الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
إلى الأدلّة السابقة.
فقد ذكرنا أن طارقاً فتح مدينة شَذُوْنة عَنْوَة بعد معركته الحاسمة مع القوط، كما فتح مدينة قَرْمُوْنَة وإِشْبِيلِيَة وإِسْتِجَّة وطُليطلة.
وفتحت سراياه قُرطُبَة ومالَقَة وإِلْبِيرة وكورة تُدْمِير وغَرْناطة وأُورْيُولَة.
وذكرنا في فتوح موسى قبل لقائه بطارق، أنه فتح شَذُونَة وقَرْمُونة ورعواق وإشبِيليِة ومارِدة ولَقَنْت.
ومعنى ذلك، أنّ كثيراً من المدن التي فتحها طارق لأول مرّة، استعادها القوط، مما يهدّد أجنحة قوات طارق، ويهدد خطوط مواصلاته، فاضطر موسى أن يستعيد فتحها من جديد، لتأمين جناحي طارق الأيمن والأيسر وخطوط مواصلاته، ولتفتيت المقاومة القوطية أينما وجدت.
وحتى طُليطلة، بعد أن غادرها طارق بوقت قليل، لكى يلاقي موسى وهو في طريقه إليها، استعادها القوط، فاضطر موسى أن يستعيد فتحها من جديد.
لقد عزّز عبور موسى موقف المسلمين بقيادة طارق في الأندلس، وأزاح عنهم ما كان يخشونه من أخطار، وأمن خطوط مواصلات المسلمين، وحمى أجنحتهم حماية كاملة، وفتّت قوات القوط، وبدّد حشودهم في الجبال الوعرة، وجعل آمالهم في استعادة ما فتحه المسلمون إلى حوزتهم سراباً، وأظهر لهم بالقوة تارة وبالسياسة تارة أخرى، أن الخيار الوحيد المفتوح أمامهم، هو الاستسلام للمسلمين، والتعاون معهم في إدارة البلاد، ومعاونتهم في تعميرها، فقد جاء المسلمون ليبقوا لا ليرحلوا.
ومضى موسى وطارق إلى طليطلة، ليقضيا فصل الشتاء معاً هناك، وليرتاح المسلمون ويكملوا استعدادتهم لفتح جديد.
د - الفتح المشترك بين القائدين:
كان هدف موسى وطارق ..............................................
السَّوْقِي (1)، هو فتح شمالي الأندلس، وقد بدأ بانتهاء فصل الشتاء وحلول فصل الصيف، أي حوالي شهر جمادى الثانية من سنة خمس وتسعين الهجرية (آذار - مارس 714 م) وزحف الجيش الإسلامي، على مقدِّمته طارق، وسار موسى خلفه على جيوشه، نحو مدينة سَرَقُسْطَة (2) ( Zaragoza) :" المدينة البيضاء"(3)، ففتحا المدينة دون قتال شديد على ما يبدو، فأقاما هناك سوية ينظمان أحوالها، وأنشأ فيها مسجداً خططه التابعي الجليل حَنَش بن عبد الله الصَّنعاني (4). وأوغلا في البلاد، لا يمرّان بموضع إلاّ فُتح عليهما، وكانت
(1) السَّوْقيّ: الاستراتيجي، من السَّوْق، وكانت تستعمل في الجيش العراقي منذ الثلاثينات من القرن العشرين الميلادي.
(2)
سرقسطة: تعريب للاسم الروماني: قيصر أجستا ( Saesar Augusta) لأن أغسطس قيصر هو الذي أسسها سنة (23 ق. م) على أطلال المدينة الإيبيرية القديمة التي كانت تعرف عند الإيبيريين باسم: سلدوبا ( Salduba) ، وهي من أطيب البلاد، نقع على نهر إبْرُهْ الذي مجراه ينصب في البحر الأبيض المتوسط بساحل طُرطوشة، انظر التفاصيل في معجم البلدان (5/ 71) ونصوص عن الأندلس لابن الدلائي (21 - 23).
(3)
الروض المعطار (96).
