيقة بنفسيات رجاله وقابلياتهم بخاصة، لأنه على اتصال مباشر مستمر، وبنفسيات وقابليات الفاتحين في الأندلس بعامة، لأنه المسئول الأول عن المخابرات في الأندلس، ومن واجبه أن يعرف نفسيات الفاتحين وقابلياتهم، ليكون قادراً على وضع الرجل المناسب في المكان المناسب.
وكان يثق برجاله ويثقون به، ويثق برؤسائه ويثقون به، وكان موضع ثقة الخليفة بالذات وموضع اعتماده.
وكان يحب رجاله ويحبونه، وكان موضع حب الخليفة وموضع رجائه، فقد كانا معاً صغيرين، وتعلما معاً، وعاشا معاً، وأصبح مصيراهما مصيراً واحداً، كأنهما أخَوَان وليسا بأخوين.
وكان يتمتع بشخصية قوية نافذة، يحسب حسابها الكبير قبل الصغير، حتى لكأنّ شخصيته كانت طاغية على شخصية موسى بن نصير وطارق بن زياد (1)، وقد وقع بينه وبين طارق، ثم وقع بينه وبين موسى سيِّد طارق، مما يدل على قوة شخصيته.
وكان يتمتع بقابلية بدنية متميّزة، فقد كان في شبابه يوم كان في الأندلس أيام الفتح، وظلّ متمتِّعاً بقابليته البدنية الفائقة حتى آخر يوم من أيامه، حيث
(1) نفح الطيب (3/ 12).
كان يمارس القتال في ميادين الجهاد أقوى ما يكون على تحمل مشاق القتال.
وقد نصّت المصادر المعتمدة، على أنه تدرب في فتوّته على مصاعب التدريب العنيف، استعداداً لأيام الجهاد.
وكان من ذوي الماضي الناصع المجيد، فقد عاش وتربّى في دار الخلافة، بإشراف الخليفة، مع أبنائه، وكان مولى الوليد بن عبد الملك، وليس ذلك بالقليل. وأضاف إلى ذلك جهاده في الأندلس وفتحه قرطبة، فأصبح الجدّ الأول لآل بيته: بني مغيث، الذين صار لهم شأن في الأندلس وبخاصة في مدينة قرطبة.
وكان يعرف مبادئ الحرب ويطبقها بشكل تلقائي، ومن المعروف أن مبادئ الحرب ثابتة في كل زمان ومكان، وهي لا تتبدّل أبداً، أما أساليب الحرب، فهي التي تتبدّل بتبدّل العوامل المختلفة، كتبدّل الأسلحة وتطورها، وتبدّل وسائل النقل، إلى غير ذلك من العوامل المعروفة.
فقد كان مغيث ماهراً في اختيار المقصد وإدامته، لذكائه وتيسّر المعلومات الوافية لديه عن عدوّه، فإذا وضع الخطة المناسبة لتحقيق مقصده، سار بخطوات ثابتة على طريق تحقيقه، ولا يتهاون في بذل ما يستطيع من جهد في سبيل جعل مقصده واقعاً، بعد أن كان خطّة فقط.
وكان قائداً: تعرّضياً، لم يتّخذ أسلوب الدفاع في جهاد، لأنه يعلم أن المدافع لا ينتصر، والمنتصر هو الذي يتعرّض، ويديم تعرّضه.
وكان يطبّق مبدأ: المباغتة، فقد باغت صاحب قرطبة بعبور أسوار المدينة، وباغته بقطع الماء على كنيسته، وباغته بمطاردته وأسره.
وكان يحشد قوته، ويستفيد من طاقاتها كافة في تحقيق هدفه، ولا يتخلّى عن قسم منها ليبقى متعطلاً دون جدوى.
ولكنه كان: يقتصد بالمجهود، فيحرص على أرواح رجاله حرصه على روحه، ولا يغرِّر بهم أو يعرِّضهم للتهلكة، ويضع القوة المناسبة لتحقيق الهدف المناسب.
وكان يحرص غاية الحرص على أمن رجاله، وقد باغت عدوّه في مواقف كثيرة، ولا نعرف أن عدوه باغت رجاله في موقف واحد، مما يدلّ على حرصه الفائق على تأمين الأمن لرجاله.
وكانت خططه مرنة، قابلة للتطوير والتحوير، وليست جامدة لا تُطور ولا تحوّر، وكانت قابلية الحركة في قوّته سريعة نسبيّاً، فقد كان رجاله من الفرسان، وليس فيهم من المشاة.
وكان يطبق مبدأ: التعاون، بين رجاله أولاً، وبينهم وبين الأدلاء من جماعة يُلْيَان ثانياً، وبينهم وبين المتعاونين معهم ومعه من سكان البلاد الأصليين ثالثاً، وبينهم وبين القيادة العامة للمسلمين في الأندلس رابعاً وأخيراً.
وكان يديم معنويات رجاله، بالعقيدة الراسخة، والقيادة الواعية، والانتصارات المتعاقبة، فكانت معنويات رجاله عالية إلى أبعد الحدود، وهذا ما يعلل لنا إقدامهم وهم في سبعمائة فارس، على فتح قرطبة، التي كانت من أكبر مدن الأندلس، إن لم تكن أكبرها.
وكان يهتم غاية الاهتمام بأمور رجاله الإدارية، فلا نعلم أنهم عانوا من نقص في أحد نواحيها، وقد كان مجاهدو الأندلس، من الناحية الإدارية، في بحبوبة يُغبَطون عليها من مجاهدي ساحات الفتوح الأخرى شرقاً وغرباً، ومع ذلك فقد كان من سمات المجاهدين حينذاك التقشف المطلق، لأنهم كانوا معنيين بأرواحهم أكثر بكثير من عنايتهم بأجسادهم، فإذا أصاب أحدهم شيئاً من السَّويق والتّمر ليسدّ بهما رمقه حمد الله وشكره.
وكان يساوي نفسه برجاله، ولا يتميّز عليهم بشىء، ويعيش كما يعيشون، في الخيام تارة، وفي العراء تارة أخرى، ويشاركهم في السرّاء والضرّاء وقد يستأثر دونهم بالخطر، ويؤثرهم بالأمن، كما فعل بمطاردة صاحب قرطبة وحده، معرِّضاً نفسه للخطر، دون أن يستعين برجل من رجاله ليعينه في مطاردة صيده السّمين.