الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
طارق بن زياد
فاتح شطر الأنْدلُس
(1)
نسبه وأيامه الأولى
هو طارق بن زياد بن عبد الله بن رَفْهُو بن وَرْفَجُّوم بن بنزغاس بن وَلْهاص ابن يَطُّوْفَت بن نَفْزاو (2)، فهو بربريّ من نّفْزَة (3)، وهو مولى لموسى بن نُصَيْر (4) من سبي البربر (5)، ويكون اسمه الكامل: طارق بن زياد النَّفْزاويّ البربريّ (6) من إفْرِيقِيَّة (7).
(1) أصل مصطلح الأندلس: مأخوذ من قبائل الوندال ( Vandals) التي تعود إلى أصلٍ جرمانيّ، احتلت شبه الجزيرة الإيبيرية حوالي القرن الثالث والرابع وحتى الخامس الميلادي، وسميت باسمها (فاندلسيا Vandalusia) أي: بلاد الوندال، ثم نطقت بالعربية:(الأندلس). أما مدلول هذا المصطلح، فقد أطلقه المؤرخون والجغرافيون على كلّ شبه الجزيرة الإيبيرية (إسبانيا والبرتغال اليوم) والتي يسمونها أيضا:(الجزيرة الأندلسية) ثم استعمل للدلالة على كلّ المناطق التي سكنها المسلمون وحكموها من شبه الجزيرة الإيبيرية، انظر: التاريخ الأندلسي (37) وجغرافية الأندلس (59) والروض المعطار (4 - 6 و 19) ونفح الطيب (1/ 133 - 135) ومعجم البلدان (1/ 347 - 350) والمسالك (35) وتقويم البلدان (165 - 166).
(2)
البيان المغرب في أخبار الأندلس والمغرب (2/ 5).
(3)
نفزة: هي نفزاوة، قبيلة من قبائل البربر الكبيرة. والبربر قسمان: البرانس والبتر، ونفزاوة قبيلة من قبائل البتر، انظر: محمد علي دبونس - تاريخ المغرب الكبير (2/ 35) - القاهرة- 1382 - ط1، وانظر: جمهرة أنساب العرب (495 - 503).
(4)
موسى بن نصير: انظر سيرته المفصّلة في كتابنا: قادة فتح المغرب العربي (1/ 221 - 309).
(5)
انظر تفاصيل القبائل البربرية في: جمهرة أنساب العرب (495 - 503).
(6)
تاريخ المغرب الكبير (2/ 464).
(7)
إفريقية: اسم بلاد واسعة، حدّها من طرابلس الغرب شرقاً إلى بجاية أو مليانة غرباً، =
وهذا هو الذي نعتمده لطارق بن زياد نسباً وموطناً، لأنه أقرب إلى العقل والمنطق، ومع ذلك لابد من ذكر الاختلاف في نسبه وموطنه، لتعليل أسباب هذا الاختلاف.
فقد ذكروا أنّه طارق بن عمرو (1)، لا طارق بن زياد، والمعروف في المصادر المعتمدة التاريخية والأندلسيّة، أنّه: طارق بن زياد، فهو الاسم المشهور به على أوسع نطاق، والمصادر التي ذكرته بأنّه: طارق بن عمرو قليلة جداً، لا تُعدّ شيئاً بالنسبة للمصادر المعتمدة التي ذكرته باسم: طارق بن زياد. كما أن المصادر القليلة التي ذكرته باسم: طارق بن عمرو، ذكرته بعد ذكر اسمه المعروف به والمشهور به وهو: طارق بن زياد، وكان ذكره باسمه الجديد بهذا التعبير "وقيل: طارق بن عمرو" (2)، ولا يخفى أنّ مثل هذا التعبير بالنسبة للمؤلفين القدامى، يدلّ على عدم الثقة بصحّة المعلومات الواردة بعد تعبير:(قيل)، أو أنّها أقل أهمية من المعلومات الموثَّقة الشّائعة.