(4)
حنش بن عبد الله الصنعاني: هو حنش بن عبد الله بن عمرو بن حنظلة أبو رشيد، من صنعا دمشق، روى عن فضالة بن عُبيد ورُويفع بن ثابت وأبي هريرة وأبي سعيد، وروى عنه ابنه وقيس بن الحجاج وجماعة. غزا المغرب، وسكن إفريقية، وعداده في المصريين، وهو تابعي كبير ثقة، دخل الأندلس، وكان مع علي بن أبي طالب بالكوفة. بعد استشهاد عليّ رضي الله عنه، غزا المغرب والأندلس. كان حنش إذا فرغ من عشائه وحوائجه، وأراد الصلاة من الليل، أوقد المصباح وقرب المصحف وإناء فيه ماء، فكان إذا وجد النعاس استنشق بالماء، هاذا تعايا في آية نظر في المصحف، وكان إذا جاءه سائل مستطعم لم يزل يصيح بأهله:"أطعموا السائل"، غني يُطعم، نزل مصر، ومات سنة مائة الهجرية، وكان فيمن ثار مع ابن الزبير على عبد الملك بن مروان، فأتى به عبد الملك في وثاق فعفا عنه، وذلك لأنّ عبد الملك حين غزا المغرب مع معاوية بن خُديج نزل عليه بإفريقية سنة خمسين الهجرية، فحفظ له ذلك. غزا الأندلس مع موسى بن نصير، وله بها آثار، ويقال: إنّ جامع سرقسطة من ثغور الأندلس من بنائه، وأنّه أوّل من اختطّه. وفي رواية: إنّ أبا المهاجر دينار بعث حنش بن عبد الله الصنعاني إلى جزيرة شريك (في إفريقية)، فافتتحها، انظر =
الغنائم جسيمة، ولم يعارضهما أحد إلاّ بطلب صلح، وموسى يجيء على أثر طارق في كل ذلك، ويُكمل ابتداءه، ويوثِّق الناس على ما عاهدوه عليه (1). وكانت طلائع المسلمين لم تكد تشرف على سَرقُسطة حتى رعب أسقفها بنسيو ( Bencio) ومَنْ معه من الرُّهبان، فجمعوا كتبهم المقدّسة وقرّروا الهجرة من البلد، والفرار بهذه الذخائر، فلم يلبث موسى أن أرسل إليهم رسولاً يؤمنهم ويعطيهم عهده، فسكنت مخاوفهم، وعدلوا عن مغادرة المدينة (2)، وفتحت المدينة البيضاء: سرقسطة أبوابها للمسلمين سنة خمس وتسعين الهجرية.
ولم يكد المسلمون يستقرون في سَرَقُسْطَة بعد فتحها، حتى توجه طارق وموسى إلى مناطق حول تلك المدينة وفتحا تلك المناطق، كما فتحا مدناً
= التفاصيل في: تهذيب ابن عساكر (5/ 9 - 11) ومعجم البلدان (5/ 392 - 393) والاستقصا (1/ 71) وتاريخ علماء الأندلس (1/ 125) رقم 391 وجذوة المقتبس (202) رقم 403 وبغية الملتمس (278) رقم 687 وقادة فتح المغرب العربي (1/ 139) و (1/ 152).
(1)
نفح الطيب (1/ 255 - 256).
(2)
في فجر الأندلس (102): "ويبدو أنّ ما لقيه المسلمون من الشدّة عند ماردة والسّواقي، وما دهمهم من ثورة أهل طليطلة، مال بهم إلى الشدة، فنراهم في غزوتهم هذه أميل إلى العنف مما كانوا عليه قبل ذلك، فبينما كان طارق يحتلّ المواقع احتلالاً سلمياً، فيؤمّن أهلها، ولا يكاد يأخذ إلا ما كان من أملاك القوط وأملاك الكنيسة، نسمع من الآن فصاعداً عن نهب البلاد وإحراقها ورعب أهلها وخروجهم منها على وجوههم، ويبدو كذلك أنّ هذا كان نتيجة سياسة موسى، وقد عرفناه شديداً قاسياً عظيم الميل إلى المغانم والأسرى والسبايا، هذا وإن العرب أنفسهم - وعلى رأسهم الخليفة - أنكروا عليه هذا المسلك "، كما ورد في: تاريخ المسلمين وآثارهم في الأندلس (100 - 101) مثل هذا المعنى. وما ورد في قصة الأسقف بنسيو في أعلاه، يناقض هذا الرأي الذي مصدره المستشرقون، ويعطي نموذجاً واقعياً حياً لرحمة المسلمين للمغلوبين. فإذا ظهرت شدة من موسى في بعض المواقف، فلأنّ الموقف الحربي قد يتطلب ذلك، انظر قادة فتح المغرب العربي (1/ 266).
أخرى في تلك الناحية: وشْقَة (1)( Huesca) ولارِدَة (2)( Lerida) وطَرَّكُوْنَة (3)( Tarragona) وبَرْشَلُونة (4)( Barcelona) وأحب موسى سيره نحو البرت، ولكن جنده روِّعوا لما شاهدوه من قفر تلك النواحي وقلّة عمرانها، ثم إن أهلها كانوا يتكلمون اللغة الباسكية (لغة الباسك)، فوقعت من جند موسى موقعاً غريباً، وظنوا أنهم لا يتكلمون (6)، وزهد المسلمون في هذه البلاد التي يسكنها قوم كالبهائم (7). وحين أوغل موسى وجاوز سرقسطة، اشتدّ ذلك على الناس وقالوا:(أين تذهب بنا؟! حسبنا ما في أيدينا!) وكان موسى قد قال حين دخل إفريقية وذكر عُقْبَة بن نافع: (لقد كان غرّر بنفسه حين وغل في بلاد العدو، والعدو عن يمينه وعن شماله وأمامه وخلفه، أما كان معه رجل رشيد؟!)، فسمعه حَنش بن عبد الله الصَّنعاني في حينه، فلما بلغ موسى ذلك المبلغ من التغلغل عمقاً في الفتح، قام حنش فأخذ بعنانه، ثم قال: "أيها الأمير! إني سمعتك وأنت تذكر عقبة بن نافع تقول: لقد غرّر بنفسه وبمن
(1) وشقة: بليدة بالأندلس، وتعدّ من الثغر الأعلى من ثغور الأندلس مع لاردة وغيرها، انظر التفاصيل في معجم البلدان (8/ 423) ونصوص عن الأندلس (24) وجغرافية الأندلس وأوروبا (95).
(2)
لاردة: مدينة مشهورة بالأندلس، شرقي قرطبة، تتصل أعمالها بأعمال طركونة، انظر التفاصيل في معجم البلدان (7/ 313).
(3)
طرّكونة: بلدة بالأندلس، متصلة بأعمال طرطوشة، وهي مدينة قديمة على شاطئ البحر، انظر التفاصيل في معجم البلدان (6/ 44).
(4)
برشلونة: مدينة أندلسية مشهورة، قريبة من طرطوشة، انظر التفاصيل في تقويم البلدان (182 - 183) وجغرافية الأندلس وأوروبا (96 - 99).
(5)
فجر الأندلس (103) وتاريخ المسلمين وآثارهم في الأندلس (101) ودولة الإسلام في الأندلس (1/ 53) والتاريخ الأندلسي (92).
(6)
في البيان المغرب 12/ 18): "وفتح بلاد البشكنس وأوغل في بلادهم، حتى أتى قوماً كالبهائم، وغزا بلاد الإفرنج"، وانظر فجر الأندلس (103).
(7)
البيان المغرب (2/ 24) والإمامة والسياسة (2/ 78) وقادة فتح المغرب العربي (1/ 266).
معه، أما كان معه رجل رشيد؟! وأنا رشيدك اليوم! أين تذهب؟ تريد أن تخرج من الدنيا؟! أو تلتمس أكثر مما آتاك الله عز وجل، وأعرض مما فتح الله عليك، ودوّخ لك؟! إني سمعت من الناس ما لم تسمع، وقد ملأوا أيديهم وأحبوا الدّعة)، فضحك موسى ثم قال:"أرشدك الله، وكثر في المسلمين أمثالك"، ثم انصرف قافلاً إلى الأندلس، وهو يقول:(أما والله، لو انقادوا إليّ، لقدتهم إلى رومِيّة (روما)، ثم يفتحها الله على يديّ إن شاء الله" (1).
ولكن موسى ومعه طارق، استطاعا أن يعيدا إلى رجالهما نشاطهم وحماستهم للفتح، وبينما كانا يعدّان العدّة لفتح جلِّيْقِيَّة (2) إذ أتاه مُغيث الرّومي (3) رسول الخليفة الوليد بن عبد الملك بن مروَان، يأمره بالخروج من الأندلس، والكفّ عن التوسع في البلاد، وأن يشخص إلى دمشق، فساءه ذلك، وقطع به عن إرادته، إذ لم يكن في الأندلس بلد لم يدخله المسلمون غير جِلِّيْقِيَّة، فكان شديد الحرص على اقتحامها (4). وكان موسى قد أوفد علي بن رَباح (5)، وكان رجلاً صالحاً في نحو الثمانين من عمره، وهو من
(1) الإمامة والسياسة (80 - 81)، وانظر ما جاء حول ذلك في قادة فتح المغرب العربي (1/ 266 - 267).
(2)
جلِّيقيّة: ناحية قرب ساحل المحيط، من ناحية شمالي الأندلس، في أقصاه من جهة الغرب، انظر التفاصيل في معجم البلدان (3/ 131) وتقويم البلدان (184 - 185) وجغرافية الأندلس وأوروبا (71 - 73).