وذكروا أنّ طارق بن زياد، كان فارسياً هَمَذانِيّاً - (3) نسبة إلى مدينة هَمَذان الفارسيّة - وهذا غير منطقي ولا معقول أيضاً، ولعلّ الذين نسبوا طارقاً إلى الفُرْس، استهدفوا قسماً من عَقِبهِ الذين كانوا في الأندلس وأصبح لهم شأن يُذكر فيها، للحطّ من منزلتهم الاجتماعية، باعتبار تميّز العنصر العربي على عهد بني أُميّة على العناصر الأعجميّة، وبذلك استهدفوا بهذا الغمز قسماً من عَقِب طارق، ولم يستهدفوا طارقاً بالذات. كما يمكن أن يكون الذين نسبوا طارقاً إلى الفرس، بعد أن أصبح علماً من الأعلام البارزة قدراً وجلالاً، ليفخروا بنسبته إليهم، فكلّ أُمّة من الأمم تحاول أن تنسب إليها أصحاب
= انظر التفاصيل في معجم البلدان (1 - 300) وآثار البلاد وأخبار العباد (148)، وانظر نسبته إلى إفريقية في المغرب، نقلاً عن نفح الطيب (1/ 230).
(1)
بغية الملتمس (10) ونفح الطيب (1/ 230) نقلاً عن ابن بشكوال.
(2)
بغية الملتمس (10).
(3)
أخبار مجموعة (6) لمؤلف مجهول، ونفح الطيب (1/ 254) نقلاً عن الرازي.
الصفحات الناصعة في التاريخ، لتفخر بهم بين الأمم. ومن الواضح أنّ نسبة طارق إلى الفُرس تمّت بعد وفاته، فهو لم يعرف هذا النسب في حياته، وما كان يمكن أن ينسب إليه وهو لا يزال على قيد الحياة.
وذكروا أنّه رجل من صَدِف (1)، وقيل: إنّه من موالي صَدِف، وليس بمولى موسى بن نُصَيْر (2)، وكان بعض عقب طارق بالأندلس ينكرون ولاءه لموسى إنكاراً شديداً (3).
وذكروا أنه طارق بن زياد اللّيْثِيّ (4)، من بني لَيْث من قُضاعة (5)، أي أنّه عربيّ من قُضَاعة.
ويقال: إنّ طارقاً مولى الوليد بن عبد الملك بن مروان (6)، وقد تولّى الوليد الخلافة بعد وفاة أبيه عبد الملك بن مروان.
وطارق ليس من الصَّدِف ولا من بني لَيْث العرب، والذين نسبوه إلى بني الصَّدِف، أرادوا أنّه من مواليهم (7)، كما أن الذين نسبوه إلى بني ليث قصدوا أنّه من مواليهم (8) أيضاً، لأنهم يعلمون حق العلم أنّه بربريّ وليس عربياً. ومن المحتمل أنّ قسماً من عَقِبه في الأندلس، ادّعوا انتسابهم للعرب، في
(1) الصَّدِف: هم قبيلة الصَّدِف، من بني حَضْرَموت، وهو الصَّدِف بن أسلم بن زيد بن مالك بن زيد بن حضرموت الأكبر، انظر جمهرة أنساب العرب (461) وكانوا في إشبيلية وهم بنو حضرموت، ويسمَّون: بنو خلدون الإشبيليون أنظر جمهرة أنساب العرب (460) وانظر نسبة طارق إلى قبيلة صدف في: نفح الطيب (1/ 254) نقلاً عن الرازي، و (1/ 239).
(2)
أخبار مجموعة (6).
(3)
نفح الطيب (1/ 254) نقلاً عن الرازي.
(4)
ابن خلدون (4/ 117) وانظر نفح الطيب (1/ 232) وبنو ليث هم: بنو ليث ابن سُوْد بن أسْلُم بن الحافي بن قضاعة، انظر جمهرة أنساب العرب (443 - 445).
(5)
انظر جمهرة أنساب العرب (443 - 444).
(6)
تهذيب ابن عساكر (7/ 41).
(7)
أخبار مجموعة (6)
(8)
الأعلام (3/ 313).
وقت كان للعرب فيه مكان مرموق، فأقحم بعض المؤرخين عن قصد أو عن غير قصد هذا الادّعاء، الذي لا سند من الواقع ولا من التاريخ.