(3)
مغيث الرومي: انظر ترجمته في كتابنا: قادة فتح الأندلس والبحار.
(4)
نفح الطيب (1/ 258).
(5)
علي بن رباح: هو أبو عبد الله علي بن رَباح بن نُصَير اللّخمي، كان فاضلاً جليلاً من جملة التابعين، يروي عن جماعة من الصحابة رضوان الله عليهم، منهم عمرو بن العاص وولده عبد الله، وعُقبة بن عامر وأبو هريرة وعائشة أم المؤمنين زوج النبيّ صلى الله عليه وسلم، وروى عنه جماعة يكثر تعدادهم، وكان إذا انفرد يستذكر ما حفظ من أحاديث نبويّة خوفاً من نسيانها. ولد سنة خمس عشرة الهجرية، وكان أعور، ذهبت عينه يوم الصواري في البحر مع عبد الله بن سعد سنة أربع وثمانين الهجريّة. وكانت له مع عبد العزيز بن مروان منزلة، وهو الذي زفّ أمّ البنين بنت عبد العزيز بن مروان إلى الوليد =
التابعين (1) مع مغيث الرّومي مولى الوليد بن عبد الملك، رسولين إلى الخليفة ينهيان إليه أخبار الفتوح، يوم كان موسى في طُليطلة بعد أن استعاد فتحها من جديد، وذلك سنة أربع وتسعين الهجرية، فعاد مغيث إلى موسى بما أمره به الوليد.
ولكن قدوم مُغيث، لم يصرف موسى عن المضي في إتمام هذه الفتوح التي صاحبها التوفيق إلى هذه الساعة، فبذل جهده للبقاء في الأندلس بعض الوقت، ريثما يتم فتح جلِّيْقِيّة، ولاطف مغيثاً من أجل ذلك، وسأله إمهاله إلى أن ينفِّذ عزمه في فتح جَلِّيْقِيّة، والمسير معه أياماً، ويكون شريكه في الأجر والغنيمة، ففعل مغيث ومشى معه (2). وقد وهب مغيثاً القصر الذي ينسب إلى مغيث في عهد المسلمين، وهو:(بلاط مغيث) بجميع أرضه من أرض الخمس (3)، نظير إمهاله بعض الوقت ومصاحبته في غزوة جلِّيْقِيّة. وقبِل مغيث هذه الشروط، فلما اطمأن موسى إلى ذلك، بادر بالسير شمالاً لفتح قَشْتَالة (4) القديمة Old Castille) أو ( Castilla la Vieja تأميناً للحدود الشمالية
= بن عبد الملك، ثم عتب عليه عبد العزيز، فأغزاه إفريقية، إلى أن توفي بها، ويقال: إن وفاته كانت في سنة أربع عشرة ومائة الهجريّة، وقيل توفي سنة سبع عشرة ومائة الهجرية، انظر التفاصيل في: تاريخ علماء الأندلس (1/ 310) رقم 915 ورياض النفوس (1/ 77 - 78) ونفح الطيب (1/ 260 - 261)، وانظر الإمامة والسياسة (2/ 75 - 76) حول إيفاده إلى الوليد بن عبد الملك من قبل موسى بن نصير.
(1)
دخل الأندلس أربعة من التابعين هم: علي بن رباح اللّخْمي، وأبو عبد الرحمن عبد الله بن زياد الحبليّ، وحنش بن عبد الله الصنعاني، وحيوة بن رجاء التميمي، وفي بغية الملتمس (51): إنّ محمد بن أوس الأنصاري وهو من التابعين غزا الأندلس مع موسى بن نُصير، وانظر تاريخ علماء الأندلس (1/ 310)، هذا بالإضافة إلى موسى بن نُصير الذي كان من التابعين أيضاً.
(2)
نفح الطيب (1/ 258).
(3)
الرسالة الشريفية في الأقطار الأندلسية (204).
(4)
قشتالة: إقليم عظيم بالأندلس، قصبته اليوم طليطلة، انظر معجم البلدان (7/ 93) وجغرافية الأندلس وأوروبا (72).
لإقليم طُليطلة (1).
والحديث عن إقناع مغيث بالغنيمة والقصر، لإبقاء موسى على رأس جيشه، ليستكمل تحقيق أهدافه في الفتح، ليس من السهل تصديقه ولا قبوله، فهو رشوة لتأجيل تنفيذ أمر الخليفة الواضح الصّريح، وقد كان مغيث قوياً أميناً لا يتقبل الرشوة ولا يرتضى لنفسه مخالفة أوامر الخليفة الصريحة الواضحة، والذي يبدو أن الخليفة أمر مغيثاً أن يُشخص موسى معه إلى دمشق، دون أن يأمره بإشخاصه فوراً، فكان لمغيث أن يتصرف في أمر موسى بحرية مطلقة، فرأى أن الموقف العسكري يتطلب بقاء موسى ردحاً من الزمن في الأندلس، لاستكمال فتوحاته، واقتنع برأي موسى بضرورة بقائه لغزو منطقة جلِّيْقِيَّة، حتى لا يتعرض إقليم طليطلة لتعرض قوطي، كما لم يجد مغيث محذوراً من بقاء موسى في قيادته، فلا اعتراض له على أمر الخليفة، كما لا يستطيع أن يعترض، فكان لبقاء موسى فائدة للفتح دون ضرر على الخلافة، لذلك اقتنع مغيث بالسير مع موسى ومرافقته في فتحه، فكانت الغنيمة والقصر جزاء جهاده لا جزاء تراخيه في تنفيذ أمر الخليفة أو جزاء التخلي عن التنفيذ.
والغريب أن المستشرقين ركّزوا على هذه الفرية، وبالغوا في شرحها وتوضيحها وتسليط الأضواء عليها، فصوّروا في هذا الفصل مغيثاً متواطئاً مع موسى على الخليفة، ثم صوّروه في الفصل الثاني عدواً لدوداً لموسى، يُشنّع على موسى لدى الخليفة لأنه كان يرى نفسه أحق من موسى بتولي الأندلس، وليس ذلك من خلق التابعين وتابعي التابعين، ولا كان الدسّ والافتراء والكذب والحسد والرشوة من أخلاقهم، فإذا لم يكن مقنعاً، للمؤرخ الذي تتبع خلق أولئك الرجال، فالتناقض المكشوف في موقف مغيث - بحسب ادعاءات المستشرقين - لابد أن يكون مقنعاً، إذ كيف يمكن أن نصدق أن مغيثاً يفتري ما يفتري على موسى بحضور الخليفة، ثم يسكت عنه موسى في
(1) Saavedra.op.cit.p.113-114
تقاضيه الرشوة لقاء تراخيه في تنفيذ الأمر الخليفي؟ وهل من المعقول أن يعفو الخليفة عن المتراخي في تنفيذ أمره لقاء رشوة معروفة وليست سِرّاً.
وبالطبع استفاد المستشرقون من المصادر الإسلامية في ترويج هذه الادعاءات، وما ذلك أراد مؤلفوها.
وسنرى سبب استدعاء موسى إلى دمشق وشيكاً، حيث لا نجد محلاّ لمثل هذه التخرّصات.
وكان يتفرّع من سَرْقُسْطة طريقان رومانيان يتجهان من الشرق إلى الغرب: الأول يذهب بحذاء نهر إبْرُهْ (1)( Ebro) - ( الإبرو) حتى هارو ( Haro) ومن هناك يتبع بروفيسكا ( Barivlesca) ثم أمَايَة (2)، ثم لِيُون (3) وأسترقة. والثاني ينفصل من الطريق الأول عند بدايته، ويتجه نحو قَلُوْنية وبَلَنْسِيَة (4)، ويلتقي بالطريق الممتد من ماردة إلى أسترقة في مدينة بنافنتي، وكان لابد لموسى من السير في كل من هذين الطريقين. فقسم جيشه قسمين: قسم بقيادته، والآخر بقيادة طارق.
واختار موسى الطريق الثاني، وعهد إلى طارق بالسير في الطريق الأول، أدنى سفوح جبال كَنْتبرية، وشرع طارق بمهاجمة البشكنس (5) غربي نهر إبره، فلم يجد صاحب الناحية فُرْتُون ( Fortunius) بداً من الدخول في طاعة المسلمين، بل اعتنق الإسلام، ومنه تسلسل بنو
(1) نهر إبره: ويقع في شمال شرقي الجزيرة الإيبيرية، ويصب في البحر الأبيض المتوسط عند طرطوشة، انظر جغرافية الأندلس وأوروبا (57).
(2)
أماية: إحدى المدن الأندلسية، وهي إحدى مدن الجزء الثالث بحسب تقسيمات الأندلس القديمة، وهي:( Amaya) ، انظر جغرافية الأندلس وأوروبا (62).
(3)
ليون: مدينة بالأندلس في منطقة جليقية، انظر التفاصيل في تقويم البلدان (184 - 185).
(4)
بلنسية: كورة ومدينة بالأندلس شرقي قرطبة، انظر التفاصيل في معجم البلدان (2/ 279) وتقويم البلدان (178 - 179).
(5)
البشكنس: الباسك.