أما الادّعاء بأنّه مولى للوليد بن عبد الملك، فادّعاء لا أساس له من الصحة، إذ لو كان مولى للخليفة الوليد لولاّه القيادة، ولم يترك توليته للقائد موسى بن نُصَير. ولا نعلم أنّ طارقاً رحل إلى الشرق واتصل بالوليد، ولا نعلم أنّ الوليد قدم المغرب واتّصل بطارق، فلا صلة من ناحية الولاء بين طارق والخليفة الوليد من قريب ولا من بعيد، وليس من المستبعد أنّ بعض عَقِب طارق، أراد أن يرفع درجة ولاء جدّهم طارق، من رتبة مولى موسى بن نُصَيْر أحد ولاة الخليفة وأحد قادته، إلى رتبة مولى الخليفة الوليد بن عبد الملك، وهي أرفع من رتبته الأولى على كلّ حال.
وكان من نتائج كلّ تلك الادّعاءات، إنكار بعض عَقِب طارق بالأندلس ولاءه لموسى إنكاراً شديداً.
ولو لم يكن طارق مولى لموسى بن نُصَيْر حقاً، لما أنكر (بعض) عَقِبه هذا الولاء، ولم ينكره (جميع) عقبه، ومن الواضح أنّ المُنكِرين ادّعوا انتسابهم للعرب تارة، والولاء للعرب تارة، والولاء للخليفة تارة أخرى، لأنّ هؤلاء المُنْكِرين لم يرتضوا لأنفسهم أن يكونوا موالي للموالي، لأنّ موسى بن نُصَيْر مولى لعبد العزيز بن مروان أخى الخليفة عبد الملك بن مروان، وطارق مولى لموسى نُصَيْر، فعَقِبه يكونون موالي للموالي، وهذا ما لم يستطيعوا تحمّله ولا تقبّله، وبخاصة بعد أن تبدّل حالهم غير الحال، وأصبحوا من ذوي المكانة في الأندلس.
نستطيع أن نستنتج، أنّ طارق بن زياد بربري من قبيلة نَفْزاوة إحدى قبائل البتر من البربر، وهو مولى لموسى بن نُصَير، الذي اكتشف كفاياته القياديّة والإدارية، فولاّه أولاً على طَنْجَة (1)، ثم ولاّه على قوّات فتح الأندلس، كما
(1) طنجة: مدينة قديمة على البحر الأبيض المتوسط، بينها وبين مدينة سبتة مسيرة يوم واحد، انظر التفاصيل في: معجم البلدان (6/ 62) والمسالك والممالك (34) وتقويم =
سيرد تفاصيل ذلك وشيكاً.
ولابدّ من أن يكون إسلام طارق وحسن إسلامه، أحدَ المزايا التى حملت مولاه موسى بن نُصَيْر على الثقة به والاعتماد عليه، فهو من أسرة اشتهرت بسبقها إلى اعتناقها الإسلام، إذ أسلم والد طارق أيام عُقْبة بن نافع الفِهْريّ (1)، والتحق هو بعد وفاة والده بخدمة المسلمين، وكان إذ ذاك صغير السنّ، ولكنه كان يتمتّع بقدر كبير من الحماسة والغيرة على الدِّين الإسلاميّ، جعله أشد المقرّبين إلى موسى بن نُصَيْر، ومن الطبقة الأولى من رجال البربر الذين اختصهم بسرِّه وثقته المطلقة، وأشركه مشاركة عملية في رفع راية الإسلام (2).
ويبدو أنّ جدّ طارق، وهو عبد الله، كان مسلماً، بدليل اسمه العربي الإسلاميّ، مما يدلّ على أن طارقاً ولد في بيت إسلامي وترعرع في هذا البيت وشبّ في مجتمع إسلاميّ، ولعلّ تدينه العميق لفت إليه الأنظار، بالإضافة إلى مزاياه وكفاياته الأخرى، وكان قربه من موسى بن نُصَيْر قد أتاح له الفرصة المناسبة لتولّي المناصب الإدارية والقيادية المناسبة، فنجح في الإدارة وفي الفتح معاً.
= البلدان (132).
(1)
انظر سيرته المفصلة في كتابنا: قادة فتح المغرب العربي (1/ 90 - 136) وكتابنا: عقبة بن نافع.
(2)
الشيخ محمد أبو زيد طنطاوي- فتح العرب الأندلس- مجلّة الجامعة الإسلامية بالمدينة المنوّرة (43 - 44) - العدد الثاني- السنة العاشرة- رمضان 1397 هـ- مؤسسة مكة للطباعة والإعلام.