قَسِيّ (1) أصحاب الثغر الأعلى (2)، الذين لهم ذكر كثير في تاريخ الأندلس (3)، ثم تابع طارقٌ سيره، واستولى على أمايَة واسترقة اللتين ذكرهما قسم من المؤرخين خطأ في حملة طارق التي كانت سنة اثنتين وتسعين الهجرية (4)(711 م) كما فتح مدينة ليون (5) في هذه السنة أيضاً.
وسار موسى نفسه على الضفة الشرقية لنهر إبره في إقليم قَشْتالة (6)، فأطاعه معظم من مرّ بهم من رؤساء هذه المناطق. وقد لقي مقاومة عند قرية تسميها بعض المراجع بارو أو بازو في مقاطعة بلد الوليد الحالية (فاليا دوليد Valladolid) ولم يلبث أن تغلّب عليهم، ثم سار متابعاً فتوحه. وبدلاً من أن يعرِّج على استرقة ليلتقي فيها بجيش طارق، انحرف إلى الشمال واخترق باب تارنا ( Tarna) وسار متابعاً مجرى نهر النالون ( Nalon) ثم حطّ رحاله عند قلعة لُكْ ( Lucus Asturum الرومانية و Maria de Lugo اليوم) غير بعيد عن أَبِيط ( Oviedo) وما زال بها حتى فتحها. وسار موسى حتى بلغ خيخون ( Gijon)
(1) بنو قَسِيّ: كان قَسِيّ قومِس الثّغر في أيام القوط، فلما افتتح المسلمون الأندلس التحق بالشام، وأسلم على يدي الوليد بن عبد الملك، فكان ينتمي إلى وَلائه، فولد قسي فرتون، وبنو قسي من المولدين، انظر التفاصيل في جمهرة أنساب العرب (502 - 503)، وانظر نشاطهم في الأندلس في كتاب: نصوص عن الأندلس (32 و 35 و40 و 41 و 49 و 165).
(2)
الثغر الأعلى: ويشمل سرقسطة عاصمة هذا الثغر، ولاردة، وتطيلة، ووشقة، وطرطوشة، وغيرها. وكان هذا الثغر يواجه برشلونة ومملكة نافار، وتمثله اليوم منطقة أراغون ( Aragon) ، راجع الآثار الأندلسية (78) والحلل السندسية (1/ 206) و (2/ 114) وجغرافية الأندلس وأوروبا (95).
(3)
انظر فجر الأندلس (104).
(4)
تاريخ افتتاح الأندلس (35) وأخبار مجموعة (15).
(5)
أخبار مجموعة (28)، وقد جعل هذا المصدر فتح هذه الحصون الثلاثة في سنة (711 م)، وهو خطا واضح، انظر فجر الأندلس (104).
(6)
قشتالة: إقليم عظيم بالأندلس، عاصمته طليطلة، انظر التفاصيل في معجم البلدان (7/ 93).
وأقرّ بها حامية، وجعلها حصناً لما فتحه من البلاد في هذه النواحي البعيدة، ثم بعث سرية من فرسانه أدركت البحر عند صخرة بلاي ( Peka de Pelayo) على البحر الأخضر (1)، فطاعت الأعاجم، ولاذوا بالسلم وبذل الجزية، وسكنت العرب المفاوز، وكان العرب والبربر كلما مرّ قوم منهم بموضع استحسنوه، حطّو به ونزلوه قاطنين (2).
وهكذا وصلت جيوش موسى حتى البحر المحيط، فاطمأن إلى أنه فتح شبه الجزيرة كلها، لذلك شعر أنه لم يّعُد هناك أي معنى للاسترسال في الفتح، وكان موسى يخلِّف في كل مدينة وقلعة يفتحها حامية من المسلمين، فتفرّق جنده، وطال السّير بمن بقي منهم معه، ونال منهم الجهد، فمالت نفوسهم إلى العودة، لذلك اكتفى موسى بوصوله إلى خيخون، وأزمع العودة، وهو يعلم أن أعداداً كبيرة من القوط قد تراجعوا أمامه، واجتمعوا في نواحي أشتوريش وجِلِّيقيّة، وأنهم يكوِّنون الخميرة الأولى لاستعادة الأندلس من المسلمين في المستقبل - كما حدث ذلك فعلاً - ولو لم ينشغل العرب عن البقية الباقية من القوط بعد ذلك بحروب ومنازعات قبلية فيما بينهم، لاستطاعوا القضاء عليهم بسهولة ويسر، ولكن العرب شُغلوا بأمور أنفسهم، فاستطاعت هذه الحفنة القوطية أن تطمئن في هذه النواحي القاصية القاحلة، وأن تنمو بالتدريج وتقوى وتشتد، لتنتهز في المسلمين كل فرصة تسنح، ولتستعيد ما تستطيع استعادته مرحلياً من الأندلس كلما استطاعت إلى ذلك سبيلاً.
ومن الواضح جداً، أن موسى ترك جبهة القتال مُكرهاً لا بمحض إرادته، فقد كان الخليفة يريد عودته إلى دمشق، وكان مغيث يتربص به ليتولى العودة معه، فلما انتهى موسى في فتوحه إلى هذا الحد القصي في نظر الخليفة
(1) هو المحيط الأطلسي، وكان يسمى أيضاً: الأقيانوس، وبحر الظلمات.
(2)
نفح الطيب (1/ 258)، وانظر فجر الأندلس (104 - 105) وتاريخ المسلمين وآثارهم في الأندلس (102 - 103).
ومغيث، كان لابد له أن يعود، لا إلى طليطلة أو قرطبة فقط، بل إلى دمشق رأساً، فقد كان مغيث الرومي رسول الخليفة يتعجله، وكان الوليد بن عبد الملك معجلاً عليه لا يريد أن يتمهل، إذ أن رسولاً آخر من الوليد، يكنى: أبا نَصْر، بعثه إلى موسى، عندما استبطأه في القفول، فأتاه وهو في مدينة لُكْ بناحية جلِّيقية (1).
(1) نفح الطيب (1/ 276)، وفي فجر الأندلس (106) ورد:"حتى لتذهب الروايات، إلى أنّ الوليد، بعث إليه رسولاً آخر، اسمه: أبو نصر، لقيه في لك، فأخذ بعنان فرسه، وأمره بالعودة؛ وذلك أمر مستبعد، لأن مغيثاً وصل موسى في سرقسطة في أوائل الربيع، ولما تنقضي على وصوله ثلاثة أشهر، ولا يتفق أن يكون الخليفة قد استطال هذه المدة القصيرة، فأرسل يتعجّل، وربما كان أبو نصر هذا كنية لمغيث كما يظن جايانجوس". وأقول: قد وردت ترجمة مغيث الرومي في نفح الطيب (4/ 11 - 13) وفي غيره من المصادر، وهو لا يكنّى: أبا نصر في تلك المصادر كلها. ولماذا نستبعد قدوم الرسول الآخر الذي أرسله الوليد إلى موسى، وقد انقضت على وصول الرسول الأول ثلاثة أشهر، وهي مدّة طويلة، وبخاصة بعدما استقرّ في ذهن الوليد أنه يريد أن يشق عصا الطاعة، انظر الإمامة والسياسة (2/ 75 - 76)، وأنّ موسى يطمع في فتح غالة والوصول إلى رومة، انظر الإمامة والسياسة (2/ 81)، بل الوصول إلى أرض الشام عن طريق إفرنجة (فرنسا)، انظر نفح الطيب (1/ 259)، في الوقت الذي سئم المسلمون فيه الفتح، وأظهروا رغبتهم في العودة إلى قرطبة؟؟
لقد كان الخليفة الوليد بن عبد الملك حريصاً غاية الحرص على سلامة المسلمين، فعارض منذ البداية في إقحامهم في بحر شديد الأهوال، فلما علم بما شرع به موسى من فتح غالة، اشتدّ قلقه وأرسل أبا نصر رسولاً ثانياً إلى موسى يستعجله القفول إلى دمشق، وإذا كان مغيث قد وافق على إكمال موسى لفتوحه، فلأنّ مغيثاً قائد يقدِّر أهمية الموقف العسكري الراهن، ويقدِّر أهمية إكمال الفتح لحاضر المسلمين ومستقبلهم في الأندلس، أما أبو نصر - كما يبدو - فلم يكن قائداً، وهو منفِّذ قويّ أمين للأوامر، شديد الضبط والربط، لا يقبل بعذر ولا ينصت إليه، فمن الواضح أنّ أبا نصر شخصية ثانية غير مغيث ومختلفة عنه كل الاختلاف. وفي نفح الطيب (1/ 58) نص صريح وهو:"وقفل معهم - أي مع موسى وطارق - الرسولان: مغيث وأبو نصر"، انظر تاريخ المسلمين وآثارهم في الأندلس (103 - 104) وقادة فتح المغرب العربي (1/ 270 - 271).
وهناك بعض المؤرخين، يذكرون أن موسى بن نُصير، بعد أن افتتح سرقسطة، بعث سراياه إلى قطالونة، ففتحت بَرْشَلونَة (1)، ومن هناك اخترقت جبال البرتات (البرانس) وتوغلت في بلاد غالة (2)، فاستولت على أُرْبُونة (3)( Narbonne) وصخرة إينيون ( Avignon) وحصن لودون على وادي ردونة، وهو وادي نهر الرُّون (4). ولا نستبعد أن تكون بعض قوات موسى قد افتتحت برشلونة ولاردة وجزء من إقليم قطالونية، وأنها قد وصلت إلى جبال البرتات واجتازتها إلى قَرْقَشُونة (5)، فهو نفس الطريق الذي اتبعه السَّمح بن مالك (6) بعد ذلك بسنوات، ولكن فتح موسى هذا لم يكن فتحاً مُسْتَداما، إتما كان فتحاً وقتياً بقوات استطلاعية خفيفة، استطاعت جمع المعلومات عن تلك
(1) برشلونة: وتسمى أيضاً برشنونة، وهي مدينة مصاقبة للأندلس وقريبة من طرطوشة، تقع في شمال شرقي الأندلس، على البحر الأبيض المتوسط، ويعتبرها بعض جغرافيّ
العرب، أثها ليست من الأندلس، انظر تقويم البلدان (182 - 183)، ويراها بعضهم أنها من الأندلس، انظر جغرافية الأندلس وأوروبا (96)، والثاني هو الصواب، فهي من الأندلس. وتُكْسَر الشين في برشِلونة، عند بعض الجغرافيين العرب.
(2)
الغال: بلاد الغال ( Gaul أو Gallia) و ( Gallos) ، وهي تمثّل قسماً كبيراً من فرنسا أو جنوبها أحياناً، وكان يسمونها: غاليوش، انظر جغرافية الأندلس وأوروبا (59).
(3)
أربونة: مدينة شمال شرقي قرقوشة، تقع على السّاحل الفرنسي الجنوبيّ، انظر ما جاء عنها في تقويم البلدان (182 - 183).
(4)
نفح الطيب (1/ 256).
(5)
قرقشونة: وهي ( Carcassonne) بلد في جنوبي فرنسا قريبة من حدود إسبانيا الشمالية، وفي معجم البلدان (7/ 59): إنّ المسافة بين قرقشونة وقرطبة خمسة وعشرون يوماً. وفي نفح الطيب (1/ 260): إنّ موسى انتهى إلى حصن من حصون العدو يقال له: قرقشونة، وانظر تاريخ غزوات العرب في فرنسا وسويسرا وإيطاليا وجزائر البحر المتوسط (14) - الأمير شكيب أرسلان- مصر- 1352 هـ. وفي نفح الطيب (1/ 218) وابن خلدون (4/ 117): إنّ موسى توغّل في الأندلس إلى برشلونة من جهة الشرق وأربونة في الجوف، ويعتبر البكري مدينة قرقشونة من الجزء الأول الأندلسيّ، انظر جغرافية الأندلس وأوروبا (60).
(6)
السمح بن مالك: سترد ترجمته في كتابنا: قادة فتح الأندلس والبحار.
المنطقة من بلاد فرنسة، تمهيداً لفتحها فيما بعد (1).
(1) في البيان المغرب (2/ 24) ونفح الطيب (1/ 259)، أنّ موسى انتهى إلى صنم، فوجد في صدره مكتوباً، "يا بني إسماعيل! إلى هنا منتهاكم، وإذا سألتم: إلى ماذا ترجعون؟ أخبرناكم؟ ترجعون إلى اختلاف ذات بينكم، حتى يضرب بعضكم رقاب بعض" ومن الواضح أنّ هذه أسطورة من الأساطير، وهي قصة جغرافية، نسجت فيما بعد، تقريراً لما حدث بين الفاتحين فعلاً، وأدّى بهم إلى ضياع الفردوس المفقود (الأندلس) منهم، وخروجهم منها أذلاء مغلوبين حين تفرّقوا وأختلفوا وتخلّوا عن عقيدتهم التي قادتهم إلى النصر، فأصبحوا مسلمين جغرافيين، لا مسلمين حقيقيين، وعرباً من قوارير، أو بالجنسية - حسب - لا عرباً حقّاً، وكانوا قد دخلوها أعزاء فاتحين منتصرين متّحدين موحّدين، متمسكين بعقيدتهم مضحّين في سبيلها بالغالي والرخيص، فكان بأسهم على أعدائهم شديداً، فانتصروا وعزّوا، فأصبح بأسهم بينهم شديداً، فاندحروا وذلّوا. تلك هي عبرة الأسطورة للمسلمين اليوم وغداً، فهي في معناها واقع مرير قد حدث، وهي فى مبناها أسطورة من الأساطير.